جنوب لبنان… امتحان ترامب ورهان نتنياهو

مدة القراءة 7 د

يخالف الوضع الميدانيّ في جنوبيّ لبنان وعود الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للرئيس جوزف عون خلال زيارة الأخير واشنطن قبل أسبوع. أمعنت إسرائيل بعد الزيارة، وإثر جولة التفاوض السادسة في روما برعاية أميركيّة، في القضاء على أسباب الحياة في قرى الجنوب وكرّرت رفض الانسحاب وعرقلت انتشار الجيش. خيّب الآمال نموذجُ القرى التجريبيّة لانسحابها وانتشار الجيش في قرية زوطر الغربيّة. وعود ترامب بإجبار رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو على تنفيذ صيغة “الإطار” ستظهر نتائجها أثناء لقائه به اليوم في البيت الأبيض، ثمّ في اجتماع روما الثاني في الرابع من آب.    

عدّد الجيش اللبنانيّ أوّل من أمس أسماء 13 قرية وبلدة تعرّضت لقصف وتجريف وتدمير المنازل ونسف محطّات المياه من قبل إسرائيل لإعاقة انسحاب قوّاتها والحيلولة دون انتشار الجيش فيها وعودة النازحين إليها.

 

أطلق الجيش الإسرائيليّ النار، أكثر من مرّة، على وحدات الجيش اللبنانيّ المنتشرة في زوطر الغربيّة. وهكذا تحوّلت المنطقة “النموذجيّة” التي نصّ عليها اتّفاق “الإطار” إلى نموذج لأسلوب التعامل الإسرائيليّ مع الجيش اللبنانيّ، لا إلى اختبار للانسحاب الإسرائيليّ. فبدلاً من أن تكون محطّة لترجمة الالتزامات على الأرض، باتت ساحة لاختبار قدرة إسرائيل على ترهيب الجيش اللبنانيّ، الذي التزم منذ 21 تمّوز إجراءات التدقيق في هويّة الداخلين إلى البلدة ومنع حمل السلاح فيها.

يبدو أنّ نتنياهو أراد، من خلال هذا التصعيد، توجيه رسالة واضحة، ولا سيما مع تأكيده أنّه لن يخضع للضغوط الأميركيّة، قبيل لقائه ترامب، فهو يسعى إلى تكريس الاحتلال أمراً واقعاً، تمهيداً للمساومة التي يتوقّع أن يخوضها مع واشنطن في ملفّات المنطقة. لكن يبقى السؤال: في أيّ ملفّ يمكن لنتنياهو أن يقدّم تنازلات في ما يطلبه منه الرئيس الأميركيّ؟ هل يكون ذلك في الملفّ الإيرانيّ بعد تعليق العمليّات العسكريّة ضدّها إثر الوساطة العُمانيّة؟ أم في غزّة؟ أم في ملفّ الاستيطان في الضفّة الغربيّة؟ أم في ظلّ التوغّل المستمرّ في سوريا والتصعيد المتواصل في لبنان؟

السؤال الأهمّ: إلى أيّ حدّ سيكون ترامب مستعدّاً للضغط على نتنياهو لكبح اندفاعته، في ظلّ التباين بينهما حول شكل الترتيبات الإقليميّة الجديدة وحدود الدور الإسرائيليّ فيها؟

“الحرس” يستفيد؟

ينتظر أن يتبلور مدى الالتزام الأميركيّ لتعديل التصلّب الإسرائيليّ، خصوصاً في ما استجدّ وسيستجدّ من خروق لاتّفاق “الإطار”. ويفترض أن يكون الفريق العسكريّ الأميركيّ المكلّف بالتدقيق بما يحصل في الجنوب قد اطَّلع على إخلال الجيش الإسرائيليّ بالمطلوب منه، فيتصرّف استناداً إلى الوقائع. قضت مفاوضات روما بتوسيع المناطق التجريبيّة في الجولة المقبلة لتشمل قرى محتلّة لا بلدات يسيطر عليها الجيش الإسرائيليّ بالنار.

في الانتظار يخشى مؤيّدو خيارات الحكم اللبناني من أن يستفيد “حرس الثورة” من سلوك الجيش الإسرائيليّ الذي يوفّر له الحجّة لكي يحتفظ “الحزب” بسلاحه. سبق أن توعّد المرشد مجتبى خامنئي أميركا التي عاد إلى وصفها بـ”الشيطان الأكبر”، عند تجدّد المواجهات العسكريّة بين إيران وبين الولايات المتّحدة، وقال إنّ “الشعب الإيرانيّ وجبهة المقاومة سيلقّنان أميركا دروساً لا تُنسى”. وفي ردّه على بيعة “الحزب” لولايته، قال إنّه لا يظهر أنّ طهران أجرت مراجعة لسياستها التي أنتجت الكوارث للبنان. وأضاف أنّ إيران “جعلت من الدفاع عن هؤلاء المجاهدين المظلومين المقتدرين سياسة استراتيجيّة ثابتة لها، وأدرجت صون السيادة اللبنانيّة، إنهاء عدوان ​الكيان الصهيونيّ بصورة كاملة ومن دون أيّ قيد أو شرط شرطاً أوّل في مذكّرة تفاهم إنهاء الحرب المفروضة مع أميركا المعتدية”.

هل يراهن “الحرس” و”الحزب” على العودة إلى ربط مصير لبنان بالمفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة مجدّداً، بعدما دخلت مذكّرة التفاهم بين الجانبين حالة “الكوما”، جرّاء انفجار الموقف في مضيق هرمز؟ أم تبقي طهران على “الحزب” ورقة احتياطية إذا فشل المسار الدبلوماسيّ الحاليّ؟ فخطاب “الحزب” الإعلاميّ لا ينفك يبرّر إلحاق لبنان بطهران بأنّه جزء من المنطقة وما يصيبه يصيبها.

يخشى مؤيّدو خيارات الحكم اللبناني من أن يستفيد “حرس الثورة” من سلوك الجيش الإسرائيليّ الذي يوفّر له الحجّة لكي يحتفظ “الحزب” بسلاحه

تمسّك لبنان بصيغة “الإطار”

دفع ذلك مصدراً دبلوماسيّاً لبنانيّاً إلى القول لـ”أساس”: لو اختار لبنان الرهان على مسار إسلام آباد التفاوضيّ بين الولايات المتّحدة وإيران، فأين كان سيكون موقعه خلال الأيّام الماضية، في ظلّ المواجهة العنيفة التي دارت حول مضيق هرمز؟ وما علاقة لبنان بهذا المضيق، أو بالتلويح الإيرانيّ باستهداف الحوثيّين للمملكة العربيّة السعوديّة التي تدعم الرئاسة اللبنانيّة في مساعيها للحصول على تأييد واشنطن لمطالبها؟

يضيف المصدر: “ينبغي أن نتخيّل كيف كان سيكون وضع لبنان لو أنّه انخرط في مسار إسلام آباد للتفاوض على وقف الحرب الإسرائيليّة عليه وانسحاب إسرائيل من جنوبه، في وقت كانت فيه المواجهة العسكرية بين الولايات المتّحدة وإيران تتصاعد. فلو استجاب الحكم اللبنانيّ لرفض “الثنائيّ الشيعيّ” مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركيّة، وارتضى في المقابل ما ورد في “مذكّرة التفاهم” الأميركيّة ـ الإيرانيّة عن لبنان، لكان وضع البلاد أمام مخاطر الانجرار إلى تداعيات التصعيد المتفاقم بين واشنطن وطهران منذ 10 و11 تمّوز، عقب استهداف “الحرس” ثلاث سفن سعوديّة وقطريّة وقبرصيّة”.

إنقاذ الضّاحية وعليّ الطّاهر والنّبطيّة

يؤكّد المصدر أنّ علامات نجاح زيارة عون للبيت الأبيض بدأت تظهر قبل حصولها، إثر توقيع اتّفاق “الإطار” في 26 جزيران الماضي. حينها أوقف الجانب الأميركي اندفاعة نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس لمواصلة عمليّات جيشه. كان ينوي قصف الضاحية الجنوبيّة وإسقاط عدد من الأبنية فيها، إضافة إلى أنّه وضع خططاً لاحتلال تلّة عليّ الطاهر تمهيداً لدخول مدينة النبطيّة.

كان الجيش الإسرائيلي ينوي، بعد النبطيّة، الاتّجاه شرقاً للسيطرة على مناطق حاكمة في إقليم التفّاح وأطراف مدينة جزّين، مثل مرتفعات جبل الريحان وتلّة سجد وغيرها، حيث لـ”الحزب” خزّان من الأسلحة والمقاتلين في الأنفاق، علاوة على أنّ تلك المنطقة هي صلة الوصل بين البقاع الغربيّ وجنوبيّ لبنان. وكلّ هذه الجغرافيا تقع شمال الليطاني.

إقرأ أيضاً: الجنوب… امتحان لبنان وخصومه

كانت سرديّات “الحزب” تستند إلى الصمود البطوليّ لمقاتليه لاستبعاد هذه الاحتمالات. لكنّ الوقائع السابقة أثبتت استعداد “الحرس” للتضحية بهؤلاء المقاتلين ومقاومتهم غير المتكافئة للآلة العسكريّة الإسرائيليّة. وهذه السرديّات ادّعت سابقاً أنّ التضحيات والتصميم اللذين أظهرهما هؤلاء المقاتلون، وإيمانهم بأولويّة مواجهة الاحتلال، ستمنع العدوّ من احتلال مدينتَي الخيام وبنت جبيل وبلدة البيّاضة في الناقورة (القريبة من مدينة صور) ثمّ مرتفع قلعة الشقيف الاستراتيجي.

حسابات “الحرس” و”الحزب” الخطأ في حرب إسناد غزّة ثمّ حرب “الثأر لخامنئي” أدّت إلى التفريط بمصير الشباب المندفعين الذين تمّ الزجّ بهم في تلك المعارك الطاحنة. فهؤلاء تمّت تعبئتهم ذهنيّاً ودينيّاً ليخوضوا مواجهة انتحاريّة من دون الأخذ في الحساب ميزان القوى. وبعض المعطيات تتحدّث عن شهداء بالمئات، والكثير منهم تحت عمر العشرين سنة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

سوريا الجديدة ولبنان القديم

يوم السبت في 25 تمّوز من العام الجاري، أي قبل ثلاثة أيّام وصل إلى دمشق أنطونيوغوتيريش الأمين العامّ للأُمم المتّحدة في أوّل زيارةٍ لمسؤولٍ دوليٍّ…

أسرار زيارة عون لواشنطن

تحوّل ملفّ سلاح “الحزب” في لبنان إلى محور المرحلة السياسيّة المقبلة، في ظلّ تقاطع الضغوط الدوليّة مع التحوّلات الإقليميّة، وما رافق زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف…

عندما يتحدث حمد بن جاسم بلغة الردع

على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم يكن السؤال المطروح في دول الخليج: كيف نواجه إيران؟ بل كيف نستوعبها وكيف نتجنب المواجهة معها؟ لم يكن…

حين صارت حدود الدّول أكبر من خرائطها

الحرب الكبرى بين إيران والولايات المتّحدة، نكبة غزّة، التمدّد الإسرائيليّ في فلسطين ولبنان وسوريا، انقلاب المشهد السياسيّ في دمشق، الكارثة الإنسانيّة في السودان، الصراع على…