الكويت: ما بعد الغدر الإيرانيّ غير ما قبله

مدة القراءة 7 د

هل حَسَبَ النظام الإيرانيّ الجديد أكلاف اعتداءاته الإجراميّة على الكويت ودول الخليج على المدى الطويل؟ ألا يُدرك جنرالات “الحرس الثوريّ” أنّ قصف الدول المجاورة ترك جروحاً غائرة، بعضها لن يندمل، كما في حالة الشابّ الكويتيّ عايض العتيبي الذي فقد ساقه اليسرى في الهجوم الإيرانيّ الأخير على مطار الكويت، وأصبح رمزاً شعبيّاً للصمود؟

 

من سَرديّات المسؤولين والمحلّلين الإيرانيّين في الأسابيع الأخيرة، يُمكن الاستنتاج أنّ النظام الإيرانيّ يعتقد أنّ بوسعه معالجة تداعيات الاعتداءات والهجمات بعد أن تضع الحرب أوزارها.

يظنّ العقل الإيرانيّ أنّ ما يعتبره “أضراراً جانبيّة” قابل للعلاج، سواء على المدى المتوسّط، أو بفعل عامل الوقت، ما دام الاتّفاق ناجزاً ونافذاً مع الولايات المتّحدة، وبطبيعة الحال إسرائيل.

لا ينفصل هذا العقل الذي يُدير نظاماً شديد التعقيد في إيران كثيراً عن العقل الذي حَكَم إيران منذ بداية التسعينيّات (تاريخ خامنئي الأب منصب المرشد الأعلى)، ويظلّ مقتنعاً بأنّ الولايات المتّحدة هي محور كلّ شيء: الصدام والحوار، المواجهة والصفقة، الحرب والتسوية.

حقائق وتداعيات

سيواجه النظام الإيرانيّ في المستقبل القريب حقائق غابت عنه تماماً، عندما كان يُصدر الأوامر بقصف الكويت والدول الخليجيّة والأردن، منها:

– ما تفسير استهداف الكويت وحدها بمُسيّرات وصواريخ أكثر ممّا استُهدفت به إسرائيل (الكويت استُهدفت بـ 893 طائرة مسيّرة و379 صاروخاً باليستيّاً و15 صاروخاً جوّالاً من طراز كروز خلال 104 أيّام منذ 28 شباط 2026 حتّى 11 حزيران 2026)؟

تُشدِّد المصادر على أنّ الكويت ترى إيران “غدرت بها وأظهرت حقداً دفيناً عليها”، على الرغم من أنّ العلاقات كانت جيّدة نسبيّاً إلى ما قبل اندلاع الحرب

– ربطاً بالتساؤل أعلاه: أسقطت الوقائع رواية إيران عن استهداف قواعد أميركيّة أو مواقع انطلاق الهجمات الأميركيّة على أراضيها، لأنّ الهجمات استهدفت مواقع ومرافق مدنيّة وبنى تحتيّة حيويّة، في مقدَّمها مطار الكويت الدوليّ الذي تعرّض للقصف أكثر من 10 مرّات (الهجمات استهدفت مبناه الرئيس مرّتين على الأقلّ وأدّت إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، وبعضها استهدف رادارات وأنظمة ملاحة وبعضها الآخر ضرب خزّانات وقود بقيت مشتعلة في إحدى المرّات لأكثر من 36 ساعة). استُهدفت أيضاً محطّات لإنتاج الكهرباء وموانئ ومواقع نفطيّة وغيرها من البنى التحتيّة المدنيّة.

– لن يكون سهلاً على إيران إزالة صفة “الدولة المارقة” عن نظامها، بعدما سقط ضحايا مدنيّون في الكويت وبعض دول الجوار، بصواريخها ومسيّراتها، وتسبّبت بتعطيل مرافق حيويّة مثل المطارات ومصافي النفط ومنشآت إنتاج الغاز وتصديره.

– كيف سيعالج الإيرانيّون واقع أنّ المزاج الشعبيّ الكويتيّ بات يتعامل معهم بصفات الغدر والخيانة والعدوانيّة والإرهاب، بعد مشاهد الصواريخ والمُسيّرات على مدى الأشهر الماضية؟

للمفارقة، كانت طفلة إيرانيّة أحد الضحايا المدنيّين الذين سقطوا في الكويت، وقد توفّيت فجراً وهي في سريرها بعدما سقطت على منزلها شظيّة من صاروخ إيرانيّ.

في مقابل الهمجيّة الإيرانيّة في قتل المدنيّين، برزت الإنسانيّة الكويتيّة الراسخة عندما استقبل أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح أهالي الشهداء الكويتيّين وغير الكويتيّين، ومن بينهم والد الطفلة الإيرانيّة نفسها وجميع أفراد عائلتها، وقدّم لهم التعزية والمواساة.

خيوط المواجهة

اعتمدت الكويت في مواجهة الاعتداءات الإيرانيّة سياسة دفاعيّة صلبة قائمة على تدعيم الدفاعات الجوّيّة التي أثبتت كفاءة عالية في إسقاط الغالبيّة الساحقة من الصواريخ، وعملت على تحسين قدراتها الدفاعيّة في التعامل مع المُسيّرات عبر تعزيز التعاون العسكريّ واستيراد أنظمة من دول حليفة، في مقدَّمها بريطانيا وفرنسا.

تشير المصادر إلى أنّ الكويت كانت من الدول القليلة في المنطقة التي رفضت أيّ تواصل دبلوماسيّ مع إيران طوال فترة الحرب وحتّى الآن

تحرّكت الكويت سياسيّاً ودبلوماسيّاً على محورين: الأوّل عماده التنسيق الكامل مع دول مجلس التعاون الخليجيّ عبر موقف موحّد مُجابه لإيران، والثاني قام على تعزيز التنسيق مع الدول الكبرى والمؤثّرة، خصوصاً الولايات المتّحدة وبريطانيا.

داخليّاً، ما يزال مجلس الوزراء الكويتيّ منذ بدء الحرب في حالة انعقاد دائم، ونجحت الجهات الحكوميّة في توفير سلاسل الإمداد الغذائيّة والحيويّة عن طريق المملكة السعوديّة في الفترات التي تمّ فيها إغلاق الأجواء والمطار.

نجحت الخطّة التي تمّ اعتمادها لاستئناف الرحلات الجوّيّة اعتباراً من مطلع أيّار الماضي. كانت تدريجيّة ومدعومة بخطط طوارئ فوريّة، وهو ما أتاح استمرار فتح الأجواء على الرغم من استمرار الضربات العسكريّة، فلم تغلَق الأجواء إلّا مؤقّتاً ولساعات قليلة منذ ذلك الحين.

الأهمّ أنّ الكويت لم تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة عابرة، بل باعتبارها نقطة تحوّل سترسم شكل العلاقة مع إيران لسنوات طويلة مقبلة.

قواعد جديدة

تجزم مصادر دبلوماسيّة واسعة الاطّلاع في الكويت أنّ التعايش مع إيران بعد الحرب لن يكون ممكناً بالقواعد نفسها التي كانت سائدة قبل 28 شباط 2026، وأنّ قواعد جديدة سيتمّ إرساؤها خلال الأشهر القليلة المقبلة لضمان عدم تكرار الاعتداءات الإيرانيّة.

تشير المصادر إلى أنّ الكويت كانت من الدول القليلة في المنطقة التي رفضت أيّ تواصل دبلوماسيّ مع إيران طوال فترة الحرب وحتّى الآن، على الرغم من المحاولات الإيرانيّة المتكرّرة، سواء مباشرة أو عبر وسطاء من بينهم دول خليجيّة وإقليميّة.

الأهمّ أنّ الكويت لم تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة عابرة، بل باعتبارها نقطة تحوّل سترسم شكل العلاقة مع إيران لسنوات طويلة مقبلة

انعكَسَ ذلك بوضوح على قضيّة ضبّاط “الحرس الثوريّ” الذين تمّ اعتقالهم أثناء محاولة تسلّلهم إلى الأراضي الكويتيّة عبر جزيرة بوبيان، وبدأت محاكمتهم أمام دائرة أمن الدولة في محكمة الجنايات، التي قرّرت في أولى الجلسات مساء الخميس الماضي حظر نشر أيّ معلومات عن القضيّة نظراً لحساسيّتها.

بالتوازي، تستمرّ محاكمات الخلايا التي تمّ تفكيكها خلال الحرب، وبعضها خطّط لاغتيالات وتفجيرات، وأيضاً للعديد من المغرّدين والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعيّ بتهمة “إثارة الفتن الطائفيّة والتعاطف مع دولة معادية” (يُقصد بها إيران).

تُشدِّد المصادر على أنّ الكويت ترى إيران “غدرت بها وأظهرت حقداً دفيناً عليها”، على الرغم من أنّ العلاقات كانت جيّدة نسبيّاً إلى ما قبل اندلاع الحرب، وكثيراً من الملفّات العالقة كان قد بدأ حلّها، منها على سبيل المثال ما أفضى إليه اجتماع اللجنة المشتركة للتجارة بين البلدين، في 5 تشرين الثاني 2025، الذي كان الأوّل منذ 12 عاماً، وتمّ الاتفاق في ختامه على “خارطة طريق للتعاون التجاريّ”، بهدف تعزيز التعاون في المجالات الاقتصاديّة والتجاريّة والاستثماريّة.

إقرأ أيضاً: “الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

لكنّ مخرجات ذلك الاجتماع والعلاقات التي سبقته أصبحت جزءاً من الماضي. أمّا استعادة الحدّ الأدنى من الثقة الكويتيّة فلن تكون مهمّة سهلة، وقد تحتاج إلى سنوات طويلة من الأفعال الإيرانيّة قبل الأقوال، كما تختم المصادر.

مواضيع ذات صلة

الشيباني في بيروت: العلاقة من “خُرم” المؤسسات

يوازي مضمون لقاءات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع المسؤولين اللبنانيين، الشكليات الإيجابية التي أحاطت بالزيارة والتي اتسمت، خلافاً للمرة السابقة، بتوسيع مروحة جولته البيروتية……

“المناطق التجريبية” خارج الخدمةّ حالياً!

كرٌر رئيس الجمهورية جوزف عون أن “صيغة الإطار التي انبثقت عن مفاوضات واشنطن تحقٌق منطق الدولة، وتحفظ حقوق لبنان قضائياً وميدانياً”، فيما المساعي المرتبطة ببدء…

الشيباني في بيروت: القلق من الإطاري وتحية إلى طرابلس

لا تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، الخميس المقبل، كزيارة دبلوماسية عابرة. هي زيارة ثانية، لكنّ توقيتها يجعلها مختلفة. فدمشق الجديدة تدخل…

عون يُدشّن بدء تنفيذ “اتّفاق واشنطن”

يدخل اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الموقّع في واشنطن، مرحلة اختبار حسّاسة وخطِرة بعد اصطدامه بفيتو داخليّ واسع تقدّمه “الحزب” والرئيس نبيه برّي والنائب السابق…