في تقرير ميدانيّ من مدينة كربلاء، إحدى المحطّات الرئيسة في مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيرانيّ السابق، آية الله عليّ خامنئي، ترى مجلّة الإيكونوميست البريطانيّة أنّ هذه المراسم تقدّم لمحة مبكرة عن النظام الجديد الحاكم في إيران، وما يسمّيه بعض الإيرانيّين اليوم “الجمهوريّة الثانية”، التي يتحوّل فيها مركز الثقل من المؤسّسة الدينيّة إلى الحرس الثوريّ.
يعتبر التقرير أنّ مراسم تشييع عليّ خامنئي لم تكن طقوس عزاء تقليديّة لرجل دين شيعيّ فقط، بل كانت أشبه باستعراض للنصر والقوّة، وحشداً لمعركة جديدة مع الولايات المتّحدة. فعلى مدى ستّة أيّام، ردّد المشيّعون هتافات “الموت لأميركا”، وعلّقوا دمى تمثّل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، ورشقوا صوره بالحجارة.
إعلان نظام جديد
وفقاً للتقرير، قدّمت مراسم التشييع لمحة مبكرة عن النظام الجديد الحاكم في إيران، وما يسمّيه بعض الإيرانيّين اليوم “الجمهوريّة الثانية”. فقد غابت الطقوس التقليديّة التي رافقت دفن آية الله روح الله الخمينيّ، مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة، عام 1989، حين ووري جثمانه الثرى بعد ثلاثة أيّام فقط من وفاته، ملفوفاً بكفن أبيض بسيط. في المقابل، أمضى المسؤولون الإيرانيّون 126 يوماً في التحضير لمراسم تشييع خامنئي، التي وصفوها بأنّها الأكبر في تاريخ الجنازات الرسميّة. ونُقل نعشه على مدى ستّة أيّام لمسافة تجاوزت 2,600 كيلومتر، عبر خمس مدن ودولتين، إحداهما العراق.
ترى “الإيكونوميست” أنّ مراسم التشييع أوحت بأنّ حكّام إيران لم يكونوا يدفنون مرشدهم الأعلى فحسب، بل كانوا يودّعون أيضاً النظام الدينيّ الذي كان يقوده. فقد عجّل اغتيال خامنئي بتحوّل إيران من دولة دينيّة إلى دولة قوميّة طموحة يهيمن عليها العسكريّون. ويبدو أنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ بات يمارس السلطة من دون قيود تُذكر، في حين غاب رجال الدين الذين سبق أن اعترضوا على تنامي نفوذه، بمن فيهم الرئيسان السابقان محمّد خاتمي وحسن روحاني، بشكل لافت عن مراسم التشييع.
يعتبر التقرير أنّ مراسم تشييع عليّ خامنئي لم تكن طقوس عزاء تقليديّة لرجل دين شيعيّ فقط، بل كانت أشبه باستعراض للنصر والقوّة
الحرس الثّوريّ في صدارة المشهد
كشفت مراسم التشييع، بحسب التقرير، عن تحوّل في مركز ثقل النظام. فقد تبوّأ جنرالات الحرس الثوريّ الإيرانيّ، الذين أداروا الحرب، مكانة بارزة في المشهد، الذي هيمنت عليه الأعلام الإيرانيّة وغطّت النعوش، فيما بدت العمامة السوداء لخامنئي، التي ترمز إلى المؤسّسة الدينيّة التي قادها طوال 37 عاماً، عنصراً هامشيّاً يكاد لا يُلاحظ.
إلى ذلك لا يزال نجله وخليفته، مجتبى خامنئي، بعد مرور أكثر من 100 يوم على تولّيه السلطة، غائباً عن الظهور العلنيّ. وحتّى لو ظهر لاحقاً، فقد لا يكون أكثر من واجهة رمزيّة، إذ تبدو تصريحاته المتلفزة أقرب إلى البيانات العسكريّة منها إلى الخطب الدينيّة.
تصعيد متبادل بين طهران وواشنطن
تشير “الإيكونوميست” أيضاً إلى أنّ مراسم التشييع كشفت مؤشّرات واضحة إلى تصاعد التوتّر بين الولايات المتّحدة وإيران. فإلى جانب تحوّل التشييع من مناسبة دينيّة إلى استعراض سياسيّ وعسكريّ، تخلّلته شعارات معادية للولايات المتّحدة ومشاهد تدعو إلى “الثأر”، شنّ الحرس الثوريّ الإسلاميّ، في اليومين الثالث والرابع من المراسم، هجمات بطائرات مسيّرة على ثلاث ناقلات نفط ادّعى أنّها تجاهلت مسارها المحدّد عبر مضيق هرمز، في محاولة لاستفزاز ترامب.
جاء الردّ سريعاً، إذ أمر الرئيس الأميركيّ بشنّ ضربات جوّيّة على أهداف داخل إيران، وألغى الإعفاء الذي كان يسمح باستمرار بعض صادرات النفط الإيرانيّة. ووصف حكّام إيران بـ”الحثالة” خلال قمّة الناتو في أنقرة.
الأزمة تتجاوز الملفّ النّوويّ
تعتبر المجلّة أنّ الأزمة بين الولايات المتّحدة وإيران لم تعد تقتصر على الخلاف على البرنامج النوويّ، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل النظام الإيرانيّ نفسه. ففيما يلوّح الرئيس الأميركيّ بالعودة إلى الخيار العسكريّ، تبدو القيادة التي برزت في إيران بعد وفاة خامنئي أكثر حرصاً على إظهار القوّة واستنزاف ترامب عبر الضغط العسكريّ، بدلاً من التعويل على الدبلوماسيّة.
ترى “الإيكونوميست” أنّ مراسم التشييع أوحت بأنّ حكّام إيران لم يكونوا يدفنون مرشدهم الأعلى فحسب، بل كانوا يودّعون أيضاً النظام الدينيّ الذي كان يقوده
أمّا إيران فقد ردّت على الضربتين الأميركيّتين بشنّ هجمات على البحرين والكويت. وفي الساعات الأولى من صباح التاسع من تمّوز، ارتفع سعر النفط إلى 80 دولاراً للبرميل، فيما تراجع سعر الريال الإيرانيّ. وتوقّع المراقبون مجدّداً أن تقدر إيران على تحمّل المزيد من الضغوط الاقتصاديّة أكثر ممّا يستطيع الاقتصاد العالميّ تحمّله. وكتب كبير المفاوضين الإيرانيّين ورئيس البرلمان، محمّد باقر قاليباف، في الثامن من تمّوز: “لن نستسلم”.
العراق… ساحة لإظهار النّفوذ
بحسب “الإيكونوميست”، لم يقتصر استعراض القوّة على الداخل الإيرانيّ، بل امتدّ إلى العراق، حيث مرّ موكب تشييع خامنئي عبر “المدن المقدّسة”، وسط انتشار واسع للفصائل المسلّحة الحليفة لطهران، التي تولّت تنظيم الحشود، وتأمين مسار الموكب، وتوزيع الطعام والمياه طوال أيّام التشييع.
ترى المجلّة أنّ اختيار هذا المسار، له دلالاته، فرئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ كان يستعدّ لاتّخاذ خطوات للحدّ من نفوذ الفصائل الموالية لإيران، وقبيل زيارة رسميّة للولايات المتّحدة حمل هذا المسار رسالة سياسيّة تؤكّد استمرار قدرة طهران على التأثير في العراق على الرغم من الضغوط الداخليّة والإقليميّة.
تشير المجلّة إلى أنّ الحشود الكبيرة التي شاركت في مراسم التشييع لم تكن نتيجة التعبئة التنظيميّة وحدها، بل تأثّرت أيضاً بالشعور بأنّ إيران نجحت في الصمود أمام الهجمات الخارجيّة، وهو ما ساهم في تحسين صورتها لدى بعض الأوساط العراقيّة.
عودة الضّغط على الخليج
تلفت المجلّة أيضاً إلى عودة إيران إلى ممارساتها الاستفزازيّة تجاه جيرانها في الخليج، على الرغم من المبادرات الدبلوماسيّة التي أبدتها بعض العواصم العربيّة عقب وفاة خامنئي. فقد أرسلت المملكة السعوديّة ودول عربيّة أخرى وفوداً رسميّة إلى طهران لتقديم التعازي، على الرغم من تعرّضها لآلاف الغارات الإيرانيّة خلال الحرب، إلّا أنّ هذه المبادرات لم تُقابل باستجابة مماثلة، إذ أعقبتها موجة جديدة من الهجمات الإيرانيّة.
وفقاً للتقرير، قدّمت مراسم التشييع لمحة مبكرة عن النظام الجديد الحاكم في إيران، وما يسمّيه بعض الإيرانيّين اليوم “الجمهوريّة الثانية”
تثير هذه السياسة مخاوف متزايدة لدى دول الخليج، خصوصاً مع إصرار القيادة الإيرانيّة الجديدة على فرض نفوذها في مضيق هرمز، وهو ما يراه بعض المسؤولين الخليجيّين “مؤشّراً إلى عودة الطموحات الإمبراطوريّة الفارسيّة.”
قيود قد تواجه القيادة الإيرانيّة الجديدة
على الرغم من ذلك، ترى “الإيكونوميست” أنّ عاملين رئيسَين قد يفرضان قيوداً على القيادة العسكريّة الإيرانيّة:
ـ أوّلاً: الواقع العسكريّ. تؤكّد الضربات الأميركيّة الأخيرة احتماليّة استئناف الحرب بصورة أكثر جدّية وبوتيرة أوسع. ويبدو أنّ جيران إيران في الخليج أصبحوا أكثر استعداداً لدعم نهج أميركيّ أكثر صرامة، إذ يضغطون على شركائهم في أوروبا والصين لزيادة الضغط على طهران، مع التلميح في الوقت نفسه إلى عمليّاتهم السرّية السابقة ضدّ إيران واستعدادهم للتحرّك مجدّداً إذا اقتضت الظروف.
ـ ثانياً: الواقع الاقتصاديّ. بعد انفضاض حشود التشييع، ستظلّ إيران تواجه اقتصاداً هشّاً ومعزولاً. وقد تساعد شبكات التهريب التي تلتفّ على العقوبات في دعم النظام، لكنّها لن تتمكّن من تلبية احتياجات المجتمع بأكمله. ويعيش 40% من الإيرانيّين، وربّما أكثر، تحت خطّ الفقر، وتآكلت الطبقة الوسطى إلى حدّ كبير، بينما دمّرت الحرب القاعدة الصناعيّة للبلاد، وتركت ملايين الإيرانيّين بلا عمل.
إقرأ أيضاً: وثيقة سرّيّة خطيرة تكشف أولويات الإيرانيين
يتوق معظم الإيرانيّين إلى تحقيق التعافي الاقتصاديّ ورفع العقوبات أكثر ممّا يرغبون في مواجهة حصار بحريّ أميركيّ أو خوض حرب أخرى. ويرى التقرير أنّ التجديد الوطنيّ سيتطلّب قدراً من التوافق مع أعداء إيران لا المزيد من القنابل والخطابات التصعيديّة.
