“حرس” إيران يسقط في الكويت

مدة القراءة 6 د

لا تنفصل حادثة التسلّل الأخيرة لعناصر من “الحرس الثوريّ” عبر البحر إلى الكويت، عن الخلايا الأخيرة التي تمّ تفكيكها، وهو ما يشير إلى أنّ “العسكر” الذين يحكمون إيران يتمسّكون بالتعامل بعدائيّة مع الكويت ودول الخليج، ويُصرّون على مخطّطاتهم التخريبيّة.

في المقابل، تتعامل الكويت بحزم سياسيّ وعسكريّ، وتُوجّه رسائل واضحة وشديدة اللهجة لطهران، لكنّها تُبقي “شعرة معاوية” فلم تقطع العلاقات الدبلوماسيّة على الرغم من استدعاء السفير الإيرانيّ محمّد توتونجي لتقديم احتجاج رسميّ للمرّة الرابعة منذ اندلاع الحرب نهاية شباط الماضي.

 

تعود حادثة التسلّل إلى يوم الجمعة 1 أيّار الحاليّ حين حاولت مجموعة تضمّ ضبّاطاً من “الحرس الثوريّ”، بعضهم ذوو مناصب عالية، التسلّل إلى جزيرة بوبيان الواقعة شمال الخليج العربيّ، بمحاذاة الحدود الكويتيّة مع العراق.

في اليوم التالي، أصدر الجيش الكويتيّ بياناً أعلن فيه أنّ “القوّات المسلّحة تمكّنت من إحباط عمليّة تسلّل بحريّة عبر المياه الإقليميّة الكويتيّة، وضبط 4 متسلّلين حاولوا دخول البلاد عن طريق البحر بطريقة غير مشروعة، وتمّت إحالتهم للجهات المختصّة”.

ما لم يتضمّنه بيان الجيش الأوّليّ هو أنّ إحباط العمليّة تمّ بعد اشتباك مسلّح، فيما كشفت التحقيقات مع المضبوطين أنّهم ينتمون إلى “الحرس الثوريّ” وأنّهم كانوا يخطّطون للتسلّل إلى الأراضي الكويتيّة لتنفيذ “عمليّات عدائيّة”.

هذا ما كشفته وزارة الداخليّة يوم الثلاثاء في 12 أيّار، أي بعد أكثر من 10 أيّام على الحادثة، وبعد انتهاء التحقيقات التي اعترف خلالها الأربعة بانتمائهم إلى “الحرس الثوريّ”، ونشرت أسماءهم ورتبهم، وهم العقيد البحريّ أمير حسين عبد محمّد زراعي، والعقيد البحريّ عبدالصمد يداله قنواتي، والنقيب البحريّ أحمد جمشيد غلام رضا ذو الفقاري، والملازم أوّل البرّيّ محمّد حسين سهراب فروغي راد.

تواصل الكويت التنسيق المُكثّف مع دول الخليج في التعامل مع الأنشطة العدائية المستمرّة لإيران

وفق اعترافاتهم التي نشرتها “الداخليّة”، كانوا مُكلّفين من “الحرس” بالتسلّل إلى جزيرة بوبيان على متن قارب صيد مُستأجر خصيصاً لـ”إتمام المهمّة”، لكنّ يقظة القوّات الكويتيّة أفشلت المخطّط بعد خوض اشتباكات معهم أسفرت عن إصابة أحد عناصر القوّات الكويتيّة، وضبط 4 منهم وفرار اثنين منهم هما النقيب البحريّ منصور قمبري وقائد المركب عبدالعليّ كاظم سيامري.

4 أساسيّات

أرادت الكويت من نشر الأسماء والتفاصيل كشف الحقائق علناً، وإسقاط أيّ “رواية هوليوديّة” من قبل إيران، بالتزامن مع إصدار بيانات شديدة اللهجة من الحكومة والخارجيّة، ترافقت مع استدعاء السفير الإيرانيّ محمّد توتونجي وتسليمه مذكّرة احتجاج.

في البيانات، ثبّتت الكويت 4 مواقف أساسيّة:

1 – التعبير عن الإدانة والاستنكار الشديدين، ومطالبة إيران بالوقف الفوريّ وغير المشروط لمثل هذه الأعمال العدائيّة، وتحميلها المسؤوليّة الكاملة عن التعدّي الصارخ على سيادة الكويت.

2 – تأكيد احتفاظ الكويت بحقّها الكامل في الدفاع عن نفسها، واتّخاذ ما تراه مناسباً لحماية سيادتها.

3 – تجديد موقف الكويت “التاريخيّ والثابت” الملتزم مبادئ حسن الجوار، ورفض استخدام أراضيها وأجوائها في شنّ أيّ أعمال عدائيّة ضدّ أيّ دولة.

4 – تحذير طهران من أنّ أعمالها “تُهدّد أمن المنطقة واستقرارها”، و”تُقوّض الجهود الإقليميّة والدوليّة الساعية إلى خفض التصعيد”.

الكويت

تيه هوليوديّ

في المقابل، خرجت إيران برواية “هشّة” غير قابلة للتصديق، مفادها أنّ العسكريّين المتسلّلين “كانوا يؤدّون واجبهم في إطار مهمّة بحريّة دوريّة تقليديّة”، وأنّهم دخلوا المياه الإقليميّة الكويتيّة بسبب “خلل في نظام الملاحة”.

أرادت الكويت من نشر الأسماء والتفاصيل كشف الحقائق علناً، وإسقاط أيّ “رواية هوليوديّة” من قبل إيران، بالتزامن مع إصدار بيانات شديدة اللهجة

سخرت أوساط كويتيّة مُطّلعة من البيان الإيرانيّ الضعيف، متسائلة عن ماهيّة الخلل الذي يدفع ضبّاطاً من “الحرس” إلى القفز من البحر إلى البرّ، وتحديداً إلى جزيرة لطالما وضعتها إيران في دائرة الاستهداف خلال الحرب الأخيرة. إلى ذلك ‎يحفل البيان “بالمغالطات”، إذ لا يُعقل أنّ قارباً “تاه” في المياه الإقليميّة “تَمَرْكَزَ رُكّابه” على جزيرة، وخاضوا مواجهة مع القوّات الكويتيّة استمرّت لساعات ونتجت عنها إصابة من الجانب الكويتيّ.

يُظهر ما كشفته التحقيقات تشابه الأسلوب مع أساليب التهريب التي يعتمدها “الحرس” في “الدروب” نحو أذرعه في المنطقة، لكنّ اللافت هذه المرّة أنّه كان عبر جزيرة بوبيان، وعلى مقربة من أرصفة ميناء مبارك الذي تبنيه شركات صينيّة.

تدلّ نوعيّة الخليّة التي تضمّ ضبّاطاً ذوي رتب عالية على أهميّة لهذا التسلّل، مع تقديرات بأنّه ربّما يكون الهدف مشابهاً لما يحصل في لبنان والعراق واليمن وفي سوريا سابقاً، ويتمثّل في تغطية “الفراغات” بعدما سقطت قيادات وأفراد الخلايا الأخرى في قبضة الأمن الكويتيّ خلال الأسابيع الماضية.

ما يُعزّز ذلك التحقيقات التي جرت مع إحدى الخلايا المضبوطة سابقاً، وكشفت عن مخطّطها لتنفيذ اغتيالات وأعمال تخريبيّة تطال منشآت حيويّة.

لا تستبعد الأوساط أن تصل التحقيقات إلى ربط مهامّ المتسلّلين بمهامّ عناصر الخلايا المضبوطة، وهو ما يؤكّد أنّ “الحرس” يضع الكويت على قائمة أهدافه، بذريعة وجود قوّات أميركيّة على أراضيها، على الرغم من أنّ كلّ المُخطّطات التخريبيّة التي أُحبطت كانت تستهدف الأمن الكويتيّ والمنشآت الحيويّة.

إقرأ أيضاً: “الحزب” والكويت: من الفوضى إلى الاغتيالات

مع استمرار الحزم العسكريّ والأمنيّ في الداخل، تواصل الكويت التنسيق المُكثّف مع دول الخليج في التعامل مع الأنشطة العدائية المستمرّة لإيران، ويشمل جانباً أمنيّاً، وخاصّة مع الدول التي ضبطت خلايا مشابهة، بالنظر إلى أنّ المهامّ الموكلة إليها قد تكون مُتطابقة لجهة زعزعة الاستقرار وتنفيذ عمليّات أمنيّة. علاوة على ذلك يشكّل الموقع الجغرافيّ لجزيرة بوبيان بمحاذاة العراق نقطة أساسيّة في التحقيقات لأنّ الميليشيات العراقيّة المرتبطة بـ”الحرس” تنشط عبر الحدود، وخصوصاً عبر المُسيّرات، التي يتمّ إسقاط غالبيّتها.

مواضيع ذات صلة

“الحزب” بين خيارين: التّفاوض الخارجيّ أو التّسوية الدّاخليّة

هل يراهن لبنان مجدّداً على نتائج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ لإنهاء الحرب، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض؟ وهل تملك تل أبيب أساساً…

من الجيش إلى الطّاقة: هل تعود روسيا إلى سوريا؟

تريد موسكو العودة إلى سوريا من بوّابة الجيش والطاقة بدل الاكتفاء بقاعدتَي حميميم وطرطوس؟ وهل يشكّل ملفّ الضبّاط العلويّين جزءاً من خطّة روسيّة لترميم الدولة…

سابقة قضائيّة في ملفّ المرفأ

في المرحلة الانتقاليّة بين تقاعد مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار وتعيين القاضي أحمد رامي الحاج خلفاً له على رأس النيابة العامّة التمييزيّة، سُجّلت سابقة…

لبنان في اتّفاق إسلام آباد… على الورق فقط؟

ساعات ثقيلة تمرّ على اللبنانيّين وهم يبحثون عن أجوبة حاسمة: أيّ مصير سيحمله اتّفاق إسلام آباد؟ في أيّ عمق أدرِج الملفّ اللبنانيّ في الاتّفاق العابر…