يرى القائد السابق لقوّات التحالف في العراق بين عامَي 2007 و2008، والجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ، ديفيد بترايوس، أنّ العراق يقف اليوم على أعتاب أحد أهمّ التحوّلات السياسيّة منذ سنوات، مع بروز مؤشّرات متزايدة إلى عودة سلطة الدولة واستعادة مؤسّساتها لدورها. وبحسب تقديره، تواجه البلاد لحظة مفصليّة قد تعيد رسم مستقبلها السياسيّ، وتمثّل بداية انتقالها من دولة تكافح من أجل البقاء إلى دولة تمتلك القدرة على الحكم.
يؤكّد القائد السابق للقيادة المركزيّة الأميركيّة بين عامَي 2008 و2010، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة بين عامَي 2011 و2012، بحسب ما نقلت عنه “واشنطن بوست”، أنّ التحدّي الأساسيّ الذي يواجه العراق لم يعد يتمثّل في هزيمة “تنظيم الدولة الإسلاميّة” (داعش) أو ضمان انتقال السلطة عبر الانتخابات، بل في قدرة الدولة على استعادة سلطتها وفرض سيادة القانون على جميع الفاعلين. ويرى أنّ ما يميّز المرحلة الراهنة هو احتمال أن تكون مؤسّسات الدولة الرئيسة، وفي مقدَّمها السلطة القضائيّة ومكتب رئيس الوزراء وجهاز مكافحة الإرهاب، قد بدأت تعمل بصورة منسّقة لإعادة بسط سلطة الدولة.
يحذّر بترايوس من التقليل من حجم النفوذ الإيرانيّ، مؤكّداً أنّ طهران لا تزال قوّة إقليميّة مؤثّرة تحتفظ بنفوذ سياسيّ واسع داخل العراق، وتواصل دعم شركائها المسلّحين في المنطقة
المؤسّسات أمام اختبار مكافحة الفساد
يشدّد بترايوس على أنّ أهميّة هذه المرحلة لا تقتصر على حملة الاعتقالات الجارية، بل تمتدّ إلى سلسلة من التطوّرات المتزامنة، من بينها شروع المحاكم العراقيّة في إصدار أحكام بالإدانة ومصادرة أصول في قضايا فساد كبرى، إلى جانب إعادة تأكيد الحكومة موعد الثلاثين من أيلول بوصفه المهلة النهائيّة لتسليم الأسلحة غير المرخّصة، فيما تحاول بعض الفصائل المسلّحة استثناء ما تسمّيه “أسلحة المقاومة” من نطاق سلطة الدولة.
يرى رئيس CIA السابق أنّ التطوّرات الأخيرة، وفي مقدَّمها حملة الاعتقالات الواسعة في ملفّات الفساد التي طالت أكثر من ستّين شخصيّة سياسيّة ومسؤولاً في بغداد، وما رافقها من إجراءات قضائيّة وأمنيّة شملت رفع الحصانة عن أكثر من عشرة أعضاء في البرلمان، ونقل محتجزين من إقليم كردستان العراق إلى عهدة جهاز مكافحة الإرهاب، قد تشكّل أوّل اختبار حقيقيّ لقدرة مؤسّسات الدولة على استعادة دورها بعد سنوات من هيمنة شبكات الفساد والسلاح والنفوذ غير الرسميّ.
النّفوذ الإيرانيّ لم ينتهِ
يشير بترايوس إلى أنّه بعدما تعامل صنّاع القرار في الولايات المتّحدة مع العراق طوال العقدين الماضيين بوصفه مشكلة ينبغي إدارتها، حان الوقت لطرح سؤال مختلف: هل أصبح العراق يمتلك أهميّة استراتيجيّة بحدّ ذاته؟ ويعتبر أنّ المشهد الجيوسياسيّ في الشرق الأوسط عاش تحوّلاً جذريّاً خلال العامين الماضيين بعدما تعرّضت إيران لانتكاسات عسكريّة كبيرة، وتراجع نفوذ “الحزب” بصورة ملحوظة، وسقط نظام الأسد في سوريا، وهو ما جعل التوازنات الإقليميّة أكثر سيولة. ويرى أنّ فترات الاضطراب الاستراتيجيّ غالباً ما تخلق فرصاً للدول القادرة على استثمارها، والعراق يقف اليوم أمام واحدة من تلك الفرص.
مع ذلك، يحذّر بترايوس من التقليل من حجم النفوذ الإيرانيّ، مؤكّداً أنّ طهران لا تزال قوّة إقليميّة مؤثّرة تحتفظ بنفوذ سياسيّ واسع داخل العراق، وتواصل دعم شركائها المسلّحين في المنطقة، ولا تزال تمتلك القدرة على فرض كلفة استراتيجيّة عبر الضغط البحريّ في مضيق هرمز.
وفق تقديره لم يعد السؤال المحوريّ يتعلّق بقدرة العراق على هزيمة “تنظيم الدولة الإسلاميّة” (داعش)، لأنّ القوّات الأمنيّة العراقيّة، بدعم انتقائيّ من الولايات المتّحدة وعناصر التحالف، أنجزت هذه المهمّة إلى حدّ كبير. ولم يعد التحدّي مرتبطاً بإجراء الانتخابات أو نقل السلطة السياسيّة، بعدما أثبتت الدولة قدرتها على ذلك، بل بات يتمحور حول قدرتها على استعادة سلطتها وترسيخها.

المعركة على شرعيّة الدّولة وكفاءة مؤسّساتها
يرى بترايوس أنّ العراق يشهد في جوهره منافسة بين المؤسّسات والشبكات، ولم يعد السؤال المطروح: من يسيطر على المدن؟ بل من يمتلك الشرعيّة؟ أصبحت المسألة تتعلّق بقدرة المحاكم على ترسيخ سيادة القانون بوتيرة أسرع من قدرة الممارسات الفاسدة على التكيّف، وبقدرة المؤسّسات الأمنيّة المحترفة على توسيع سلطة الدولة من دون إثارة مواجهات تزعزع الاستقرار، وبإمكان الوزارات الكفوءة تقديم الخدمات بفعّاليّة تفوق أنظمة المحسوبيّة، علاوة على قدرة الهويّة الوطنيّة العراقيّة على التغلّب على الولاءات الفئويّة.
يؤكّد أنّ هذه ليست أسئلة يمكن الإجابة عنها خلال أسبوع أو شهر، بل إنّها ستحدّد مسار العراق لسنوات طويلة. ويرى أنّ الأحداث الأخيرة تشير إلى أنّ بعض المؤسّسات العراقيّة بدأت تختبر حدود سلطتها وصلاحيّاتها، ويولي اهتماماً خاصّاً لجهاز مكافحة الإرهاب، باعتباره يخضع مباشرة لرئيس الوزراء وليس لوزارة الدفاع، ولأنّه أصبح، في تقديره، أكثر المؤسّسات الأمنيّة العراقيّة كفاءة واحتراماً. ويعكس تكليفه بتنفيذ عمليّات ذات حساسيّة سياسيّة رغبة الحكومة في أن تُفهم هذه الإجراءات باعتبارها تأكيداً لسلطة الدولة، لا تحقيقات جنائيّة وحسب.
حدود سلطة الدّولة أمام اختبار
مع ذلك، يحذّر بترايوس من أنّه إذا لم تمتدّ جهود مكافحة الفساد إلى مواجهة المصالح السياسيّة الأكثر نفوذاً والفصائل المحميّة بقوّة السلاح، فقد تكشف حدود سلطة الدولة بدلاً من أن تؤكّد انتصارها. ويرى أنّ الاعتقالات وحدها لن تكون كافية لتغيير وجه العراق، إذ ينبغي أن تفضي التحقيقات إلى إجراءات قضائيّة نزيهة، وأن تثبت المؤسّسات اتّساقها في تطبيق القانون بعيداً عن الانتقائيّة، ويجب أن يتحوّل الإصلاح إلى ممارسة مؤسّسيّة مستدامة لا إلى حملات موسميّة متقطّعة.
اختبار قدرة الدّولة على الحكم
وفقاً لبترايوس، تفتح التطوّرات الأخيرة احتمالاً مختلفاً لمستقبل العراق، بعدما ظلّ لعقود يُنظر إليه باعتباره ساحة تتنافس فيها القوى الخارجيّة، سواء الولايات المتّحدة أو إيران أو تركيا أو دول الخليج أو التنظيمات الإرهابيّة أو الجماعات المسلّحة.
إقرأ أيضاً: العراق: “حالة الاستثناء” مدخل لاستعادة هيبة الدّولة
يخلص إلى أنّ مستقبل العراق لن تحدّده في نهاية المطاف هذه القوى الخارجيّة، بل قدرة مؤسّساته على أن تصبح تدريجاً أقوى من الشبكات غير الرسميّة التي طغت عليها في كثير من الأحيان. ويرى أنّ الولايات المتّحدة لا تستطيع إنجاز هذه المهمّة نيابة عن العراق، ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك، لكنّها تستطيع دعم المؤسّسات العراقيّة التي تثبت كفاءتها والتزامها المساءلة وسيادة القانون، معتبراً أنّ نجاحها في هذا المسار سيشكّل إحدى أهمّ المساهمات الأميركيّة في ترسيخ الاستقرار الإقليميّ خلال السنوات المقبلة.
يختتم بترايوس كلامه بالقول: “قبل عشرين عاماً كان العراق يمثّل ساحة المعركة الرئيسة في الشرق الأوسط، وأمّا اليوم فقد يصبح الاختبار الأبرز لقدرة مؤسّسات الدولة على النهوض بعد عقود من الحروب والديكتاتوريّة والعنف الطائفيّ والإرهاب والفساد والتدخّلات الخارجيّة. وإذا كان السؤال الذي واجه العراق طوال العقدين الماضيين: هل الدولة قادرة على البقاء؟ فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل هي قادرة على الحكم فعلاً؟”.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
