فضل شاكر.. اصمد واهزم السّجّان

مدة القراءة 4 د

علِّ صوتك بالغنا… لسه الأغاني ممكنة.”

ليست كلمات أغنية فقط، بل رسالة تختصر حكاية الإنسان عندما يقف في وجه الألم. هي صرخة تقول إنّ الصوت الحرّ لا يموت، وإنّ الحنجرة التي خُلقت لتغنّي للحبّ والحرّيّة والكرامة لا يمكن أن تُدفن خلف جدار أو باب حديديّ أو سرير في مستشفى.

 

اليوم، ونحن نسمع خبر مرضك ونقلك إلى المستشفى، يا فضل شاكر، لا نستحضر الفنّان فقط، بل نستحضر الإنسان الذي يواجه محنة فوق محنة، وألماً فوق ألم، وجسداً أتعبته السنوات، فيما بقيت روحه تقاوم كما قاومت دائماً.

يا فضل…

قد يمرض الجسد، لكنّه ليس كلّ الإنسان.

وقد تُرهقك الأيّام، لكنّ الأيّام لا تستطيع أن تُسقط من كان قلبه معلّقاً بالله.

وقد تضيق الدنيا حتّى يظنّ المرء أنّها انتهت، لكنّها عند الله لا تنتهي إلّا لتبدأ من جديد.

لا تسمح لهم أن ينتصروا عليك

لا تسمح للمرض أن يهزم ابتسامتك. لا تسمح للتعب أن يسرق منك إيمانك. ولا تسمح لليأس أن يقنعك بأنّ الحكاية انتهت.

هناك آلاف القلوب التي ما تزال تدعو لك في صلواتها، وآلاف البيوت التي ما تزال تحفظ أغنياتك، وآلاف الأشخاص الذين لا ينظرون إليك كصوت جميل فحسب، بل كإنسان يمرّ بامتحان قاسٍ يحتاج فيه إلى الدعاء أكثر من أيّ شيء آخر.

إنّ الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه، وليس بعد الصبر إلّا الفرج.

فاصبر…

فإنّ مع العسر يسراً.

واصبر…

فإنّ وعد الله حقّ.

يا فضل…

داوِ جسدك… واترك قلبك معلّقاً بالله. ولا تسمح للوجع أن يسرق منك اليقين

المظلوم قد يتعب… لكنّه لا يُهزم

يخبرنا التاريخ كلّه أنّ المظلوم قد يبكي، يمرض، يُحاصر، وقد يشعر في بعض اللحظات أنّ العالم كلّه ضدّه. لكنّه لا يُهزم إذا بقي مع الله.

قد يتأخّر النصر… لكنّ التأخير ليس هزيمة. وقد يطول الانتظار… لكنّ الانتظار لا يعني أنّ العدل قد مات.

فضل شاكر

قد يغيب العدل عن محكمة الأرض، لكنّه لا يغيب عن محكمة السماء. وهناك محكمة لا تحتاج إلى شهود زور، ولا إلى نفوذ، ولا إلى سلطة، ولا إلى مناصب. هناك يقف الجميع متساوين أمام الله.

إلى قلبك المتعب

قل لقلبك ألّا يخاف.

وقل له إنّ وراء كلّ وجع حكمة. ووراء كلّ دمعة رحمة. ووراء كلّ امتحان منزلة لا يبلغها الإنسان إلّا بالصبر.

لا تسمح له أن يضعف. ولا تسمح له أن يندم. ولا تسمح له أن يتخلّى عن الأمل. نحن ما نزال بحاجة إلى نبضه. وما نزال بحاجة إلى ذلك الصوت الذي طالما منح الناس شيئاً من الفرح في زمن كثرت فيه الأحزان.

رسالة إلى السّجّان

وأنت أيّها السجّان…

أيّاً كان اسمك، وأيّاً كان موقعك، وأيّاً كانت القوّة التي بين يديك… لا تظنّ أنّ الأيّام تقف عند باب زنزانة. ولا تظنّ أنّ السلطة قدر أبديّ. ولا تظنّ أنّ الإنسان يستطيع أن يفلت من عدالة الله. راجع صفحات التاريخ… كم من طاغية ظنّ أن ملكه لا يزول، فإذا باسمه يُذكر اليوم مقروناً باللعنة. وكم من سجّان كان يعتقد أنّ مفاتيح السجون تمنحه مفاتيح الحياة، فإذا به يرحل ولا يبقى منه إلّا ذكر الظلم. إنّ الزمن لا يحمي أحداً. والسلطة لا تدوم لأحد. وساعة الحساب، مهما تأخّرت، لا تسقط. قد لا تأتي في اليوم الذي تريد. وقد لا تأتي بالطريقة التي تتوقع. لكنّها تأتي. ويومها لن تنفع قوّة، ولن يشفع نفوذ، ولن يستطيع أحد أن يهرب من عدالة الله.

لا تسمح للمرض أن يهزم ابتسامتك. لا تسمح للتعب أن يسرق منك إيمانك. ولا تسمح لليأس أن يقنعك بأنّ الحكاية انتهت

قد يستطيعون أن يمنعوا حفلة. وقد يستطيعون أن يغلقوا باباً. وقد يستطيعون أن يقيّدوا جسداً. لكنّهم لا يستطيعون أن يمنعوا الناس من أن تتذكّر. ولا يستطيعون أن يمنعوا الدعاء. ولا يستطيعون أن يقتلوا صوتاً عاش في قلوب الملايين.

لا يحتاج الصوت الحقيقيّ إلى مسرح حتّى يعيش. ولا يحتاج إلى أضواء حتّى يلمع. يكفي أن يخرج من قلب صادق، حتّى يبقى حيّاً.

يا فضل…

داوِ جسدك… واترك قلبك معلّقاً بالله. ولا تسمح للوجع أن يسرق منك اليقين. فنحن نؤمن أنّ بعد كلّ محنة منحة، وبعد كلّ ضيق فرجاً، وبعد كلّ ليل فجراً. وسنبقى نردّد معك النشيد كما رفعته من أجل سوريا وثورتها ونسائها وأطفالها وكأنّها كُتبت لهذه اللحظة:

“سوف نبقى هنا… كي يزول الألم،

سوف نحيا هنا… سوف يحلو النغم.”

فعَلِّ “صوتك بالغنا يا فضل… لسه الأغاني ممكنة”.

وما دام في الأرض مظلوم يرفع يديه إلى السماء، فسيبقى الأمل ممكناً، وسيبقى الفرج ممكناً، وسيبقى وعد الله بالنصر والعدل والرحمة هو الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يسجنها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

عادت سوريا التي ننتظرها منذ نصف قرن

في عميق نفوسنا ما يغلب كل قول. لقد عادت سوريا، بوجهها المحبب، بدبلوماسيتها الرفيعة، بخطابها الأنيق، عادت بعد نصف قرن من الانتظار لتقول ما كنا…

بريطانيا: من أزمة “البريكسيت” إلى أزمة دولة

تمرّ بريطانيا بمرحلة استثنائية تكاد تكون الأكثر تعقيداً منذ عقود. تبدو دولةً ترتاب من نفسها، وتعيش حالة من الشك في خياراتها الكبرى. بدأت ملامح هذه…

الاتفاق الإطاري: الجيش ساحة الاشتباك السّياسيّ؟

في موازاة الانقسام السياسيّ بين المرجعيّات في رأس هرم السلطات وبين الأفرقاء على الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ، جرجر أذياله أخيراً إلى حيث يقتضي أن لا…

اتّفاق الإطار… حين أنهت الدبلوماسيّة ما عجزت عنه الحرب

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم يكن الجيش الإسرائيليّ يحتلّ مواقع داخل الأراضي اللبنانيّة كما هو الحال اليوم. ما استدعى هذا الواقع لم يكن…