تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت.
تسعة وثلاثون عاماً، ولم يتغيّر شيء. القاتل واحد، والضحيّة نفسها. من قتل رشيد كرامي هو نفسه من قتل رياض الصلح في العاصمة الأردنيّة عمّان عام 1951، وهو نفسه من اغتال الشيخ صبحي الصالح في ساحة ساقية الجنزير في بيروت عام 1986، ثمّ عاد واغتال مفتي الجمهوريّة الشيخ حسن خالد وهو يغادر دار الفتوى في بيروت عام 1989.
أتى القاتل نفسه بطنٍّ من المتفجّرات إلى مسبح السان جورج ليفجّر موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005. قد يتساءل البعض: هل يُعقل أن يكون القاتل نفسه في كلّ هذه الجرائم؟
تبدّلت أسماء المنفّذين وأسماء الأدوات السياسيّة التي نفّذت الأوامر الصادرة، اختلفت أنواع الأسلحة المستعمَلة، من رصاصة أو عبوة ناسفة أو طنّ من المتفجّرات، لكنّ المسار واحد. هي حرب أُعلنت منذ استقلال لبنان عام 1943 وما تزال مستمرّة حتّى هذه اللحظة، حرب بين دولة القانون والدويلة العميقة التي تستبيح القانون.
تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت
الدّويلة العميقة تواصل الاغتيال
نعم، هي الدويلة العميقة لا الدولة العميقة، فلقب الدولة شرف لا يناله المغرضون. هذه الدويلة هي التي اغتالت رياض الصلح ورشيد كرامي وحسن خالد وصبحي الصالح ورفيق الحريري، وحاولت اغتيال سليم الحص ونفت صائب سلام وتقيّ الدين الصلح، وها هي اليوم تعرقل عمل نوّاف سلام، تارة عبر اتّهامه بالصهيونيّة، وتارة أخرى عبر تجاهل قرارات حكومته السياسيّة وتحويل الحكومة إلى أداة مقرِّرة من دون إمكانات تنفيذيّة بين يديها.
لم يكن رشيد كرامي رئيساً للحكومة ذا صلاحيّات كبرى، وكانوا يطلقون على صاحب هذا المنصب في تلك الأيّام لقب “الوزير الأوّل”، لكنّ رشيد كرامي اختصر الصلاحيّات كلّها بشخصه وعناده وصلابته وفكر الدولة. تفرّغ هذا الرجل الشهابيّ، ابن عبدالحميد كرامي مفتي طرابلس والمسلمين، لتهذيب الدويلة العميقة، فكان سلاح الاعتكاف بيده سيفاً لا يتحمّله العاملون في الخفاء وتحت الأرض وخلف الجدران. لقد ضاقوا به ذرعاً كما ضاقوا ذرعاً برياض الصلح وطربوشه الوطنيّ، وكما ضاقوا ذرعاً بصبحي الصالح وانفتاحه على المؤمنَين محمّد مهدي شمس الدين وحليم تقيّ الدين، وكما ضاقوا ذرعاً بالمفتي حسن خالد فزرعوا من حوله الكثير من المخبرين حتّى نال منه تقرير لئيم.
هكذا ضاقوا ذرعاً برفيق الحريري. ألا تذكرون اجتماع بعبدا الشهير حين انتفض أحد أقزام الأمن مقفلاً ملفّ الانتخابات قائلاً: “اتركوا الأمر عليّ، أنا أعرف ما يجب أن يحصل وكيف يُتّخذ القرار الخطير”؟

ننتظرك أيّها الرّشيد
طائرة رشيد كرامي ينتظرها الجميع في الحمّام العسكريّ، إلّا أنّ نظراتهم لا تحمل ملامح الانتظار، وكأنّهم يدركون أنّها لن تأتي، ويدركون أنّ قرار اغتياله قد اتُّخذ. وحده الشعب ما يزال حتّى الآن ينتظر طائرة الرشيد، لا يبرح مكانه، كما ينتظر عودة رياض، ونجاة رفيق من الانفجار الكبير، وأن تكون العبوة الناسفة قد أخطأت حسن خالد. ينتظرونهم جميعاً، ليس لأشخاصهم، بل لروح الدولة في أعماقهم.
كلّنا ننتظر الدولة. كلّنا بتنا مقتنعين بأن لا خيار أمامنا سوى الدولة، بقانونها ودستورها وعدالتها، لا الدويلات العميقة القائمة على الفجور والهيمنة والارتهان للخارج والوهم والقهر وتجاوز القانون.
في الذكرى التاسعة والثلاثين لغيابك أيّها الرشيد، ننتظر عودة دولتك، وليس غريباً أن يُطلق على رئيس الحكومة لقب “دولة الرئيس”، فهي رسالة حملها الأجداد، ومن بعدهم الأبناء، وإرث تناقله جيل بعد جيل.
يورق الزهر على ضريحك أيّها الرشيد بعد كلّ هذه السنوات، وتذبل أغصان القتلة لتندثر وتذهب هباءً مع الريح.
صورة المقال تجمع ثلاثة من كبار الشهداء: في الوسط الرئيس رشيد كرامي، وعن يمينه المفتي حسن خالد بجبته البيضاء، وعن يساره العلامة الشيخ صبحي الصالح. كانوا جنباً الى جنب كالبنيان المرصوص في قكرة الدولة. يوم الأحد المقبل في السابع من حزيران تقف طرابلس خلف النائب فيصل كرامي في مهرجان وفاء للرئيس الشهيد رشيد كرامي ولكل الشهداء الذين قدّموا دماءهم في طريق بناء الدولة.
إقرأ أيضاً: هذا فيصل بن عمر
لمتابعة الكاتب على X:
