السّعوديّة وتركيا وباكستان: نحو معادلة أمنيّة جديدة؟

مدة القراءة 6 د

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها. من هذا المنطلق تكتسب الحالة السعوديّة – التركيّة – الباكستانيّة أهمّيّتها. فالقيمة الأساسيّة لهذا المسار لا تكمن فقط في احتمال التوصّل إلى اتّفاق دفاعيّ ثلاثيّ، بل في طبيعة المعادلة التي يحاول بناءها بين دول تمتلك عناصر قوّة مختلفة.

في هذا السياق، تبرز سلسلة أسئلة لا تتعلّق فقط بما إذا كانت هذه الدول قادرة على إنتاج قيمة استراتيجيّة من تنوّع طاقاتها، بل بما إذا كان هذا التقارب يمثّل نموذجاً جديداً للتعاون الأمنيّ يقوم على التكامل وتوزيع الأدوار، أم يبقى إطاراً مرتبطاً بظروف المرحلة؟ فهل نحن أمام تحالف عسكريّ جديد بالمعنى التقليديّ، أم أمام نموذج أكثر مرونة يقوم على تنويع الشراكات وتكامل عناصر القوّة؟

 

تعدّد مصادر التّهديد

لم يظهر التقارب السعوديّ ـ التركيّ ـ الباكستانيّ من فراغ، ولا يمكن تفسيره من خلال تقاطع مصالح الدول الثلاث فحسب. فقبل البحث في طبيعة أيّ اتّفاق دفاعيّ محتمل، يبقى السؤال الأهمّ: ما الذي تغيّر بالنسبة لهذه الدول وجعل مثل هذا المسار مطروحاً في هذه المرحلة؟

قامت المعادلة الأمنيّة في المنطقة خلال العقود الماضية، وبدرجة كبيرة على ترتيبات وتحالفات تقودها قوى دوليّة، وعلى افتراض أنّ هذه الترتيبات قادرة على إدارة الأزمات الكبرى وضبط التوازنات. لكنّ السنوات الأخيرة أظهرت أنّ البيئة الأمنيّة أصبحت أكثر تعقيداً، مع تعدّد مصادر التهديد، تغيّر طبيعة الصراعات، تصاعد أهميّة التكنولوجيا العسكريّة، اضطراب الممرّات الحيويّة، وتداخل الأمن العسكريّ مع الاقتصاد والطاقة والصناعة.

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها

في هذه البيئة الجديدة، لم تعُد الدول تبحث بالضرورة عن حليف واحد يساعدها على توفير الحماية، بل عن شراكات أكثر تنوّعاً تمنحها مرونة أكبر في التعامل مع المخاطر قبل تحوّلها إلى أزمات. ومن هنا يمكن فهم التقارب السعوديّ – التركيّ – الباكستانيّ. فالمسألة لا تتعلّق فقط باتّفاق دفاعيّ محتمل بين ثلاث دول تمتلك عناصر قوّة مختلفة، بل بما يعكسه من تحوّل أوسع في طريقة تفكير هذه القوى الإقليميّة في أمنها ومصالحها.

بيئة أمنيّة معقّدة صنعت التّقارب

المفارقة أنّ الحديث عن اتّفاق دفاعيّ بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا يعكس بالضرورة شعور هذه الدول بأنّها أصبحت أقوى من السابق، بل إدراكها أنّ البيئة المحيطة بها أصبحت أكثر تعقيداً، وأنّ نماذج الأمن التقليديّة لم تعد كافية وحدها للتعامل مع حجم التحوّلات والمتغيّرات الحاصلة.

لذلك لا تتحرّك هذه الدول فقط بسبب خصم محدّد أو أزمة واحدة، بل بسبب بيئة كاملة تفرض أدوات جديدة للتعامل معها. فالحروب الممتدّة، تطوّر أدوات الردع، انتشار الصواريخ والمسيّرات، أهمّيّة أمن الممرّات والطاقة، وتزايد المنافسة الدوليّة، كلّها عوامل دفعت باتّجاه التفكير في ترتيبات أكثر مرونة من النماذج التقليديّة.

التقارب

لهذا ليس السؤال الحقيقيّ فقط: لماذا تريد المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان التعاون؟
بل: لماذا أصبحت الحاجة إلى هذا النوع من التعاون أكثر حضوراً في هذه المرحلة؟

اختبار لطريقة التّفكير بالأمن الإقليميّ

لا يصنع الترتيب المحتمل بين الدول الثلاث التحوّل، بل يكشف عنه، ويختبر انتقالاً أوسع في طريقة التفكير بالأمن الإقليميّ: من انتظار ترتيبات أمنيّة جاهزة إلى محاولة بناء قدرة أكبر على المشاركة في إنتاج الأمن.

يبقى الاختبار الأكبر أمام هذا التقارب داخليّاً قبل أن يكون خارجيّاً. فنجاحه لن يتحدّد فقط بردود فعل الآخرين، بل بقدرته على تجاوز مرحلة التفاهم

لكنّ فهم الظروف التي دفعت إلى ظهور هذا المسار لا يكتمل من دون النظر إلى طبيعته. فالأسباب التي جعلت التعاون ممكناً مهمّة طبعاً، لكنّ الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا التعاون إذا انتقل من مستوى التقارب السياسيّ إلى مستوى التنسيق المؤسّسي لا يقلّ أهميّة.

لا تكمن قيمة هذا المسار في جمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوّة مختلفة فقط، بل في الطريقة التي يمكن أن تتحوّل بها هذه العناصر إلى أدوار متكاملة داخل إطار واحد. فالقيمة الاستراتيجيّة لأيّ ترتيب أمنيّ لا تنتج من حجم القدرات الفرديّة للأطراف المشاركة، بل من قدرتها على تنظيم هذه القدرات ضمن آليّات واضحة للتنسيق والتكامل.

لا ترتبط خصوصيّة هذا المسار فقط بفكرة التكامل بين القدرات، بل أيضاً بالطبيعة الجغرافيّة والاستراتيجيّة للدول الثلاث التي تمنحه بعداً يتجاوز حدود العلاقات الثنائيّة القائمة.

لا يقوم هذا المسار على فكرة إنشاء تجمّع بين دول متشابهة في الأدوار أو القدرات، بل على محاولة الربط بين ثلاث دوائر استراتيجيّة مختلفة: الخليج بما يمثّله من وزن اقتصاديّ وأمنيّ، وشرق المتوسّط بما يحمله من حضور عسكريّ وصناعيّ، وجنوب آسيا بما يمثّله من عمق جغرافيّ وخبرة استراتيجيّة، وما تضيفه القدرات الردعيّة الباكستانيّة من خصوصيّة إلى معادلات الأمن الإقليميّ.

قدرات أكبر لبناء الأمن

لم يعد السؤال: لماذا اجتمعت المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان؟ بل: هل تستطيع هذه الدول تحويل اختلاف مواقعها وقدراتها إلى نموذج تعاون أكثر مرونة داخل البيئة الأمنيّة الجديدة؟

لم يظهر التقارب السعوديّ ـ التركيّ ـ الباكستانيّ من فراغ، ولا يمكن تفسيره من خلال تقاطع مصالح الدول الثلاث فحسب

لا تقاس أهمّيّة أيّ ترتيب أمنيّ بما يعلنه أطرافه فقط، بل أيضاً بما يطرحه على البيئة المحيطة به من إعادة حسابات. وهذا المسار، إذا تطوّر، لن يُقرأ فقط باعتباره تعاوناً بين ثلاث دول، بل باعتباره مؤشّراً إلى انتقال تدريجيّ في طريقة بناء الأمن من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الترتيبات الخارجيّة الجاهزة إلى نموذج تسعى فيه القوى الإقليميّة إلى بناء قدرة أكبر على المبادرة والتنسيق.

لكنّ ذلك لا يعني قيام محور مغلق أو بديل عن الشراكات الدوليّة القائمة. فالقوى الإقليميّة لا تتحرّك في اتّجاه القطيعة مع النظام الدوليّ، بل في اتّجاه توسيع هامش خياراتها داخل بيئة أصبحت أكثر تعقيداً وأقلّ قابليّة للتنبّؤ.

إقرأ أيضاً: الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

يبقى الاختبار الأكبر أمام هذا التقارب داخليّاً قبل أن يكون خارجيّاً. فنجاحه لن يتحدّد فقط بردود فعل الآخرين، بل بقدرته على تجاوز مرحلة التفاهم السياسيّ نحو بناء مؤسّسات وآليّات عمل مشتركة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في…

ثورة بيضاء تتوّج بورنهام رئيساً لحكومة بريطانيا

دخل آندي بورنهام مقرّ رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت في لندن، قادماً من بلديّة مانشستر الكبرى. تولّى زعامة حزب العمّال البريطانيّ، وتسلّم مباشرة رئاسة الوزراء….

النّوويّ السّعوديّ: شراكة القلق بين إيران وإسرائيل

فيما يحتدم التفاوض بالنار على البرنامج النوويّ الإيرانيّ، يسجّل البرنامج النوويّ السعوديّ اختراقاً أساسيّاً، ليقترب من أن يصبح أوّل برنامج في الشرق الأوسط يتمّ فيه…

كيف تعمل واشنطن على تحرير “الهلال” الإيراني؟

تعمل الولايات المتّحدة بهدوء ودأب لتقليص النفوذ الإيرانيّ في العراق وسوريا ولبنان. هو ذلك القوس الذي أطلق عليه العاهل الأردنيّ عبدالله الثاني عام 2004 اسم…