بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟

مدة القراءة 7 د

دشّنت الدولة اللبنانّية بدء مرحلة الانسحاب الإسرائيليّ، وفقاً لمندرجات اتّفاق 26 حزيران، عبر رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، إحدى البلدات المشمولة بالمنطقة التجريبيّة الأولى التي كان يتمركز الجيش الإسرائيليّ على أطرافها، إلى جانب فرون وصريفا، غير المحتلّتين. وقد أُعلِنت أمس جولة محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، ستستضيفها روما في 4 آب المقبل، للمرّة الثانية، بعد جولة 14 و15 تمّوز.

 

تحتاج الترجمة التنفيذيّة لزيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون للولايات المتّحدة الأميركيّة إلى بعض الوقت لرصد نتائجها، بالتزامن مع التدشين الفعليّ لمرحلة المناطق التجريبيّة، وذلك لجهة أمرين أساسيَّين، مرتبطين بالجنوب والجيش:

– الوعد الأميركيّ بمساعدة لبنان والجيش و”مساعدته كثيراً”، كما قال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، كاشفاً عن وجود “خطط ملموسة لهذه الغاية بمشاركة أطراف أخرى ستقدّم المساعدة أيضاً”، ومدى الربط الأميركيّ بين هذا الدعم و”مهمّة” إنهاء الدور المسلّح لـ”الحزب”، الموكلة اليوم إلى مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان MCG4L (لبنان-واشنطن-إسرائيل)، إضافة إلى بسط سلطة الدولة في المناطق المحرّرة من الاحتلال الإسرائيليّ والوجود العسكريّ لـ”الحزب”.

– مدى الضغط الأميركيّ لإلزام إسرائيل بالتزام مندرجات اتّفاق 26 حزيران. وهو الاتّفاق الذي لم يشِر إلى كلمة انسحاب إسرائيليّ بل إعادة انتشار، ولا إلى مهل زمنيّة لإنجازه. وقد استخدم ترامب التعبير نفسه، أي إعادة الانتشار، في ردّه على الأسئلة عن الانسحاب الإسرائيليّ من لبنان.

وفق المعلومات، تقدّم هذا المطلب لائحة المطالب التي عرضها عون على ترامب، معتبراً أنّها “حاجة ملحّة لتمكين الدولة من بسط سيطرتها”. كان لافتاً في هذا السياق تأكيد عون خلال حفل العشاء الذي أقامته السفارة اللبنانيّة في واشنطن أنّ “نزع السلاح ممكن إذا كنّا صادقين بشأن ما يتطلّبه الأمر فعلاً، أي إزالة الاحتلال وتولّي الجيش السيطرة الكاملة، وبرنامج إعادة إعمار تديره الدولة وحدها”.

تحتاج الترجمة التنفيذيّة لزيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون للولايات المتّحدة الأميركيّة إلى بعض الوقت لرصد نتائجها

الشّرط الأوّل

كان “الشرط” الأوّل، الذي تحدّث عنه عون من أجل نزع السلاح، يختبر في الأيّام الماضية مرحلته الأولى على خطّ فرون-صريفا-زوطر الغربيّة في ظلّ مشهدين متناقضين جدّاً:

– في الساعات القليلة التي سبقت لقاء عون بترامب في واشنطن تعرّض الجيش اللبنانيّ لاعتداء مباشر من الجيش الإسرائيليّ بحجّة تجاوزه نطاق “المنطقة التجريبيّة” في زوطر الغربيّة باتّجاه “المنطقة الآمنة” (وفق التعبير الإسرائيليّ) في زوطر الشرقيّة، المحتلّة إسرائيليّاً، والتي يفصلها شارع واحد عن زوطر الغربيّة. وقد كشف ترامب خلال حديثه مع الإعلاميّين عن سماعه بالخبر “وسنبحث في الأمر”.

وصل الأمر إلى حدّ الاشتباك الكلاميّ بين الجيشين، عبر تأكيد قيادة اليرزة عدم دخول قوّاتها زوطر الشرقيّة، وتقدّم قوّات الاحتلال الإسرائيليّ (مجدّداً) نحو أطراف بلدة زوطر الغربيّة (بعد انسحاب الجيش الإسرائيليّ منها) أثناء وجود عناصر الجيش اللبنانيّ داخلها، وتعرّض وحداتها لإطلاق نار عرّض العسكريّين للخطر، وأعاق تنفيذ مهامّهم. من جهته أطلق الجيش الإسرائيليّ تهديداً مباشراً: “أيّ تجاوز للتفاهمات، وفقاً للمناطق المتّفق عليها، ومن دون تنسيق مسبق، قد يعرّض الجيش اللبنانيّ للخطر”!

– في اليوم الثاني لانسحاب إسرائيل من أطراف زوطر الغربيّة، بعد تعرّض الجيش لاعتداء صريح خلال تنفيذه مهامّ الانتشار فيها، “حطّت الدولة” في زوطر الغربيّة: رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى، ورئيس الأركان اللواء حسّان عودة والأمين العامّ للمجلس الأعلى للدفاع اللواء محمّد مصطفى في زيارة مشتركة. كانت الرسالة الرسميّة واضحة في شأن حصد التفاوض الدبلوماسيّ أولى ثماره لجهة “بداية الانسحاب الإسرائيليّ، وسنواصل حشد جهودنا السياسيّة والدبلوماسيّة لتحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانيّة”، كما أعلن سلام.

بالمفهوم الرسميّ اللبنانيّ يفترض أن يشمل النموذج الثاني للمناطق التجريبيّة بلدات محتلّة، داخل المنطقة الأمنيّة

الدّعم السّياسيّ

حين تحدّث الرئيس عون عن “الدعم السياسيّ”، إضافة إلى الدعم العسكريّ، الذي طلبه من ترامب، كان يقصد بشكل واضح ممارسة واشنطن ضغطاً فعليّاً على إسرائيل لجعل نزع السلاح ممكناً من خلال انسحاب إسرائيل المتدرّج من البلدات التي تحتلّها، ووقف أعمالها العدائيّة، لا سيما أنّ “الحزب” وعملاً بمندرجات اتّفاق إسلام آباد بين واشنطن وإيران علّق عمليّاته العسكريّة، والتزم وقف النار، فيما الاتّفاق نفسه شهد خروقات قد تطيح به، بعد تجدّد التصعيد العسكريّ بين الدولتين، وتعثّر المسار الدبلوماسيّ.

الأهمّ أنّ إسرائيل تواظب أعمالها العدائيّة من خلال الغارات ونسف المنازل والتجريف في عدد من القرى الجنوبيّة، والتلويح بتفجير أنفاق شقيف-أرنون، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى نتائج كارثيّة لجهة تداعياته الجيولوجيّة، ويبقي مهمّة انتشار الجيش تحت النار والغارات.

زوطر الغربيّة

المؤكّد حتّى الآن، وفق المعلومات، أنّ الوعود الأميركيّة كلاميّة فقط، خصوصاً في دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التزام أجندة الانسحاب. وسترتكز إلى نتائج خطّة “المناطق التجريبيّة” التي لم تحدَّد الفترة الزمنيّة لإنجازها، ولا المراحل، وليست واضحة كيفيّة تعامل “الحزب” مع تطبيقها على الأرض.

في هذا السياق، طرحت مسألة جوهريّة ترتبط بالمعلومات التي تحدّثت عن منح الجيش إشارة قضائيّة مفتوحة من مدّعي عامّ التمييز القاضي أحمد رامي الحاجّ لتفتيش منازل البلدات التي يدخل إليها الجيش اللبنانيّ، بعدما شكّل “دخول المنازل” سابقاً من دون موافقة أصحابها عقبة أمام إنجاز الجيش مهامّه تطبيقاً لاتّفاق 27 تشرين الثاني 2024. لكن حتى يوم أمس لم يتبلّغ القضاء العسكري، وفق معلومات “أساس” أيّ توجّه في هذا الشأن.

لم يُعرف حتّى الآن ردّ فعل “الحزب” على هذا الأمر، خصوصاً في البلدات الواقعة خارج الخطّ الأصفر وشمال الليطاني، والتي يعتبر “الحزب” أنّه غير معنيّ بالتجاوب مع أيّ تفصيل عسكريّ يرتبط بها لجهة الانسحاب الإسرائيليّ ودخول الجيش.

دشّنت الدولة اللبنانّية بدء مرحلة الانسحاب الإسرائيليّ، عبر رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة

اليوم التّالي

مع لحظة رفع سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، جارة زوطر الشرقيّة المحتلّة إسرائيليّاً بالكامل، طرح سؤال بديهيّ: ماذا عن اليوم التالي؟ كيف يمكن أن يعود الأهالي إلى بلدة “محرّرة” تُجاور بلدة محتلّة بفاصل زاروب واحد بينهما؟

هذا مع العلم أنّ الجيش دخل، من دون الأهالي، إلى بلدة شبه مدمّرة وتفتقر إلى مقوّمات الحياة، وتحتاج إلى وقت طويل لإجراء المسح الهندسيّ والميدانيّ. وقد سارع سلام أمس إلى تأكيد “بدء التحضير لإعادة جميع الخدمات الأساسيّة من مياه وكهرباء واتّصالات، والعمل على توفير مساكن جاهزة في المرحلة الانتقاليّة”.

محادثات روما

بالمفهوم الرسميّ اللبنانيّ يفترض أن يشمل النموذج الثاني للمناطق التجريبيّة بلدات محتلّة، داخل المنطقة الأمنيّة، وقد سبق للرئيس عون أن طرح بلدة بنت جبيل نموذجاً أوّل للانسحاب.

إقرأ أيضاً: المنطقة التّجريبيّة الأولى: مَن “يتحقّق” من السّلاح؟

لكنّ أوساطاً سياسيّة تقول لـ”أساس”: “وفق بيان وزارة الخارجيّة الأميركيّة الأخير، كان بدء العمليّات في المناطق التجريبيّة في الجنوب ثمرة مباشرة لمحادثات روما بين إسرائيل ولبنان”، وتحت سقف الإطار الثلاثيّ ورعاية الـMCG4L. وبالتالي قد نوقش الجزء المرتبط بالمنطقة التجريبيّة الثانية تفصيليّاً في روما، لكن لا إعلان رسميّاً بعد أو لا معلومات عن عن القرى التي توافقوا عليها، والمدّة التي سيستغرقها إنجاز المرحلة الأولى من المناطق التجريبيّة غير محدّدة بعد، وستشهد الاختبار الأكثر حساسيّة من خلال التحقّق من إنجاز الجيش لمهامّه (كما ورد في اتّفاق 26 حزيران)، وتحديد الجهة التي ستتولّى ذلك، وإجراء تقويم من قبلها لعمل الجيش اللبنانيّ، تمهيداً لإعلان المنطقة التجريبيّة الثانية”.

 

لمتابعة الكاتب على X:
@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

الشّرع لا يريد لبنان… فلماذا يصرّ ترامب؟

الروايات تُروى مرّة. أمّا عندما تُكرَّر تتحوّل إلى رسائل. وهذا تماماً ما يفعله دونالد ترامب. فمنذ لقائه بالرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة، يكاد لا…

المنطقة التّجريبيّة الأولى: مَن “يتحقّق” من السّلاح؟

بدأت رسميّاً، منذ يوم الإثنين، أولى مراحل تنفيذ “المناطق التجريبيّة”، وسط إحاطة رسميّة واسعة أخذت مداها في لقاء رئيس الجمهوريّة جوزف عون، الأوّل منذ انتخابه،…

قانون العفو… على “كوع” محكمة التّمييز

يُفتحُ ملفُّ قانونِ العفوِ العامِّ في لبنانَ مرّةً جديدةً على مصراعيه، لتنكشفَ من خلالِهِ أعمقُ ثنايا الانقسامِ السياسيِّ والأمنيِّ، وتظهرَ مجدّداً محاذيرُ الوقوعِ في فخِّ…

واشنطن تضغط… وبيروت تفاوض على الوقت

بين استقبال بروتوكوليّ ورسائل سياسيّة ثقيلة، تتحرّك زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن. فاللقاء مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مبنى وزارة الخارجيّة، وغياب…