حين صارت حدود الدّول أكبر من خرائطها

مدة القراءة 5 د

الحرب الكبرى بين إيران والولايات المتّحدة، نكبة غزّة، التمدّد الإسرائيليّ في فلسطين ولبنان وسوريا، انقلاب المشهد السياسيّ في دمشق، الكارثة الإنسانيّة في السودان، الصراع على النفوذ في البحر الأحمر، حضور باكستان كلاعب إقليميّ، الصعود التركيّ، التحوّلات السعوديّة، قلق مصر على أمنها القوميّ، والسباق المحموم للسيطرة على المضائق الدوليّة ورسم خطوط جديدة للتجارة والطاقة في قلب الإقليم… هل نحن أمام أزمات متفرّقة لا رابط بينها أم نقرأ فصولاً متلاحقة من كتاب واحد؟

 

قبل عقد من الزمن كانت أسئلة المنطقة تدور حول من سيسقط ومن سيبقى. أمّا اليوم فقد تغيّرت الأسئلة نفسها: من سيرسم الخريطة الجديدة؟ أيّ القوى ستفرض قواعد اللعبة المقبلة؟ من سيدفع ثمن رسمها؟

من حروب النّفوذ إلى ولادة نظام إقليميّ جديد

ربّما يكون الخطأ الأكبر الذي نقع فيه أنّنا ننظر إلى ما يجري باعتباره حروباً منفصلة وأزمات متباعدة، فيما الحقيقة أنّ الشرق الأوسط لا يعيد ترتيب أوراقه فحسب، بل يعيد تعريف نفسه.

لم تعد تتحدّث إسرائيل عن حدودها السياسيّة بقدر ما تتحدّث عن دوائر أمنها القوميّ، ولا تخفي جموحها إلى فرض نظام أمنيّ إقليميّ تكون هي مركزه، أيّاً كانت الأثمان الباهظة التي ستدفعها شعوب المنطقة. وانتقلت المملكة السعوديّة من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات، بعدما أصبح الاستقرار شرطاً لازماً لنجاح مشروعها الاقتصاديّ والتحوّليّ. أمّا تركيا، التي دعمت الإسلام السياسيّ لعقدين لإثبات حضورها الإقليميّ، فتسعى اليوم إلى تجاوز دور الراعي لتيّار سياسيّ بعينه لتصبح دولة مؤسّسة للنظام الإقليميّ الجديد.

ربّما يكون الخطأ الأكبر الذي نقع فيه أنّنا ننظر إلى ما يجري باعتباره حروباً منفصلة وأزمات متباعدة، فيما الحقيقة أنّ الشرق الأوسط لا يعيد ترتيب أوراقه فحسب، بل يعيد تعريف نفسه

في المقابل، كانت إيران تبني الميليشيات والأذرع لتصدير ثورتها، لكنّها باتت اليوم تقاتل للحفاظ على ما بقي من نفوذها أكثر ممّا تقاتل لتوسيعه. فيما تخوض مصر معاركها السياسيّة والاستراتيجيّة من بوّابة الأمن القوميّ المائيّ والبحريّ أكثر من أيّ وقت مضى. أمّا السودان والصومال وسوريا فلم تعُد ساحات هامشيّة للصراع، بل أصبحت جزءاً من معركة رسم خرائط النفوذ الجديدة.

تغيّرت قواعد اللعبة في المنطقة. البحر الأحمر أصبح أهمّ من البرّ على ضفّتيه، والمضائق الدوليّة باتت أعلى شأناً من كثير من العواصم، ولم يعد السؤال المطروح: من يسيطر على دمشق أو بغداد أو صنعاء أو بيروت؟ بل أصبح: من يتحكّم بمضيقَي هرمز وباب المندب؟ من يملك مفاتيح البحر الأحمر؟ من سيحدّد شكل سوريا الجديدة؟ من يمنع الآخر من الوصول إلى إفريقيا؟ من يؤمّن خطوط النفط والطاقة والتجارة الدوليّة؟

من حدود الدّول إلى خرائط الأمن القوميّ المتحرّكة

ما يجمع بين جميع اللاعبين الكبار في المنطقة ليس السياسة بقدر ما هو الجغرافيا. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها في جنوبيّ سوريا ولبنان وقطاع غزّة والبحر الأحمر وشرق المتوسّط، وإلى بناء تحالفات أمنيّة تمتدّ من اليونان وقبرص إلى إثيوبيا. في المقابل تعزّز تركيا حضورها في سوريا والصومال والقرن الإفريقيّ، فيما تتموضع المملكة السعوديّة في ملفّات السودان وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، وتقاتل مصر سياسيّاً في غزّة والسودان وإريتريا، وتعيد إحياء علاقاتها التاريخيّة مع دول حوض النيل.

إنّها ليست ملفّات منفصلة، بل ملفّ واحد بأسماء متعدّدة. كانت الدول تخوض حروبها لتوسيع حدودها، وأمّا اليوم فهي تخوض حروبها لتوسيع جغرافيتها السياسيّة. فالمملكة السعوديّة ليست بحاجة إلى موارد السودان حتّى تجعل استقراره جزءاً من أمنها القوميّ، وتركيا ليست بحاجة إلى ضمّ شماليّ سوريا حتّى تعتبره امتداداً لفضائها الأمنيّ، وإسرائيل ليست بحاجة إلى احتلال باب المندب حتّى تعتبر أنّ أمنها يبدأ منه، وإيران لا تزال ترى أنّ حدودها الأمنيّة تمتدّ إلى ما وراء حدودها الجغرافيّة.

تغيّرت قواعد اللعبة في المنطقة. البحر الأحمر أصبح أهمّ من البرّ على ضفّتيه، والمضائق الدوليّة باتت أعلى شأناً من كثير من العواصم

أصبحت حدود الدول أكبر من خرائطها. فالحدود السعوديّة باتت تمتدّ إلى البحر الأحمر وبحر العرب، والحدود التركيّة إلى القرن الإفريقيّ، والحدود الإسرائيليّة من الأراضي المحتلّة في لبنان وسوريا إلى “أرض الصومال”، والحدود المصريّة إلى منابع النيل، فيما تمتدّ الحدود الإيرانيّة إلى ما بقي من محاور نفوذها الإقليميّة.

لهذا ما يحدث في غزّة يؤثّر على البحر الأحمر، وما يحدث في السودان يؤثّر على قناة السويس، وما يحدث في سوريا يؤثّر في تركيا وإسرائيل والعراق ولبنان، وما يحدث في أرض الصومال يؤثّر في مصر والمملكة السعوديّة وإسرائيل وإثيوبيا.

إنّه ملفّ واحد بأسماء متعدّدة. ففي الشرق الأوسط الجديد لم تعد الدول تسأل أين تنتهي حدودها، بل أين يبدأ أمنها القوميّ. وربّما لا نكون اليوم أمام شرق أوسط جديد فحسب، بل أمام نهاية الشرق الأوسط الذي عرفناه طوال العقود الماضية، وبداية شرق أوسط آخر لم تتحدّد ملامحه النهائيّة بعد، لكنّه بدأ بالفعل في إعادة رسم خرائطه وحدوده وقواعد صراعاته.

 

إقرأ أيضاً: لبنان في دوّامة المتغيّرات الدّوليّة

مواضيع ذات صلة

سوريا الجديدة ولبنان القديم

يوم السبت في 25 تمّوز من العام الجاري، أي قبل ثلاثة أيّام وصل إلى دمشق أنطونيوغوتيريش الأمين العامّ للأُمم المتّحدة في أوّل زيارةٍ لمسؤولٍ دوليٍّ…

جنوب لبنان… امتحان ترامب ورهان نتنياهو

يخالف الوضع الميدانيّ في جنوبيّ لبنان وعود الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للرئيس جوزف عون خلال زيارة الأخير واشنطن قبل أسبوع. أمعنت إسرائيل بعد الزيارة، وإثر…

أسرار زيارة عون لواشنطن

تحوّل ملفّ سلاح “الحزب” في لبنان إلى محور المرحلة السياسيّة المقبلة، في ظلّ تقاطع الضغوط الدوليّة مع التحوّلات الإقليميّة، وما رافق زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف…

عندما يتحدث حمد بن جاسم بلغة الردع

على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم يكن السؤال المطروح في دول الخليج: كيف نواجه إيران؟ بل كيف نستوعبها وكيف نتجنب المواجهة معها؟ لم يكن…