دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران على صحن من فضّة. وقتذاك، أعطت واشنطن لطهران إشارة انطلاق جديدة لمشروعها التوسّعيّ الذي بات حاليّاً في مأزق حقيقيّ.
يبدو دخول لبنان مرحلة ما بعد النفوذ الإقليميّ لإيران العنوان الكبير للمرحلة الراهنة، وهو عنوان يصلح للزيارة التي قام بها الرئيس جوزف عون لواشنطن والتي التقى خلالها الرئيس دونالد ترامب.
إنّها زيارة الطلاق اللبنانيّ مع إيران، وهو طلاق يفسّر ردود الفعل المجنونة لقياديّين من “الحزب”، أي لإيران. لا يعبّر عن هذا الطلاق أكثر من ذهاب رئيس الجمهوريّة إلى حدّ القول إنّ الهدف النهائيّ “إنهاء حال العداء بين لبنان وإسرائيل، وآن أوان أن تنعم المنطقة بالاستقرار”. يعني هذا الكلام صراحة التزام لبنان الاتّفاق الإطار الذي تمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، كما يعني أنّ لبنان صار نهائيّاً في مكان آخر خارج “محور الممانعة”. أكثر من ذلك، بات التخلّص من الهيمنة الإيرانيّة شرطاً كي تنعم المنطقة، بمن في ذلك لبنان، بالاستقرار.
يستحيل تجاهل أنّه لو لم يتغيّر النظام الإقليميّ، لما كان جوزف عون وصل إلى موقع رئاسة الجمهوريّة أصلاً مطلع 2025. ليس سرّاً أنّ إيران كانت ستستمرّ في إغلاق مجلس النوّاب إلى أن يقرّر أعضاء المجلس انتخاب مرشّحها رئيساً كما حصل في العام 2016. بقي المجلس معطّلاً طوال سنتين تقريباً… إلى أن “اقتنع” النوّاب بانتخاب مرشّح “الحزب”، أي مرشّح “الجمهوريّة الإسلاميّة” (ميشال عون) رئيساً.
ذهب جوزف عون إلى واشنطن ليؤكّد أنّ لبنان مستعدّ لدخول مرحلة ما بعد سقوط النظام الإقليميّ الإيرانيّ والعودة بلبنان إلى وضع البلد الطبيعيّ
واقع إقليميّ جديد
جاءت زيارة الرئيس اللبنانيّ للعاصمة الأميركيّة لتأكيد الواقع الإقليميّ الجديد الذي يظهر أنّ كبار المسؤولين اللبنانيّين استطاعوا استيعابه، بمن في ذلك الرئيس نبيه برّي الذي تحدّث جوزف عنه بإيجابيّة أمام دونالد ترامب، إذ وصفه بأنّه “رجل دولة”. استوعب كبار المسؤولين اللبنانيّين الواقع الجديد بدل انتظار تسوية، لا أفق لها، مع “الحزب” في شأن سلاحه…
الأكيد أنّ زيارة رئيس الجمهوريّة لواشنطن أثبتت له أن لا انسحاب إسرائيليّاً من شبر من الأراضي اللبنانيّة بوجود سلاح إيرانيّ في البلد. لا بدّ من خروج هذا السلاح من البلد مثلما خرج من سوريا أواخر 2024. بكلام أوضح، لا مفرّ من دخول لبنان مرحلة جديدة يتحرّر فيها من الوصاية الإيرانيّة، على غرار ما حصل في سوريا. ليس طبيعيّاً بقاء لبنان تحت الوصاية الإيرانيّة بعدما تخلّصت سوريا من وصاية “الحرس الثوريّ”.
ذهب جوزف عون إلى واشنطن ليؤكّد أنّ لبنان مستعدّ لدخول مرحلة ما بعد سقوط النظام الإقليميّ الإيرانيّ والعودة بلبنان إلى وضع البلد الطبيعيّ المتصالح مع نفسه ومع محيطه العربيّ بدل أن يكون جرماً يدور في فلك “الجمهوريّة الإسلاميّة”. ليس بدء تنفيذ المناطق التجريبيّة سوى دليل على أنّ لبنان بات يراهن، سياسيّاً، على دخول مرحلة جديدة مختلفة بعيداً عن إيران التي أرادت ربط مصير البلد وجنوبه وأهل الجنوب بمسار إسلام آباد الذي ولد، في الأصل، ميتاً.

يفسّر الخيار اللبنانيّ المتمثّل في الطلاق مع منطق إيران ذلك الجنون الذي يتعامل به “الحزب” مع زيارة رئيس الجمهوريّة لواشنطن. يدرك “الحزب”، الذي يركّز هذه الأيّام على مهاجمة المارونيّ جوزف عون أكثر ممّا يركّز على السنّيّ نوّاف سلام، أنّ زيارة واشنطن نقطة تحوّل أساسيّة في اتّجاه تكريس الخروج من الهيمنة الإيرانيّة.
جاءت زيارة الرئيس اللبنانيّ للعاصمة الأميركيّة لتأكيد الواقع الإقليميّ الجديد الذي يظهر أنّ كبار المسؤولين اللبنانيّين استطاعوا استيعابه
في هذا الجوّ الذي يعتقد فيه “الحزب” أنّه لا يزال في استطاعته ترهيب المسيحيّ اللبنانيّ أكثر ممّا يستطيع ترهيب السنّيّ، لجأ قياديّ في “الحزب” إلى لغة لا سابق لها في تهديد اللبنانيّين جميعاً عندما قال: “إذا لم تصحّح السلطة العلاقات مع إيران وتحلّ مسألة الطيران الإيرانيّ، فإنّ صبرنا قد ينفد… وعندها لن يبقى أيّ طيران يهبط في لبنان ولن يبقى أيّ سفير في بيروت”. هل أراد القياديّ في “الحزب” الردّ مسبقاً على الرئيس الأميركيّ ووزير خارجيّته ماركو روبيو اللذين تحدّثا مع جوزف عون عن تسيير رحلات جوّيّة مباشرة بين الولايات المتّحدة ولبنان؟
وقاحة ما بعدها وقاحة
مثل هذا الكلام الكبير الصادر عن قياديّ في “الحزب”، والذي يعبّر عن وقاحة ليس بعدها وقاحة، يشير إلى استيعاب إيرانيّ لمغزى زيارة رئيس الجمهوريّة لواشنطن والأبعاد التي ستترتّب على هذه الزيارة التي تصبّ في السعي إلى جدول زمنيّ للانسحاب الإسرائيليّ.
في المقابل، يوجد إدراك لبنانيّ لأهمّيّة تقديم ضمانات مطلوبة إسرائيليّاً كي تقتنع واشنطن، قبل الدولة العبريّة، بجدّيّة لبنان من جهة، وقدرته على استيعاب تطوّرات الوضع الإقليميّ من جهة أخرى.
إقرأ أيضاً: زيارة عون لواشنطن التّاريخيّة: مظلّة سعوديّة لعودة الدّولة
من الواضح، أنّ السلطة في لبنان ممثّلة برئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء في مستوى ما يدور في الإقليم. يعكس ذلك الحرص على التنسيق مع الجانب العربيّ، خصوصاً المملكة العربيّة السعوديّة. تعاني الأخيرة، بدورها، مع دول مجلس التعاون الخمس الأخرى ودولة مثل المملكة الأردنيّة الهاشميّة من الجنون الإيرانيّ الذي يبدو أن لا حدود له. سيرتدّ هذا الجنون عاجلاً أم آجلاً على نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة” الذي يرفض، على العكس من لبنان، الاقتناع بأنّ المنطقة تغيّرت وأن لا خيار أمامه سوى أن يتغيّر بدوره…
لمتابعة الكاتب على X:
