حاجز نفسيّ منع “الحزب” من اقتحام الحدود (3/3)

مدة القراءة 4 د

توضح وثائق داخليّة مسرّبة لحركة حماس، نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس إنتل” الاستخباريّة، أنّ قيادة “حماس” كانت تعتقد، بحلول منتصف عام 2023، أنّها نجحت في إقناع كلّ من “الحزب” وإيران بالانخراط في مواجهة إقليميّة واسعة ضدّ إسرائيل. فخلال اجتماع عُقد في حزيران 2023 مع أعضاء المكتب السياسيّ للحركة في غزّة، أخبر يحيى السنوار المجتمعين أنّ المباحثات مع “الحزب” والقيادة الإيرانيّة أظهرت تغييراً في موقفهما مقارنة بما كان عليه الحال بعد حرب لبنان عام 2006، وقال إنّ “الإيرانيّين و”الحزب” لديهم الاستعداد الكبير لتشكيل تحالف مع “حماس” لقتال العدوّ في أيّ مواجهة مقبلة”، وأضاف أنّ “الحركة” لمست هذا التحوّل خلال اللقاءات والاتّصالات المستمرّة التي أجرتها مع الجانبين.

 

تشير الوثائق إلى أنّ ثقة السنوار بهذا التقدير ازدادت خلال الأشهر التالية. ففي آب 2023، أي قبل أقلّ من شهرين على تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، خاطب السنوار مجلس الشورى التابع لـ”حماس” وقال: “نحن على يقين بأنّه إذا اندلعت المعركة الاستراتيجيّة الكبرى، فإنّ جبهات عديدة ستفتح في مواجهة هذا العدوّ”.

غير أنّ الوثائق تكشف أنّ هذا التفاؤل لم يكن محلّ إجماع داخل “الحركة” نفسها. فبحسب تقارير داخليّة أعدّها جهاز الاستخبارات العسكريّة التابع لـ”حماس” خلال الفترة نفسها، ظلّ “الحزب” يُظهر قدراً من التردّد إزاء الدخول في حرب شاملة مع إسرائيل. وتذكر الوثائق أنّ تلك التقارير حذّرت من أنّ “الحزب” لا يزال يعاني ممّا وصفته بـ”الحاجز النفسيّ” الناتج عن تداعيات حرب لبنان عام 2006، وأنّ هذا العامل قد يدفعه إلى التردّد في الانخراط في مواجهة واسعة، على الرغم من استمرار التنسيق العسكريّ والسياسيّ مع “حماس”.

بنت الحركة خطّتها العسكريّة على افتراض أنّ “الحزب” سيفتح جبهة برّيّة متزامنة مع الهجوم الذي انطلق من قطاع غزّة

“حماس” تطلب الإسناد من “الحزب” 

تبيّن الوثائق أنّ هذه التحذيرات كانت أكثر دقّة ممّا كانت تتوقّعه القيادة السياسيّة للحركة. ففي الساعة 6:29 صباحاً من يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد دقائق من بدء الهجوم على جنوب إسرائيل، بعث يحيى السنوار رسالة عاجلة إلى الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله، اعتذر فيها عن عدم إبلاغه مسبقاً بموعد بدء العمليّة وناشده التدخّل الفوريّ، حيث كتب: “نطلب الدعم والمساعدة. يجب أن تُسرعوا وتشاركوا في قصف مركّز بالصواريخ وشنّ هجوم برّيّ واسع النطاق“.

لكنّ الهجوم البرّيّ الذي كانت “حماس” تنتظره من جنوب لبنان لم يحدث. وتوضح الوثائق أنّ “الحزب” فتح بالفعل جبهة الشمال بعد ذلك عبر إطلاق الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة على مواقع إسرائيليّة، إلّا أنّه امتنع عن تنفيذ العنصر الذي كانت “حماس” تعتبره محوريّاً في خطّتها، وهو إدخال “قوّات الرضوان” إلى منطقة الجليل وتنفيذ اجتياح برّيّ واسع داخل شمال إسرائيل كما كانت “حماس” تأمل.

بالنسبة لكاتب التقرير جاي ليتني، وهو مؤسّس المنصّة، تشير المراسلات الداخليّة المنشورة بوضوح إلى أنّ سنوات من التنسيق الأمنيّ، التعاون الاستخباريّ، الاجتماعات الاستراتيجيّة، والاتّصالات السياسيّة لم تنجح في اللحظة الحاسمة في ترجمة هذا التعاون إلى مشاركة عسكريّة كاملة كما كانت تتوقّع “حماس”.

يخلص التقرير إلى أنّ الوثائق تكشف أنّ غياب الاجتياح البرّيّ من جنوب لبنان لم يكن تفصيلاً عسكريّاً ثانويّاً، بل شكّل تحوّلاً حاسماً في مجريات الحرب

بنت الحركة خطّتها العسكريّة على افتراض أنّ “الحزب” سيفتح جبهة برّيّة متزامنة مع الهجوم الذي انطلق من قطاع غزّة، وكان هذا الافتراض جزءاً أساسيّاً من استراتيجية “الحرب المتعدّدة الجبهات” التي عملت على إعدادها لسنوات. لكن في 7 أكتوبر، ثبت خطأ هذا الافتراض وسارت الأمور في اتّجاه مختلف، إذ اكتفى “الحزب” بإسناد عسكريّ محدود نسبيّاً من خلال القصف الصاروخيّ والاشتباكات الحدوديّة، من دون الانتقال إلى الحرب البرّيّة التي طالبت بها “حماس” منذ سنوات، وكرّرت طلبها مجدّداً بعد دقائق من بدء الهجوم.

إقرأ أيضاً: وثائق تكشف تفاصيل خطّة “الحركة” للحرب الإقليميّة (2/3)

يخلص التقرير إلى أنّ الوثائق تكشف أنّ غياب الاجتياح البرّيّ من جنوب لبنان لم يكن تفصيلاً عسكريّاً ثانويّاً، بل شكّل تحوّلاً حاسماً في مجريات الحرب، إذ تشير إلى أنّ عدم تنفيذ الهجوم الذي كانت “حماس” تتوقّعه غيّر ميزان المواجهة، ومنع تحوّل هجوم السابع من أكتوبر إلى حرب متزامنة واسعة على جبهات متعدّدة، وكانت الحركة تعتقد أنّها قد تفرض واقعاً استراتيجيّاً مختلفاً على إسرائيل.

مواضيع ذات صلة

وثائق تكشف تفاصيل خطّة “الحركة” للحرب الإقليميّة (2/3)

تبيِّن المراسلات والاجتماعات الداخليّة التي عقدتها قيادة “حماس” مع حسن نصرالله وقادة الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وفق وثائق داخليّة للحركة مسرّبة نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس…

لماذا تراجع “الحزب” عن اجتياح برّي بعد 7 أكتوبر؟ (3/1)

تقّدم وثائق داخليّة مسرّبة لحركة “حماس”، نشرت منصّة استخباريّة إسرائيليّة تفاصيلها، معطيات تقول إنّها “غير معروفة” عن سنوات من التنسيق بين “الحركة” و”الحزب” وإيران، شملت…

التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

عندما شارك كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة المؤسسة العسكرية في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، التي امتدت أسبوعاً كاملاً، بدا المشهد وكأنه…

ديفيد بترايوس: العراق أمام اختبار الدولة الحاكمة

يرى القائد السابق لقوّات التحالف في العراق بين عامَي 2007 و2008، والجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ، ديفيد بترايوس، أنّ العراق يقف اليوم على أعتاب أحد…