ثورة بيضاء تتوّج بورنهام رئيساً لحكومة بريطانيا

مدة القراءة 7 د

دخل آندي بورنهام مقرّ رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت في لندن، قادماً من بلديّة مانشستر الكبرى. تولّى زعامة حزب العمّال البريطانيّ، وتسلّم مباشرة رئاسة الوزراء. قاد تمرّداً هادئاً من داخل الحزب، وأطاح زميله كير ستارمر عبر انتفاضة باردة داخل صفوف الحزب. وهو سابع رئيس حكومة منذ مرحلة ما بعد “بريكست”، والرابع خلال السنوات الخمس الأخيرة.

 

بلغت شعبيّة بورنهام ذروتها خلال جائحة كورونا، حين رفض قبول القيود المفروضة على السكّان من دون تعويضات ماليّة، وهو ما أكسبه، في مواجهة حكومة بوريس جونسون، لقب “ملك الشمال”. فلماذا يُعدّ رئيس الوزراء البريطانيّ الجديد صندوقاً مقفلاً؟ هل هو لغز يصعب فكّ شيفراته أم يمثّل شخصيّة غير نمطيّة على المستوى الدوليّ؟

شخصيّة غير نمطيّة

يُعدّ آندي بورنهام شخصيّة مغامرة في الحياة السياسيّة البريطانيّة. هو يميل، فكرياً وسياسياً، إلى اليسار، وقد أعلن رغبته في إعادة الأمل إلى الشعب البريطانيّ، متعهّداً بإحياء المبادئ الأصيلة لحزب العمّال. وبنى مكانته الوطنيّة بعيداً من لندن، ويتمحور مشروعه السياسيّ حول نقل التجربة “المانشستريّة” إلى مستوى الدولة، وتطبيق رؤيته في إدارة المملكة المتّحدة.

شغل بورنهام منصب عمدة مانشستر الكبرى، ثاني أكبر منطقة حضريّة في بريطانيا، منذ عام 2017، وأُعيد انتخابه لولاية ثانية عام 2021. وقبل ذلك، تولّى عدداً من المناصب الوزاريّة في حكومة غوردون براون بين عامي 2007 و2010. وفشل في الفوز بزعامة حزب العمّال عقب انتخابات عام 2010، ثمّ تخلّى عن مقعده في مجلس العموم، مكتفياً بالعمل في السلطة المحليّة، بعد الصراعات الداخليّة التي شهدها الحزب والتمرّد البرلمانيّ ضدّ جيريمي كوربين عام 2016.

شهد حزب العمّال خلال السنوات الماضية تحوّلات مهمّة، إذ أصبح أكثر تموضعاً في الوسط بين اليمين واليسار، وانتقل من صورته التقليديّة إلى حزب يسار معتدل

حركة تصحيحيّة داخل حزب العمّال

شهد حزب العمّال خلال السنوات الماضية تحوّلات مهمّة، إذ أصبح أكثر تموضعاً في الوسط بين اليمين واليسار، وانتقل من صورته التقليديّة إلى حزب يسار معتدل. ويعوّل الحزب كثيراً على هذه المتغيّرات لضمان مستقبله السياسيّ، ويعتبرها بمنزلة ثورة إصلاحيّة داخل أروقته وبين كوادره، تنطلق من قراءة مختلفة للتحوّلات التي طرأت على قناعات الناخب البريطانيّ، وتهدف إلى قطع الطريق أمام أحزاب اليمين واليمين المتطرّف، وكذلك أمام حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانيّة المقبلة.

بورنهام

مهّدت هذه الحركة الإصلاحيّة، إلى جانب التغييرات المفصليّة داخل الحزب، لخلافة ستارمر. جاءت التبديلات هيكليّة وعميقة، وحظيت بدعم أغلبيّة قادة حزب العمّال. وحصل بورنهام على تأييد 379 نائباً من أصل 403 من أعضاء الكتلة البرلمانيّة للحزب في الترشيحات الداخليّة. انقلب المزاج الشعبيّ على ستارمر، بعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها الحزب في الانتخابات المحليّة أمام حزب الإصلاح، فطالبه كثيرون بالاستقالة.

لم يحتَج هذا المشهد إلى انتخابات عامّة، بحكم طبيعة النظام السياسيّ البريطانيّ، الذي ينصّ على أن يتولّى زعيم الحزب الحاكم رئاسة الحكومة مباشرة. ويسعى بورنهام إلى تأميم بعض الخدمات العامّة، وإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعيّة، وإنعاش الاقتصاد المتباطئ، ومعالجة الركود، وكبح جماح التضخّم. ويشدّد على أنّ هذه الخطوات تمثّل السبيل الوحيد لاستعادة ثقة ناخبي الطبقة العاملة، ولا سيما في مناطق الشمال الصناعي.

يعتبر كثيرون بورنهام الرجل القادر على إنقاذ حزب العمّال بعد هزيمته القاسية في الانتخابات المحليّة، واستئناف المواجهة السياسيّة مع نايجل فاراج وحزب الإصلاح قبل الانتخابات العامّة المقرّرة عام 2029. فهل يكون الحصان الأسود في السياسة البريطانيّة؟

شغل بورنهام منصب عمدة مانشستر الكبرى، ثاني أكبر منطقة حضريّة في بريطانيا، منذ عام 2017، وأُعيد انتخابه لولاية ثانية عام 2021

يهدف هذا الانتقال السلس إلى فكّ العزلة بين السلطة التنفيذيّة والمجتمع المحلّيّ، وتعزيز التوافق المؤسّسيّ مع البرلمان، في محاولة لإنهاء حالة الاضطراب السياسيّ. يقوم هذا الانتقال على:

1- رؤية بورنهام التي تنطلق من دعم اللامركزيّة، وإعادة ترتيب أولويّات التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

2- التغييرات الداخليّة التي بدأت مع نهاية عهد ستارمر، وصعود منافسه داخل الحزب، وسط ضغوط داخليّة متزايدة وتوافق حزبيّ واسع تجاوز 95% من التوكيلات لتبني مسار سياسيّ جديد.

السّياسة الخارجيّة

يسير آندي بورنهام على خطى سلفه في عدد من الملفّات الرئيسة، وفي مقدَّمها الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع الاتّحاد الأوروبيّ، على الرغم من أنّه لا يزال شخصيّة غير معروفة على نطاق واسع في الساحة الدوليّة. وقد عارض خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ، معتبراً أنّ الـ”بريكست” ألحق أضراراً بالبلاد، ويسعى إلى إصلاح العلاقات مع بروكسل، تمهيداً لإعادة بناء شراكة أكثر متانة مع الاتّحاد الأوروبيّ.

يسعى إلى ترميم العلاقات البريطانيّة – الأميركيّة، بعد سنوات من التقلّبات التي ازدادت حدّتها خلال عهد حكومة ستارمر. وينتظر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من رئيس الوزراء البريطانيّ الجديد تحديد مواقف لندن بوضوح تجاه سياساته. يطمح ترامب إلى رؤية تحوّل حقيقيّ في سياسات حزب العمّال ينعكس مباشرة على أداء الحكومة ويشجّع على زيادة الإنفاق الدفاعيّ والعسكريّ، ويترقّب تغيّراً ملموساً في الموقف البريطانيّ من الحرب مع إيران. ويُعدّ تشجيع التنقيب عن النفط في بحر الشمال إحدى أبرز أولويّات الإدارة الأميركيّة في هذا السياق.

تحظى القضيّة الأوكرانيّة بأعلى درجات الإجماع داخل الطبقة السياسيّة البريطانيّة. ويلتزم بورنهام الحفاظ على الدعم البريطانيّ القويّ لأوكرانيا، وهو النهج الذي بدأ في عهد حكومة المحافظين برئاسة بوريس جونسون عام 2022، واستمرّت فيه الحكومات اللاحقة، مع تمسّك المملكة المتّحدة بدورها في حلف شماليّ الأطلسي، وباستراتيجيّتها الخاصّة بالردع النوويّ.

بلغت شعبيّة بورنهام ذروتها خلال جائحة كورونا، حين رفض قبول القيود المفروضة على السكّان من دون تعويضات ماليّة

يرى بورنهام أنّ على المملكة المتّحدة بذل مزيد من الضغوط على الحكومة الإسرائيليّة في ما يتعلّق بالأوضاع في غزّة والضفّة الغربيّة المحتلّة وجنوب لبنان. وكان موقف حزب العمّال من هذا الصراع أحد أبرز مصادر الخلافات والانقسامات الداخليّة، الأمر الذي دفع عدداً من قادته إلى المطالبة بإعادة النظر في السياسة المتّبعة، وفرض مزيد من العقوبات، واتّخاذ إجراءات لحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة.

يؤسّس وصول بورنهام إلى رئاسة الوزراء لمرحلة جديدة في الحياة السياسيّة البريطانيّة تقوم على أنماط مختلفة في إدارة الدولة. فهو يطرح خططاً تمتدّ لعقد كامل تختلف عن تلك التي أعقبت استفتاء الخروج من الاتّحاد الأوروبيّ، وتهدف إلى إنهاء حالة عدم الاستقرار السياسيّ، والفوضى التنفيذيّة، والاستعصاء التشريعيّ.

إقرأ أيضاً: بريطانيا: من أزمة “البريكسيت” إلى أزمة دولة

شهد حزب العمّال ثورة بيضاء من داخله، لكن يبقى السؤال: هل تتجاوز آثارها حدود الحزب؟ هل تفتح الباب أمام تغييرات أوسع في بنية النظام السياسيّ البريطانيّ؟ الأهمّ هل ينجح بورنهام في تحويل هذا التحوّل الحزبيّ إلى مشروع حكم؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ElMehiedine

مواضيع ذات صلة

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في…

السّعوديّة وتركيا وباكستان: نحو معادلة أمنيّة جديدة؟

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها. من هذا المنطلق تكتسب الحالة السعوديّة – التركيّة…

النّوويّ السّعوديّ: شراكة القلق بين إيران وإسرائيل

فيما يحتدم التفاوض بالنار على البرنامج النوويّ الإيرانيّ، يسجّل البرنامج النوويّ السعوديّ اختراقاً أساسيّاً، ليقترب من أن يصبح أوّل برنامج في الشرق الأوسط يتمّ فيه…

كيف تعمل واشنطن على تحرير “الهلال” الإيراني؟

تعمل الولايات المتّحدة بهدوء ودأب لتقليص النفوذ الإيرانيّ في العراق وسوريا ولبنان. هو ذلك القوس الذي أطلق عليه العاهل الأردنيّ عبدالله الثاني عام 2004 اسم…