الأمير الذي غيّر وجه قطر

مدة القراءة 3 د

عن 74 عاماً، فارقنا أمير دولة قطر السابق وباني نهضتها الحديثة، حمد بن خليفة آل ثاني، تاركاً خلفه دولة المبادرات والوساطات رغم صغر حجمها الجغرافي.

لعلّ الدور الذي تقوم به قطر حالياً في التقريب بين وجهتي نظر كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ومذكرة التفاهم التي وقّعاها مؤخراً، ليست سوى بعض ثمار السياسة القطرية التي أسس لها الأمير الراحل.

لم يكن هذا الحضور وليد ظرف سياسي عابر، بل نتيجة رؤية بعيدة المدى قامت على بناء الثقة مع مختلف الأطراف، والانفتاح على الجميع، وتغليب الحوار على المواجهة. وهي مقاربة أسهمت في ترسيخ صورة قطر وسيطاً موثوقاً في كثير من الأزمات، ورسخت نهجاً استمر بعد انتقال السلطة، ما يعكس أن ما بناه الشيخ حمد كان مشروع دولة لا مشروع مرحلة.

 

كانت قطر قبله دولة صغيرة متواضعة تملك ثروات طبيعية في مقدمتها الغاز، وتعيش في منأى عما يدور في العالم، فصارت في عهده وما بعده دولة أو تجاهل دورها في إخماد نيران الفتن والحروب.

لكن بجانب الطفرة الاقتصادية والعمرانية التي حققها بالسياسات التي تبناها، والمكانة البارزة لقطر التي بناها طوال سنوات حكمه وأسس من خلالها لما نشهده حالياً من دور قطري فعّال على مستوى العالم،  حقق إنجازاً نادراً وشبه فريد من نوعه: تخلّى عن السلطة طوعاً لصالح نجله أمير قطر الحالي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ليكون في ذلك أول حاكم عربي يتخلى عن السلطة وهو في عز مجده وعطائه، بعد رئيس السودان الأسبق عبد الرحمن سوار الذهب الذي أطاح بحكم جعفر النميري عام 1985، وسلم زمام السلطة لحكومة مدنية منتخبة عام 1986.

عن 74 عاماً، فارقنا أمير دولة قطر السابق وباني نهضتها الحديثة، حمد بن خليفة آل ثاني، تاركاً خلفه دولة المبادرات والوساطات

سيرة موجزة

ولد الشيخ حمد في الدوحة عام 1952، وتلقى دراسته حتى المرحلة الثانوية فيها قبل أن ينتقل ليتابع تحصيله العلمي في بريطانيا ويتخرج من كلية سانت هيرست العسكرية عام 1971، ويعود إلى بلاده وينضم إلى القوات المسلحة القطرية، ويتدرج فيها ليعيّن عام 1977 قائداً عاماً لها برتبة لواء، ووزيراً للدفاع ورئيساً للمجلس الأعلى للتخطيط ووليّاً للعهد.

عام 1995، أصبح أمير قطر رسمياً ووضع نصب عينيه أن تصير قطر ما هي عليه اليوم.

محطات سياسية عربية

كل خطوة قام بها الشيخ حمد تحتاج إلى تنويه وإشادة ودراسة وتفصيل، ذلك أنه لعب دوراً مميزاً في الوطن العربي، من دون تمييز بين دولة وأخرى، ونظام وآخر، وقطري أو لبناني أو سوري أو عراقي أو فلسطيني. لا يمكن المضي قدماً في وطننا العربي دون الرجوع إلى مسيرته خاصةً إطلاقه محطة الجزيرة التي شكّلت انعطافة على مستوى الإعلام والتواصل والتأثير على الدول الصديقة والمعادية وسياساتها، والأهم والأبرز دعمه الشعوب العربية ووقوفه بجانب ثورات الربيع العربي عام 2011.

لعلّ أبرز ما ميّز سياسته الخارجية أنها لم تقم على استعراض النفوذ بقدر ما قامت على توظيفه لفتح قنوات الحوار بين الخصوم. فقد سعت الدوحة في عهده إلى أن تكون مساحة للقاء والتفاوض، وهو ما أكسبها احتراماً إقليمياً ودولياً، ورسّخ مكانتها لاعباً سياسياً فاعلاً يفوق في تأثيره حدودها الجغرافية وإمكاناتها الديموغرافية.

 

لمتابعة الكاتب على X:
@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

منير الصياد: سيرة ناصريّ لبنانيّ

رحل أمين عام “الاتحاد الاشتراكي العربي ـ التنظيم الناصري” منير محمد الصياد (1944 ـ 2026)، لكن بقي نصب الرئيس المصري جمال عبد الناصر واقفاً في…

قاسم الخوجة… من دير الزور إلى سجادة “كان” الحمراء

من دير الزور إلى المثلّث الذهبي فالسجادة الحمراء في مهرجان “كان”، هناك قصة كفاح قاسم الخوجة، وهي ليست قصةً فرديةً بل تختزل حكايات السوريين في…

هذا هو قاتل الرّشيد

تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت. تسعة وثلاثون…

هذا فيصل بن عمر

هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق…