قبل ساعات من بزوغ فجر الأحد، لم تكن ليلة بغداد كسابقاتها المعتادة. أرتال عسكريّة انتشرت عند مداخل المنطقة الخضراء، ومروحيّات حلّقت فوق العاصمة، فيما نفّذت قوّات من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقيّ، بإسناد من الجهات القضائيّة وهيئة النزاهة، حملة دهم استهدفت مسؤولين ونوّاباً وشخصيّات سياسيّة ورجال أعمال متّهمين بالتورّط في ملفّات فساد. وبدا المشهد، بالنسبة لكثير من العراقيّين، مختلفاً عن حملات سابقة اعتادوا سماع أخبارها من دون أن تترك أثراً حقيقيّاً في بنية الفساد التي ترسّخت داخل مؤسّسات الدولة منذ عام 2003.
على الرغم من الترحيب الشعبيّ الواسع بهذه الخطوة، لا يتعلّق السؤال الذي يفرض نفسه بعدد المعتقلين أو حجم القوّة التي شاركت في العمليّة، بل بما إذا كانت هذه الحملة تمثّل بداية مسار طويل لتفكيك منظومة الفساد أم ستبقى حدثاً استثنائيّاً ينتهي بانتهاء الزخم الإعلاميّ والسياسيّ.
الفساد منظومة متكاملة
لم يعُد الفساد في العراق انحرافاً إداريّاً أو تجاوزات فرديّة، بل تحوّل خلال أكثر من عقدين إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والأمن، وتتقاطع عندها مصالح الأحزاب وشبكات النفوذ والمصالح الماليّة. لذلك أيّ حملة لا تتجاوز حدود اعتقال بعض المسؤولين، مهما ارتفعت مناصبهم، لن تكون كافية إذا لم تصل إلى البنية التي أنتجت هذا الفساد وحمته طوال السنوات الماضية.
لا تكفي ليلة الدهم وحدها، مهما كانت واسعة، لتطهير العراق من الفساد. تبدأ المعركة الحقيقيّة بعد انتهاء العمليّات عندما تنتقل الملفّات إلى القضاء، وتُستعاد الأموال المنهوبة، وتُغلق منافذ الفساد..
تشير المعطيات الأوّليّة إلى أنّ الحملة شملت عشرات المتّهمين، بينهم مسؤولون كبار وأعضاء في مجلس النوّاب، استناداً إلى تحقيقات واعترافات في ملفّات فساد معقّدة. وإذا صحّت هذه المؤشّرات، يكون العراق أمام واحدة من أوسع الملاحقات القضائيّة التي تطال شخصيّات من الصفّين الأوّل والثاني منذ تغيير النظام عام 2003. غير أنّ التجربة العراقيّة تجعل كثيرين يتعاملون بحذر مع أيّ إعلان رسميّ، بعدما شهدت البلاد حملات مشابهة في عهود حكومات متعاقبة، من دون أن تنتهي إلى محاكمات واسعة أو استرداد فعليّ للأموال المنهوبة.
ذلك أنّ العراقيّين لا يقيسون نجاح مكافحة الفساد بعدد أوامر القبض، وإنّما بقدرة الدولة على الوصول إلى الأحكام القضائيّة النهائيّة، واستعادة الأموال العامّة، وتجفيف منابع الفساد، ومنع إعادة إنتاج الشبكات نفسها بأسماء ووجوه جديدة. لا تتحقّق العدالة بالأمن فقط، وإنّما بترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء وإخضاع الجميع للمساءلة، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم السياسيّة.
حملة على وقع التّحوّلات الإقليميّة
يكتسب توقيت الحملة أهميّة خاصّة في ظلّ التحوّلات التي يشهدها العراق والمنطقة، فالبلاد تواجه ضغوطاً داخليّة متزايدة لإصلاح مؤسّساتها واستعادة ثقة المواطنين، وتواجه ضغوطاً خارجيّة مرتبطة ببيئة الاستثمار، وبملفّات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبمحاولات إعادة دمج الاقتصاد العراقيّ بصورة أكبر في الأسواق الدوليّة. لم يعُد الفساد شأناً داخليّاً فحسب، بل تحوّل إلى عامل يؤثّر في علاقات العراق الماليّة والدبلوماسيّة، وفي قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبيّة وتنفيذ مشاريع التنمية.
في الوقت نفسه، يصعب فصل الحملة عن التغيّرات السياسيّة والإقليميّة التي يعيشها العراق، فالصراع على النفوذ بين الولايات المتّحدة وإيران وإعادة ترتيب التوازنات بعد سنوات من التوتّر يفرضان واقعاً جديداً على الطبقة السياسيّة العراقيّة. ولذلك يرى بعض المراقبين أنّ مكافحة الفساد لم تعُد مطلباً شعبيّاً، بل أصبحت أيضاً جزءاً من عمليّة أوسع لإعادة تنظيم الدولة وتقليص نفوذ شبكات المصالح التي تشكّلت خلال العقود الماضية.
سيكون تبسيطاً للمشهد اختزالُ ما يجري في كونه استجابة لضغوط خارجيّة، فالحقيقة أنّ الفساد نفسه أصبح عبئاً يهدّد بقاء الدولة العراقيّة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسيّة، فالعراق، مع موارده النفطيّة الضخمة، ما يزال يعاني ضعف الخدمات، تهالك البنية التحتيّة، ارتفاع معدّلات البطالة، وتراجع مستويات التعليم والصحّة، في مفارقة تعكس حجم الأموال التي أُهدرت أو اختُلست خلال السنوات الماضية.
قصص أغرب من الخيال
لا يمكن قراءة الحملة الحاليّة بمعزل عن هذه الحقيقة. لم يكن المال العامّ الذي سُرق أرقاماً في سجلّات المحاسبة، بل وقائع أشبه بقصص أغرب من الخيال: آلاف الجنود الوهميّين في الجيش، مدارس صُرفت ميزانيّاتها ولم تُبنَ، ومثلها مستشفيات لم تُجهّز، وشبكات كهرباء ومياه بقيت مشاريع مؤجّلة، وفرص عمل ضاعت على ملايين الشباب. يشتري العراق الغاز الإيرانيّ بسعر 11.23 دولاراً لكلّ ألف قدم مكعّبة، مقارنة بـ5.42 دولارات دفعتها ألمانيا لشراء غاز من روسيا، أو 7.82 دولارات دفعتها اليابان مقابل الغاز الطبيعيّ المسال. وثاني أكبر منتج للنفط في العالم أنفق نحو 40 مليار دولار لتطوير محطّات توليد الطاقة الكهربائيّة في البلاد، وسكّانه يعانون من ندرة الكهرباء.
في مقابلة تلفزيونية، قال وكيل وزارة المالية السابق مسعود حيدر، إن خزينة الدولة استقبلت خلال ثلاث سنوات من عمر الحكومة السابقة نحو 455 تريليون دينار، تعادل حسب تقديره نحو 345 مليار دولار، مضيفاً أن النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين بلغت نحو 205 مليارات دولار، متسائلاً عن مصير نحو 140 مليار دولار متبقية.
تشير تقديرات شبه رسميّة إلى أنّ تكلفة الفساد في العراق تخطّت 300 مليار دولار، في حين ترجّح المصادر غير الرسميّة أنّ تلك الأرقام تتجاوز 800 مليار دولار على مدار سنوات ما بعد الغزو الأميركيّ. ولذلك استرداد الأموال المنهوبة لا يمثّل مكسباً ماليّاً فحسب، بل يحمل بعداً معنويّاً يتعلّق بإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
تشير المعطيات الأوّليّة إلى أنّ الحملة شملت عشرات المتّهمين، بينهم مسؤولون كبار وأعضاء في مجلس النوّاب، استناداً إلى تحقيقات واعترافات في ملفّات فساد معقّدة
طريق الإصلاح لا يزال طويلاً
الليلة اليتيمة وحدها لا تكفي، ذلك أنّ الطريق إلى الإصلاح لا يزال طويلاً.
يتطلّب استمرارها حماية استقلال القضاء، منع التدخّلات السياسيّة، وتوفير الشفافيّة في التحقيقات وإعلان نتائجها للرأي العامّ حتّى لا تتحوّل إلى مادّة للصراع بين القوى السياسيّة أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات، فالعدالة الانتقائيّة لا تبني دولة، بل تعمّق أزمة الثقة التي يعانيها العراقيّون منذ سنوات.
إقرأ أيضاً: الزيدي يواجه الدولة العميقة: FBI تشارك بتحقيقات الفساد
لقد اعتاد العراقيّون سماع وعود كبيرة بمحاربة الفساد مع كلّ حكومة جديدة، لكنّهم اعتادوا أيضاً رؤية تلك الوعود تتلاشى أمام نفوذ الأحزاب وتشابك المصالح. ولذلك الحملة الحاليّة تقف أمام اختبار بالغ الصعوبة: إمّا أن تؤسّس لمرحلة جديدة يصبح فيها القانون أعلى من النفوذ، أو تتحوّل إلى حلقة أخرى في سلسلة حملات لم تغيّر شيئاً في واقع الدولة.
لا تكفي ليلة الدهم وحدها، مهما كانت واسعة، لتطهير العراق من الفساد. تبدأ المعركة الحقيقيّة بعد انتهاء العمليّات عندما تنتقل الملفّات إلى القضاء، وتُستعاد الأموال المنهوبة، وتُغلق منافذ الفساد، ويصبح المنصب العامّ مسؤوليّة لا امتيازاً، والقانون مرجعاً لا أداةً بيد السياسة. عندها فقط يمكن للعراقيّين أن يصدّقوا أنّ ما جرى لم يكن ليلة استثنائيّة وحسب، بل بداية استعادة الدولة من قبضة الفساد.
