“القوميّة اللّبنانيّة” وسؤال الهويّة واتّفاق الطّائف

مدة القراءة 6 د

في كلّ مرّة يدخل لبنان مرحلة تحوّل كبرى، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة. من نحن؟ وما هو هذا البلد الصغير المعلّق بين الجغرافيا والتاريخ؟ وأين تبدأ هويّته وأين تنتهي؟ ومع تبدّل موازين القوى في المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، عاد إلى التداول خطاب ظنّ كثيرون أنّه أصبح جزءاً من سجالات الماضي: خطاب “القوميّة اللبنانيّة“.

 

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى نقاشاً فكريّاً أو ثقافيّاً في الجذور والانتماءات. لكنّ المسألة أبعد من ذلك بكثير. فحين يُعاد إحياء فكرة “القوميّة اللبنانيّة” في هذه اللحظة بالذات، لا يعود النقاش متعلّقاً بالفينيقيّين أو بالعرب أو بموقع لبنان بين الشرق والغرب، بل يصبح نقاشاً في الصيغة التي استقرّ عليها اللبنانيّون بعد حرب أهليّة طويلة، وفي العقد الوطنيّ الذي كرّسه اتّفاق الطائف عندما أعلن: لبنان وطناً نهائيّاً لجميع أبنائه وعربيّ الهويّة والانتماء.

 

القوميّة اللّبنانيّة واختبار المِحن

الشعب اللبناني أمّة مستقلّة ومتميّزة عن محيطها العربيّ تعود جذورها إلى الفينيقيّين. هي أمّة تنتمي إلى البحر أكثر ممّا تنتمي إلى البرّ، وإلى التاريخ أكثر من الزمن الراهن، وتالياً إلى المستقبل. أسّس للفكرة في القرن السابع عشر البطريرك المارونيّ إسطفان الدويهي (1630-1704) في تاريخه، مواكبةً لما تمتّع به لبنان، أو جبل لبنان تحديداً، من شبه حكم ذاتيّ ونوع من الاستقلاليّة عن السلطنة العثمانيّة. تعزّزت الفكرة لاحقاً في أعقاب أحداث 1840-1860، التي تمخّضت عنها هيمنة مارونيّة سياسيّة في لبنان قضت على زمن الإمارة الدرزيّة قضاءً تامّاً.

حين يُعاد إحياء فكرة “القوميّة اللبنانيّة” في هذه اللحظة بالذات، لا يعود النقاش متعلّقاً بالفينيقيّين أو بالعرب أو بموقع لبنان بين الشرق والغرب، بل يصبح نقاشاً في الصيغة التي استقرّ عليها اللبنانيّون بعد حرب أهليّة طويلة

هي مارونيّة المنشأ والأصل، وبرزت كمحاولة لتأطير أو التنظير لنظام متصرفيّة جبل لبنان. إلّا أنّ حضورها اكتمل بُعيد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ولقطع الطريق أو لمجابهة الدعوات إلى قوميّات أخرى: عربيّة وسوريّة. كانت “القوميّة اللبنانيّة” السور العالي الذي بُني لمواجهة كلّ دعوات التوحّد مع محيط لبنان، ساعةً تحت شعار العروبة، وساعةً تحت راية سوريا الطبيعيّة.

مع اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان سنة 1975، كانت “القوميّة اللبنانيّة” راية فريق أساسيّ في الحرب والوطن الصغير. نظّر لها شارل قرم صاحب “الجبل الملهم”، وفلسفها كمال يوسف الحاج، ودعا إلى لغة لبنانيّة تُكتب بحروف لبنانيّة الشاعر سعيد عقل، وحوّل كثيرون، من كميل شمعون إلى بشير الجميّل، ما سبق إلى سياسات.

القوميّة اللّبنانيّة” تنسف فكرة التّعدّديّة

أن يكون لبنان وطناً نهائيّاً لجميع أبنائه لا يعني أن يكون الفينيقيّون أجدادهم كلّهم. وللمناسبة، يرى مؤرّخون كثر أنّ الفينيقيّين في أصلهم عرب. وأن يتمايز اللبنانيّون عن محيطهم العربيّ لا يعني ألّا يكونوا عرباً. وأن يشتهروا بمعرفتهم باللغات الأجنبيّة ويتقنوا الفرنسيّة والإنكليزيّة كما العربيّة لا يعني أنّ لسانهم غير عربيّ.

أن يكون لبنان ملجأً وملاذاً لجماعات مختلفة تاريخيّاً لا يعني أن يكونوا منحدرين من عرق واحد وقوميّة واحدة. “القوميّة اللبنانيّة” في أماكن كثيرة نسف لفكرة التعدّديّة اللبنانيّة، والتنوّع اللبنانيّ، ولبنان الرسالة والوطن النهائيّ لجميع أبنائه.

في الأصل، جاء اتّفاق الطائف في المملكة السعوديّة ليقول إنّ العيش المشترك هو ضمانة لبنان. وجاء ليقول أمرين: واحداً للمسلمين وآخر للمسيحيّين. قال للمسلمين إنّ “لبنان عربيّ الهويّة والانتماء”، وقال للمسيحيّين إنّ “لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه”. ضمن هذه الثلاثيّة خرج اللبنانيّون مجتمعين من الحرب الأهليّة.

قام لبنان على جناحين. قام أيضاً على ضمّ ملحقات عدّة إلى لبنان الصغير. وقام على جماعات كثيرة جامعاً بين هويّات متعدّدة وميول وأهواء شتّى. كان نقطة التقاء بين من يدعو إلى الالتحاق بسوريا والعرب والمسلمين، ومن يدعو إلى الابتعاد والانفصال عنهم والالتحاق بالغرب. قام على دستور وقوانين، وهي أبقى من الأفكار والطروحات السياسيّة. وقام على الميثاق الوطنيّ، على تسوية اجترحها الرئيس رياض الصلح والشيخ بشارة الخوري، بما يمثّلان.

اتّفقوا على لبنان وطناً نهائيّاً لجميع أبنائه، لا لبنان أمّةً وقوميّةً للّبنانيّين. والقوميّة أكبر من أن يحدّها وطن، وأصغر من أن تمحو حدوداً ودستوراً وعقداً اجتماعياًّ وتاريخاً مشتركاً وعلاقات إقليميّة ودوليّة. العرب أمّة واحدة ودول كثيرة. والمسلمون كذلك.

مع اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان سنة 1975، كانت “القوميّة اللبنانيّة” راية فريق أساسيّ في الحرب والوطن الصغير

وطن رسالة أو قطع الطّريق على “الطّائف”

لبنان رسالة، رسالة يكتبها كلّ يوم لبنانيّون من مشارب وأهواء وهويّات شتّى: عرب وأكراد وأرمن وتركمان وأقباط…، ومسلمين ومسيحيّين، واللائحة تطول. تجمعهم الرغبة في العيش معاً، والجغرافيا، والجبل والسهل والبحر، وينظّم عيشهم اتّفاق الطائف.

وطن رسالة كما يتغنّون به، ويتغنّى به وبهم العالم. والوطن يعني دولةً مستقلّةً ومواطنين. يعني دستوراً وحدوداً وقوانين. التفّ كثر على ما سبق. آخر الملتفّين “الحزب”، ساعةً باسم حماية لبنان خارج حدوده، وساعةً باسم العقيدة الدينيّة وولاية الفقيه. سبقه إلى الالتفاف كثر بذريعة الخوف حيناً، وبدافع القوّة والهيمنة أحياناً أخرى.

إقرأ أيضاً: العميد حمادة: اتّفاق سياسيّ باطنه أمنيّ

محاولة السلطة السياسيّة، وفي مقدَّمها الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام، بسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل الأراضي اللبنانيّة واحتكار قرار السلم والحرب، والنأي بلبنان عن كل المحاور السياسيّة والتحالفات والصراعات في المنطقة، محاولة تقود إلى وطن، وإلى دولة المواطنة، لا إلى أمّة لبنانيّة وقوميّة لبنانيّة تستجرّان حكماً، والتاريخ خير شاهد، انقسامات بين اللبنانيّين تتجاوز الاختلاف على سياسات هنا وأخرى هناك، وخروجاً على الدستور والقوانين هنا، وتجاوزات سياسيّة ودستوريّة هناك، لتصيب الوطن في مقتل. الاختلاف في السياسة شيء، والاختلاف على الوطن شيء آخر.

أن تكون مواطناً لبنانيّاً سقفه الدستور والقانون وحدوده الـ10,452 كلم مربّعاً شيء، وأن تكون قوميّاً لبنانيّاً أو عربيّاً أو سوريّاً شيء آخر. في المقولة الأولى يتّسع الوطن للجميع، وأمّا في الثانية فلا يكون لأحد، وربّما لا يكون أصلاً.

تقطع محاولة بعث “القوميّة اللبنانيّة” من جديد الطريق على تطبيق اتّفاق الطائف قبل أن تقطع أيّ طريق آخر.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

اتفاقا إيران ولبنان.. ينجحان معاً أو يسقطان معاً؟

ربطت إيران لبنان بها وفق معادلة واضحة: لا يمضي الاتّفاق مع الولايات المتّحدة ما لم يكن لبنان جزءاً منه، على طريقة حافظ الأسد في “وحدة…

ليلة دهم واحدة لا تطهر العراق من الفساد

قبل ساعات من بزوغ فجر الأحد، لم تكن ليلة بغداد كسابقاتها المعتادة. أرتال عسكريّة انتشرت عند مداخل المنطقة الخضراء، ومروحيّات حلّقت فوق العاصمة، فيما نفّذت…

اتفاق الإطار: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (1/2)

كيف توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق إطاري ثلاثي برعاية أميركية؟ وكيف وضع الاتفاق إطارًا لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وإرساء سلطة الدولة عبر «مناطق…

“7 أيّار” أصبحت ماضياً إنطوى

لم يعُد ما يجري في بيروت اعتراضاً سياسيّاً على اتّفاقٍ جديد، ولا يمكن التعامل معه بوصفه ردّ فعل عابراً على صيغة تفاوضيّة أُبرمت في واشنطن….