أسرار زيارة عون لواشنطن

مدة القراءة 4 د

تحوّل ملفّ سلاح “الحزب” في لبنان إلى محور المرحلة السياسيّة المقبلة، في ظلّ تقاطع الضغوط الدوليّة مع التحوّلات الإقليميّة، وما رافق زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الولايات المتّحدة من قراءات بشأن مستقبل هذا الملفّ. وبين من يتحدّث عن فرصة مُنحت للدولة اللبنانيّة لمعالجة القضية بالحوار، ومن يرى أنّ المهلة قد تكون محدودة قبل الانتقال إلى خيارات أكثر حزماً، تبدو بيروت أمام اختبار سياسيّ وأمنيّ بالغ الحساسيّة، يتداخل فيه العامل الداخليّ مع الحسابات الأميركيّة والإسرائيليّة والإيرانيّة، ويحدّد إلى حدّ بعيد مسار الاستقرار اللبنانيّ في المرحلة المقبلة.

 

أثارت زيارة عون إلى واشنطن الكثير من التكهّنات بطبيعة التفاهمات التي جرت مع الإدارة الأميركيّة، ولا سيما في ما يتعلّق بملفّ سلاح “الحزب”، الذي يتصدّر أولويّات المجتمع الدوليّ في مقاربته للاستقرار اللبنانيّ. وتذهب بعض التحليلات إلى أنّ واشنطن قد تكون منحت الرئيس اللبنانيّ هامشاً واسعاً لإدارة هذا الملفّ وفق ما يراه مناسباً، بعيداً من فرض آليّات محدّدة، على أن تكون النتيجة النهائيّة حصر السلاح بيد الدولة.

بحسب هذه القراءة، قد تقوم المرحلة الأولى على الحوار الداخليّ، من خلال الدعوة إلى لقاء وطنيّ في قصر بعبدا تحت عنوان “الاستراتيجية الوطنيّة للأمن القوميّ”، وهو ما سبق أن أعلنه عون في خطاب القسم، ويضمّ مختلف القوى السياسيّة الممثّلة في مجلس النوّاب، بهدف التوصّل إلى تفاهم وطنيّ على مستقبل السلاح ودور الدولة في احتكار القوّة العسكريّة.

أمّا إذا تعثّر المسار التفاوضيّ فتتحدّث معلومات عن احتمال الانتقال إلى مرحلة أكثر حزماً تقوم على توجيه إنذار رسميّ إلى “الحزب” يحدّد مهلة زمنيّة لتسليم السلاح، في مقاربة تشبه النموذج الذي طُرح في العراق لمعالجة أوضاع الفصائل المسلّحة، مع مراعاة خصوصيّة الواقع اللبنانيّ وتعقيداته.

أثارت زيارة عون إلى واشنطن الكثير من التكهّنات بطبيعة التفاهمات التي جرت مع الإدارة الأميركيّة، ولا سيما في ما يتعلّق بملفّ سلاح “الحزب”

عاملان أساسيّان

غير أنّ نجاح أيّ خيار من هذا النوع يبقى مرتبطاً بعاملين أساسيَّين:

  • مراقبة نتائج التجربة العراقيّة في أيلول المقبل، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها من دون انفجار أمنيّ.
  • مدى جهوزيّة الجيش اللبنانيّ، لوجستيّاً وسياسيّاً، لتنفيذ أيّ قرار تتّخذه السلطة الشرعيّة، بما يحفظ الاستقرار الداخليّ ويمنع الانزلاق إلى مواجهة غير مضمونة النتائج.

في المقابل، يبقى مستقبل هذا الملفّ مرهوناً بالتوازنات الداخليّة، التطوّرات الإقليميّة، وقدرة الدولة اللبنانيّة على إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسيّة في تاريخها الحديث.

ضغط إسرائيليّ

في موازاة ذلك، تبدو المفاوضات مع إسرائيل عاملاً مؤثّراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة. فتل أبيب تنظر إلى أيّ تفاهم أميركيّ ـ إيرانيّ محتمل بعين الريبة، خشية أن يأتي على حساب مصالحها الأمنيّة، أو أن يمنح طهران هامشاً أوسع للحفاظ على نفوذها الإقليميّ، لا سيما على الساحة اللبنانيّة.

من هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أنّ إسرائيل تضغط باتّجاه تثبيت أيّ تسوية خاصّة بلبنان ضمن إطار يضمن معالجة ملفّ سلاح “الحزب” بصورة نهائيّة، قبل الانتقال إلى أيّ تفاهمات إقليميّة أوسع.

إقرأ أيضاً: عون – برّي: إدارة منسّقة لـ”نتائج” التّفاوض

بحسب هذه القراءة، تجد واشنطن نفسها أمام ضرورة الموازنة بين مسار التفاوض مع إيران ومتطلّبات الشريك الإسرائيليّ، وهو ما يجعل الملفّ اللبنانيّ جزءاً من معادلة إقليميّة معقّدة لا تسمح بإبرام صفقات كبرى تتجاهل الهواجس الإسرائيليّة.

لذلك قد يكون منح الدولة اللبنانيّة فرصة لمعالجة هذا الملفّ بنفسها، ضمن مهلة زمنيّة محدّدة، خياراً يحظى بدعم أميركيّ وإسرائيليّ في آن واحد، باعتباره السبيل الأقلّ كلفة لتحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكريّة واسعة.

مواضيع ذات صلة

سوريا الجديدة ولبنان القديم

يوم السبت في 25 تمّوز من العام الجاري، أي قبل ثلاثة أيّام وصل إلى دمشق أنطونيوغوتيريش الأمين العامّ للأُمم المتّحدة في أوّل زيارةٍ لمسؤولٍ دوليٍّ…

جنوب لبنان… امتحان ترامب ورهان نتنياهو

يخالف الوضع الميدانيّ في جنوبيّ لبنان وعود الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للرئيس جوزف عون خلال زيارة الأخير واشنطن قبل أسبوع. أمعنت إسرائيل بعد الزيارة، وإثر…

عندما يتحدث حمد بن جاسم بلغة الردع

على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم يكن السؤال المطروح في دول الخليج: كيف نواجه إيران؟ بل كيف نستوعبها وكيف نتجنب المواجهة معها؟ لم يكن…

حين صارت حدود الدّول أكبر من خرائطها

الحرب الكبرى بين إيران والولايات المتّحدة، نكبة غزّة، التمدّد الإسرائيليّ في فلسطين ولبنان وسوريا، انقلاب المشهد السياسيّ في دمشق، الكارثة الإنسانيّة في السودان، الصراع على…