الدّنيا من دون المصريّين… اكتئاب

مدة القراءة 5 د

ليس في الأمر أيّ مبالغة. فمنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع أنّ مصر أمّ الدنيا، وأنّها ليست دولة عربيّة كبيرة وحسب، بل حالة حضاريّة وثقافيّة وإنسانيّة لا تشبه سواها. فيها من التاريخ ما يكفي ليمنح الأمم ذاكرة، ومن الفنّ ما يكفي ليمنح الشعوب وجداناً، ومن الناس ما يجعل الغريب يشعر أنّه بين أهله قبل أن يسأله أحد من أين جاء.

 

نعم… الدنيا من دون مصر اكتئاب.

هي “الحتّة” التي لا يحلو الكلام إلّا بوجودها، ولا يكتمل الفرح إلّا بأبنائها، ولا تكبر قضايانا العربيّة أو تصغر إلّا بحضورها أو غيابها. فعندما تكون مصر في قلب الحدث، تشعر أنّ للعرب ظهراً يستندون إليه، وأنّ للحكاية العربيّة صوتاً لا يزال قادراً على الوصول.

أينما يحلّ المصريّ تكُن مصر.

في أمستردام تجد “قهوة المصريّين”، وفي أبو ظبي مقهى يحمل الاسم نفسه، وفي دمشق، بيروت، بغداد، الكويت، الدوحة، باريس، هيوستن، سيدني، ولندن… لا يحتاج المصريّ إلى وقت طويل ليصنع وطناً صغيراً حوله. يحمل معه لهجته، ضحكته، أغنيته، كوب الشاي، وحكايات النيل، فيشعر كلّ عربيّ أنّه يجلس مع واحد من أهله.

لهذا لم يكن مستغرباً أن تتحوّل مدينة أرلينغتون بولاية تكساس الأميركيّة بالأمس، حيث يوجد ملعب دالاس، إلى مدينة مصريّة بامتياز. يُخيّل لك للحظات أنّك تتجوّل في الإسكندرية أو دمياط أو إحدى مدن الصعيد أو حتّى في قلب القاهرة. لم تعد الإنكليزيّة اللغة الطاغية في محيط الملعب، بل حضرت العربيّة بلكنتها المصريّة، وحضر معها ذلك الدفء الذي لا تخطئه الأذن.

هناك كتب أحد عشر لاعباً أسماءهم بأحرف من ذهب، بقيادة قائد جاء من ملاعب إنكلترا لكنّه لم يغادر يوماً وجدان المصريّين والعرب… محمّد صلاح.

تجاوز المنتخب المصريّ نظيره الأستراليّ، وحجز مكانه في الدور ثمن النهائيّ، لكنّ الانتصار تجاوز حدود النتيجة الرياضيّة. لم يكن فوزاً لمصر وحدها، بل بدا وكأنّه مناسبة عربيّة جامعة.

في غزّة، حيث يحاول الناس انتزاع لحظة حياة من بين الركام، علت الهتافات على الرغم من الجراح. وفي لبنان، دوّت أبواق السيّارات حتّى ساعات الفجر. وفي المملكة العربيّة السعوديّة، تبادل كثيرون التهاني مع أبناء الجالية المصريّة كما لو أنّ عيداً حلّ قبل موعده. وفي عواصم عربيّة أخرى، احتفل الناس لأنّهم رأوا في هذا المنتخب صورةً مشرقةً للعرب عندما يجتمع الإصرار بالموهبة والانتماء.

كانت الفرحة أكبر من مباراة، وأوسع من حدود وطن.

حسام حسن… عندما يتقدّم الإنسان على المدرّب

لكنّ المشهد الأكثر تأثيراً لم يكن الهدف، ولا صافرة النهاية، ولا احتفالات اللاعبين. كان هناك رجل وقف مختلفاً عن الجميع.

بينما اتّجه اللاعبون للاحتفال، حمل حسام حسن علم فلسطين، ولوّح به أمام الجماهير، وكأنّه أراد أن يقول إنّ الفرح لا يكتمل ما دام في هذه الأمّة شعب ينزف كلّ يوم. وعندما سُئل عن سبب رفعه العلم الفلسطينيّ، أجاب بكلمات اختصرت الكثير: “كي تكتمل فرحتي.” ثمّ رفع يديه إلى السماء داعياً: “يا ربّ، كن مع غزّة، وارحم شهداءها، وأطعم أهلها كما أطعمتنا فرحة الانتصار”.

في تلك اللحظة بدا وكأنّه لم يكن في ملعب دالاس، ولا على مقاعد الجهاز الفنّيّ، بل كان يقف فوق ركام غزّة، يشارك أهلها وجعهم قبل أن يشارك المصريّين فرحتهم. ولم تكن تلك اللقطة استثناءً.

قبل أيّام، وخلال مغادرة بعثة المنتخب أحد المطارات، حاول عنصر أمن منع طفل مصريّ من الاقتراب لالتقاط صورة مع المنتخب، فتدخّل حسام حسن بنفسه، وأوقف الأمر بحزم، متذكّراً أنّه مصريّ قبل أن يكون مدرّباً يعرف قيمة أن يحلم طفل بصورة مع منتخب بلاده.

تقول الروايات المتداولة إنّ عنصر الأمن عاد لاحقاً إلى الفندق الذي تقيم فيه البعثة ليعتذر عمّا بدر منه، في مشهد يعكس الاحترام الذي يفرضه أصحاب المواقف قبل أصحاب المناصب.

مصر… أكثر من جغرافيا

بعد المباراة، قال كثيرون إنّ الفراعنة انتصروا.

لكنّ آخرين قالوا إنّ المنتصرين هم أبناء عمرو بن العاص، أبناء الأرض التي تعاقبت عليها الحضارات، وخرج منها العلماء والقرّاء والأدباء والمفكّرون والفنّانون، وبقيت، على الرغم من كلّ التحوّلات، تحتفظ بقدرتها على صناعة الأمل.

هذه هي مصر…

صديقة كلّ عاشق، وملاذ كلّ ضائع، وحضن كلّ من أرهقته الحياة.

هي مصر الشيخ عبدالباسط عبدالصمد الذي تربّينا على صوته وهو يرتّل القرآن، وروايات نجيب محفوظ التي جعلت من الحارة المصريّة عالماً يعرفه الجميع، وأغنيات أمّ كلثوم التي وحّدت العرب كلّ مساء، وأفلام السينما التي صنعت ذاكرة أجيال كاملة، والمنافسة التاريخيّة بين الأهليّ والزمالك التي تحوّلت إلى جزء من الثقافة الرياضيّة العربيّة.

إقرأ أيضاً: فضل شاكر.. اصمد واهزم السّجّان

هي مصر التي لا تستطيع أن تختصرها في مباراة أو أغنية أو رواية أو نهر أو مدينة.

هي تاريخ يمتدّ آلاف السنين، ثقافة تعبر الحدود، إنسان يعرف كيف يحوّل الغربة إلى وطن، والهزيمة إلى أمل، والفرح إلى مناسبة يتشاركها الجميع.

ولهذا عندما تفرح مصر لا يفرح المصريّون وحدهم، بل يفرح معهم ملايين العرب الذين يرون فيها جزءاً من ذاكرتهم ومن طفولتهم ومن أحلامهم.

ولهذا أيضاً تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان: الدنيا من دون مصر… اكتئاب وحسب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن

كثيرة هي مؤشّرات نجاح القمّة اللبنانيّة- الأميركيّة، في الشكل والمضمون. كرّس لبنان مساراً تفاوضيّاً مستقلاً عن إيران، في سعيه للخروج من الدائرة المغلقة للصراع على…

النّوويّ السّعوديّ: لا شروط على الرياض

استغرق بناء الصفقة النوويّة الأميركيّة السعوديّة سنوات بدأت منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن وصولاً إلى أيّامنا هذه. مرّت المفاوضات بتفاصيل وأخذ وردّ وقراءة وإعادة…

المنطقة التجريبيّة: خلايا نائمة… بين الجيش؟

تكفي مقارنة تعامل محطتي NBN التابعة للرئيس نبيه برّي و”المنار” لسان “الحزب”، حيال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأربعاء لزوطر الغربية، كي يبيّن ليس اختلاف…

بين 17 أيار واتفاق الإطار: تغير اللاعبون ولم يتغير السؤال اللبناني

في لبنان، لا تحتاج الذاكرة السياسية إلى كثير من التحريض. يكفي أن يُذكر تفاوض مع إسرائيل، أو اتفاق برعاية أميركية، حتى يخرج 17 أيار من…