الروايات تُروى مرّة. أمّا عندما تُكرَّر تتحوّل إلى رسائل. وهذا تماماً ما يفعله دونالد ترامب. فمنذ لقائه بالرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة، يكاد لا يمرّ لقاء أو محطّة إلّا ويعود إلى الفكرة نفسها: الشرع قد يؤدّي دوراً في لبنان، وربّما ضدّ “الحزب”. قالها بعد لقائه في أنقرة، ثمّ كرّرها مجدّداً من المكتب البيضاويّ أمام الرئيس اللبنانيّ جوزف عون، حين تحدّث عن احتمال أن “يأتي الشرع ليقوم بأمر ما ضدّ الحزب”، مذكّراً بأنّه سبق أن قاتله خلال الحرب السوريّة.
تُروى في دمشق حكاية مختلفة تماماً. فمنذ حديث ترامب في أنقرة عن أنّ الرئيس السوريّ “قدّم التزامات”، بدا واضحاً أنّ الملفّ اللبنانيّ حاضر في تلك المحادثات، حتّى وإن لم يكشف الرئيس الأميركيّ مضمونها. أمّا اليوم فقد انتقل ترامب من التلميح إلى طرح الملفّ علناً أمام الرئيس اللبنانيّ، وكأنّ جزءاً ممّا وصفه في أنقرة بـ”الالتزامات” عاد ليظهر، ولو بصورة غير مباشرة، في حديثه عن لبنان.
تمايز الرّوايتين
هنا تبدأ الروايتان بالافتراق. بحسب مصدر سوريّ، لا يريد الشرع الدخول إلى لبنان، ولا خوض مواجهة مع “الحزب”، وقد كرّر هذا الموقف أكثر من مرّة أمام زوّاره. ويؤكّد المصدر أنّ ما يُتداول عن هذا السيناريو لا يتعدّى كونه محاولة ضغط، وأنّ الشرع لا يريد أن يتحوّل إلى نسخة جديدة من النظام السوريّ السابق أو أن يغرق في “الوحول اللبنانيّة”. ويضيف المصدر أنّ الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان يساند هذا التوجّه، ويرى أنّ مصلحة دمشق اليوم هي تثبيت الدولة السوريّة لا فتح جبهة جديدة في لبنان.
تصف المصادر أسلوب أحمد الشرع في التعامل مع الرئيس الأميركيّ بأنّه “الأذكى” حتّى الآن
إذا كانت دمشق ترفض هذا السيناريو، فلماذا يواصل ترامب الحديث عنه؟
بحسب مصدر أميركيّ، لم يكن كلام الرئيس الأميركيّ توصيفاً لما يجري وحسب، بل حمل رسالتين سياسيّتين: الأولى إلى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ومفادها أنّ واشنطن لا تحصر خياراتها في إسرائيل وحدها لمعالجة ملفّ “الحزب”، والثانية إلى أحمد الشرع نفسه هدفها إبقاء فكرة الدور السوريّ مطروحة في العلن لتكون ورقة ضغط يمكن للإدارة الأميركيّة العودة إليها إذا احتاجت إليها خلال المرحلة المقبلة. وبحسب المصدر، لا يتحدّث ترامب بالضرورة عمّا سيحدث، بل عمّا يريد أن يبقى احتمالاً قائماً.
تصف المصادر أسلوب أحمد الشرع في التعامل مع الرئيس الأميركيّ بأنّه “الأذكى” حتّى الآن. فبحسب هذه المصادر، يتجنّب الشرع الدخول في مواجهة علنيّة مع ترامب أو إحراجه، ولا يردّ على تصريحاته بالمثل، لكنّه في المقابل يتمسّك بموقفه الرافض للانخراط في لبنان، محاولاً إدارة التباين مع واشنطن بهدوء ومن دون تحويله إلى صدام سياسيّ.
مسار العلاقة تعاونيّ
لكنّ الوقائع على الأرض لا تسير، حتّى الآن، في الاتّجاه الذي يتحدّث عنه ترامب. فبعد إعلان اللجنة العليا المشتركة بين لبنان وسوريا، استعاد كثير من اللبنانيّين ذاكرة العلاقة بين البلدين بعد عام 1991، وخشوا أن يكون الإطار الجديد بداية لعودة نموذج قديم. إلّا أنّ الخطوات التي تلت الإعلان أوحت، حتّى الآن، بمسار مختلف عنوانه الدولة لا الوصاية.

أعلن وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني من بيروت أنّ صفحة التدخّلات انتهت، وأنّ العلاقة ستكون مع الدولة اللبنانيّة فقط، فيما نقل الرئيس جوزف عون عن أحمد الشرع تأكيده أنّ سوريا لن تكون مع أيّ طرف لبنانيّ ضدّ آخر.
بحسب مصدر سوريّ، لا يريد الشرع الدخول إلى لبنان، ولا خوض مواجهة مع “الحزب”، وقد كرّر هذا الموقف أكثر من مرّة أمام زوّاره
برز بعدئذٍ ملفّ أمنيّ دقيق مع إعلان دمشق تفكيك خلايا لتنظيم داعش في الجنوب واعتقال فراس الداغر، الملقّب بـ”والي لبنان وفلسطين”، فيما أوقفت شعبة المعلومات في لبنان مسؤولاً أمنيّاً في التنظيم مرتبطاً بالساحتين السوريّة واللبنانيّة، في مؤشّر إلى أنّ البلدين يواجهان التهديد نفسه.
انتقلت بعد ذلك العلاقة إلى الاقتصاد. فخلال زيارة وزير الاقتصاد اللبنانيّ عامر البساط لدمشق، دعا الشرع إلى توسيع الاستثمارات المشتركة، معتبراً أنّ رأس المال اللبنانيّ يعرف السوق السوريّة جيّداً. ثمّ أُعلن رسميّاً إنشاء مجلس الأعمال اللبنانيّ–السوريّ، في خطوة تعكس رغبة في بناء علاقة بين القطاع الخاصّ في البلدين لا بين الأجهزة الأمنيّة كما كان يحصل في الماضي.
المفارقة بين الرّئيسين
هنا تكمن المفارقة. فبينما يتحدّث ترامب عن دور سوريّ في مواجهة “الحزب”، تبدو دمشق منشغلة، حتّى الآن، ببناء علاقة مختلفة مع لبنان، علاقة تمرّ عبر الدولة، الدبلوماسيّة، التنسيق الأمنيّ، والاقتصاد، لا عبر القوّة العسكريّة.
إقرأ أيضاً: ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون
ربّما المفارقة الأبرز أنّ أحمد الشرع لم يُدخل لبنان، لكنّ دونالد ترامب أدخله مرّتين إلى صلب النقاش السياسيّ اللبنانيّ خلال أسابيع قليلة. وبين رئيس أميركيّ يكرّر الرواية، ورئيس سوريّ يرفضها بهدوء، يبقى السؤال: هل يكشف ترامب عن دور يجري التحضير له أم يحاول دفع أحمد الشرع إلى دور لا يريد أداءه أصلاً؟
لمتابعة الكاتب على X:
