يوم السبت في 25 تمّوز من العام الجاري، أي قبل ثلاثة أيّام وصل إلى دمشق أنطونيوغوتيريش الأمين العامّ للأُمم المتّحدة في أوّل زيارةٍ لمسؤولٍ دوليٍّ كبير منذ عام 2009. وكالعادة ألقى وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني كلمةً متقنةً في الاستقبال، أوضح فيها ماذا تحقّق، وذكر ما ينبغي فعله لتعود البلاد إلى استقرارها وازدهارها. ولم ينسَ في حضور غوتيريش أن يندّد بالعدوان الإسرائيليّ المستمرّ على جنوبيّ سوريا وضرورة اهتمام الأُمم المتّحدة بذلك.
ندّد غوتيريش خلال زيارته سوريا بالعدوان أيضاً، ودعا إسرائيل إلى العودة إلى التزام اتّفاقيّة فصل القوّات الموقّعة سنة 1974. بيد أنّ الأمين العامّ ذكر أيضاً ثلاثة أمورٍ بارزةٍ في سوريا في عهدها الجديد اعتبرها الأكثر لفتاً للانتباه: وحدة الأرض والسلطة، العدالة الانتقاليّة، وعودة سوريا لتكون قلب المنطقة. ولم يخفِ الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنّ هذا الرأي لا يقتصر على المؤسّسات الدوليّة التي ستقف على الدوام إلى جانب سوريا، بل هو أمل العالم كلّه في سوريا، التي عانت من المظالم والمذابح والتدخّلات في العقود الماضية.
في أقلّ من سنتين استطاعت سوريا إخراج المتدخّلين في أمنها وسيادتها من الدول والميليشيات، وأعادت توحيد الأرض التي صارت كانتونات خلال عقدَي حكم بشّار الأسد (باستثناء حالة السويداء الشاذّة)، واستعادت علاقاتها مع النظام الدوليّ، ومع كلّ الدول العربيّة، وفي طليعتها المملكة العربيّة السعوديّة، فخرجت من العزلة، وبدأ الملايين من أبنائها الذين تشرّدوا في عهد الأسد بل الأسدين، يعودون إليها، وتطمح إلى إعادة البناء، وإلى استجلاب استثمارات ضخمة في زمن النهوض الجديد. وقد تنبّه غوتيريش إلى مسألةٍ مهمّةٍ هي العدالة الانتقاليّة التي لا تهدف فقط إلى محاسبة قَتَلة مليون سوريّ، بل وتسعى إلى المصالحة الوطنيّة بعد أزمنة الفتنة والاستقطاب التي زادت على نصف قرن.
ندّد غوتيريش خلال زيارته سوريا بالعدوان أيضاً، ودعا إسرائيل إلى العودة إلى التزام اتّفاقيّة فصل القوّات الموقّعة سنة
جيش واحد في دمشق… وسلاحان في بيروت
تسري في سوريا روحٌ جديدة ما عرفتها بلدان أخرى عانت أقلّ بكثير ممّا عانته بلاد الشام. ولا شكّ أنّ المواقف السعوديّة والأميركيّة والتركيّة أعانت على ذلك كثيراً، لكنّ البارز أيضاً الإرادة الجامعة للسوريّين لصنع سوريا الجديدة.
لقد تعاصر التغييران في سوريا ولبنان في العام نفسه على وجه التقريب. ففي لبنان سلطةٌ جديدةٌ أيضاً انتظرتها البلاد منذ ثلاثة عقودٍ وأكثر. والطريف أنّ المشكلات الكبرى متشابهة للجهات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأوضاع الماليّة السيّئة. إنّما لو حاولنا المقارنة بين البلدين في ظلّ الوضع الجديد، نجد أنّ الافتراقات كبيرةٌ مثلما هي التشابهات كثيرة. وأوّل تلك الافتراقات الحرب الدائرة بين لبنان وإسرائيل، التي يحاول الرئيس جوزف عون تجاوُزها أو تجاوُز الاحتلال. صحيح أنّ هناك أراضي سوريّة كبيرة محتلّة من جانب إسرائيل، لكنّ هناك قاعدة لمهادنةٍ ممكنةٍ تتمثّل في اتّفاقيّة فصل القوّات لعام 1974. وعندما كان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب خلال زيارة الرئيس عون لواشنطن يخاطب إسرائيل كان يطلب منها الخروج من جنوبيّ لبنان وجنوبيّ سوريا. إنّما الميزة في أنّ سوريا تملك جيشاً واحداً، وسلطةً واحدة، بينما في لبنان جيش وميليشيا.
لذلك اللبنانيّون مهمومون بالاحتلال الإسرائيليّ ومهمومون أيضاً بالخروج من سطوة سلاح ميليشيا “الحزب” المسلّح في جنوبيّ لبنان، بل وفي سائر أنحاء البلاد. وهذا فرقٌ كبيرٌ لمصلحة سوريا في حالتَي السلم والنزاع، ولا نعرف حتّى الآن كيف يمكن الخروج من سطوة سلاح “الحزب”، ليس في الجنوب فقط، بل وفي كلّ لبنان. ويريد الرئيس عون من خلال اتّفاق الإطار الخروج من الاحتلالين أو الاحتلال والسيطرة. لكنّ النجاح غير مضمون حتّى الآن.
سوريا تُصلح… ولبنان أسير الانقسام
الفرق الآخر هو أنّ اللبنانيّين يمتدحون نظامهم التوافقيّ، لكنّه ليس توافقاً سياسيّاً مثلاً بل هو توافق طائفيّ. وقد غضب الموارنة على دستور الطائف فصعد الجنرال ميشال عون حتّى صار رئيساً للجمهوريّة بمساعدة “الحزب” لأنّه مُعادٍ لـ”الطائف” والدستور. والآن الشيعة غاضبون أو معظمهم لأنّ الرئيس عون يفاوض باسم الدولة على الانسحاب الإسرائيليّ من جنوبيّ لبنان، وهم لا يقبلون ذلك، حتّى إنّهم حاولوا ويحاولون إدخال إيران في عمليّات التفاوض، وبالطبع الحزب يرفض تسليم سلاحه للدولة.
أزعجت هذه الطائفيّة العميقة والتنازعيّة حتّى المبعوث الأميركيّ توم بارّاك فأنذر اللبنانيّين بأنّهم إن ظلّوا على هذا الاختلاف فإنّ الأفضل لهم العودة إلى سوريا الكبرى أو بلاد الشام! وكثيراً ما ينكّت عليهم الرئيس ترامب بدعوة سوريا للتدخّل ضدّ “الحزب”. وسوريا لا تريد التدخّل بالطبع، لكن يشير ذلك إلى إحساس أميركا بعجز اللبنانيّين عن حلّ مشكلة الحزب المسلَّح.
والفرق الثالث أنّ البلدين يحتاجان إلى إصلاحات جذريّة. الدولة السوريّة هي التي تملك قرار الإصلاح، وقد بدأت بإنفاذه. أما لبنان الذي احتجزت البنوك ودائع المواطنين فيه، فلم يستطِع إنجاز أي إصلاح حتّى الآن على الرغم من الانهيار الذي يعانيه اقتصاده.
تسري في سوريا روحٌ جديدة ما عرفتها بلدان أخرى عانت أقلّ بكثير ممّا عانته بلاد الشام. ولا شكّ أنّ المواقف السعوديّة والأميركيّة والتركيّة أعانت على ذلك كثيراً
حين تنقلب المقارنة لمصلحة سوريا
لقد تحسّنت العلاقات السوريّة – اللبنانيّة في العهد السوريّ الجديد. لكنّ لبنان إن نجح اتّفاق الإطار، فهو متّجهٌ إلى معاهدة أمنيّة مع إسرائيل، وقضيّة الحدود في هذه الحالة مهمّة. بيد أنّ مسمار جحا المسمَّى مزارع شبعا صنعه عهد بشّار الأسد فيما الأرض مُلاّكها لبنانيّون وتبعيّتها لسوريا، وستكون هناك مشكلة في حالتَي الإصرار والتسليم. كانوا يريدون مزارع شبعا لإبقاء سلاح “الحزب” باعتبار أنّ هناك أراضي محتلّة، وقد نسوا الموضوع الآن وصاروا يصرّحون بأنّهم إنّما يقاتلون من أجل الجمهوريّة الإسلاميّة.
إقرأ أيضاً: غوتيريش في سوريا: من الإغاثة إلى أولويات التّعافي..
على مدى عقودٍ وعقود، كان النظام اللبنانيّ (الحرّ) محسوداً من سوريا وغيرها. لكن لو قارنّا الوضع الآن وقد غيَّرت سوريا نظامها، فإنّ حالة سوريا توشك أن تكون أفضل من حالة لبنان المنقسم بكثير!
عندما زار الشيباني لبنان قبل أسابيع، قضى ليلةً في طرابلس، واستقبلته حشود بالمدينة. وقد انزعج كثيرون من السياسيّين والصحافيّين اللبنانيّين من هذا الأمر، بينما كان عليهم السؤال لماذا لا يحبّ الطرابلسيّون دولة لبنان الكبير هذه؟!
