وثائق تكشف تفاصيل خطّة “الحركة” للحرب الإقليميّة (2/3)

مدة القراءة 5 د

تبيِّن المراسلات والاجتماعات الداخليّة التي عقدتها قيادة “حماس” مع حسن نصرالله وقادة الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وفق وثائق داخليّة للحركة مسرّبة نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس إنتل” الاستخباريّة، أنّ “الحركة” انتقلت، خلال عام 2022، من مرحلة التنسيق الأمنيّ إلى البحث في إطلاق حرب إقليميّة متعدّدة الجبهات ضدّ إسرائيل. وتوضح أنّ يحيى السنوار وضع تصوّراً استراتيجيّاً لهجوم متزامن ينطلق من غزّة ولبنان وسوريا والأردن، معتبراً أنّ نجاح العمليّة يعتمد على انخراط جميع أطراف “محور المقاومة” في مواجهة واحدة.

 

 

في أيّار 2022، عقد صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسيّ لـ”حماس” آنذاك، وخليل الحيّة، عضو المكتب السياسيّ للحركة، اجتماعاً في بيروت مع الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله، بحضور القياديّ البارز في الحرس الثوريّ الإيرانيّ محمّد رضا إيزدي، الذي كان يشرف على التنسيق بين طهران والفصائل الفلسطينيّة.

بحسب المراسلات، طلب نصرالله من وفد “حماس” أن يوضح بدقّة ما الذي تعتبره “الحركة” نصراً في أيّ حرب مقبلة، وتساءل: “هل نتوقّع من هذه المواجهة أن تؤدّي إلى زوال الاحتلال بالكامل؟

الظّروف أصبحت مناسبة

تنقل الوثائق أنّ قيادة “حماس” عرضت، خلال الاجتماع، تقديراً استراتيجيّاً مفاده أنّ الظروف الإقليميّة أصبحت مؤاتية لخوض مواجهة شاملة مع إسرائيل. واستندت “الحركة” في ذلك إلى عدّة عوامل، أبرزها تصاعد العمليّات المسلّحة في الضفّة الغربيّة، والأزمة السياسيّة الداخليّة التي كانت تشهدها إسرائيل، وانشغال المجتمع الدوليّ بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى استمرار مسار التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربيّة، وهو مسار اعتبرت “حماس” أنّه يجب تعطيله.

لكن لم يرحّب نصرالله، وفقاً للوثائق، بهذا الطرح بصورة فوريّة، ولم يرفضه أيضاً. فقد ركّز، بدلاً من ذلك، على سؤال جوهريّ يتعلّق بالأهداف السياسيّة والعسكريّة للحرب المقترحة. ونُقل عن نصرالله قوله: “الفكرة جيّدة ومنطقيّة وتستحقّ النقاش، ولكن لا مفرّ من تحديد الأهداف التي نريد تحقيقها لأنّ الأهداف هي التي ستحدّد حجم العمل المطلوب.”

بحسب المراسلات، طلب نصرالله من وفد “حماس” أن يوضح بدقّة ما الذي تعتبره “الحركة” نصراً في أيّ حرب مقبلة، وتساءل: “هل نتوقّع من هذه المواجهة أن تؤدّي إلى زوال الاحتلال بالكامل؟ وهل هدفنا منع اليهود من دخول المسجد الأقصى؟ فهذا هدف متواضع لا يحتاج إلى حرب.”

تشير الوثائق إلى أنّ قيادة “حماس” أقرّت، خلال الاجتماع، بأنّها لم تحدّد بعد بصورة نهائيّة الأهداف الاستراتيجيّة للحرب، وأنّها نقلت ملاحظات نصرالله إلى رئيس الحركة في قطاع غزّة يحيى السنوار.

حملة الوعد الثّاني

بحسب التقرير، جاء ردّ السنوار في وثيقة استراتيجيّة مطوّلة تضمّنت تصوّراً لعدّة سيناريوات محتملة لمواجهة مستقبليّة مع إسرائيل، وكان خياره المفضّل هو ما يُسمّى “حملة الوعد الثاني”، وهي هجوم مفاجئ واسع النطاق يُشنّ في وقت واحد من جبهات متعدّدة، بهدف معلن هو إلحاق هزيمة استراتيجيّة بإسرائيل وصولاً إلى تدميرها.

بحسب الوثيقة، كتب السنوار أنّ العمليّة يجب أن تتمّ خلال إحدى المناسبات الدينيّة اليهوديّة، وأنّ “عيد الفصح هو بلا شكّ التوقيت الأنسب”. وتشير المراسلات إلى أنّ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل لم يكن التاريخ المفضّل لـ”حماس” لشنّ الهجوم، بل إنّ “الحركة” كانت تدرس خيارات زمنيّة أخرى قبل أن تستقرّ لاحقاً على التاريخ الذي نُفّذت فيه العمليّة.

استمرّت المشاورات بين الأطراف خلال الأشهر التالية، فيما واصلت قيادة “حماس” العمل على ضمان التزام “الحزب” لهذا السيناريو، تمهيداً لإطلاق ما اعتبرته الحركة “المعركة الاستراتيجيّة الكبرى” ضدّ إسرائيل

توضح الوثائق أنّ خطّة السنوار لم تكن تقتصر على قطاع غزّة، بل تضمّنت تصوّراً لحرب متعدّدة الجبهات تشمل هجمات منسّقة ومتزامنة تنطلق من غزّة ولبنان وسوريا والأردن. واعتمدت عدّة سيناريوات لتنفيذ عمليّات تسلّل عبر الحدود الأردنيّة، بالتوازي مع هجمات يشنّها “الحزب” من الجنوب اللبنانيّ، بالإضافة إلى مشاركة فصائل فلسطينيّة تعمل انطلاقاً من سوريا.

سيناريو قابل للتّنفيذ

تنقل الوثائق أنّ حسن نصرالله وصف هذا التصوّر بأنّه “سيناريو واقعيّ قابل للتنفيذ”. وأضاف، بحسب المراسلات، أنّه سيعرض الخطّة على المرشد الإيرانيّ علي خامنئي لبحثها مع القيادة الإيرانيّة.

في المقابل، توضح الوثائق أنّ “حماس” لم تكن تتوقّع مشاركة مباشرة من إيران في القتال، بل كانت ترى أنّ دور طهران سيقتصر على إدارة المشهد من الخلف، في حين تتولّى الأذرع المسلّحة المدعومة منها، وفي مقدَّمها “الحزب”، فتح جبهات إضافيّة ضدّ إسرائيل.

إقرأ أيضاً:

تشير الوثائق إلى أنّ هذه الرؤية أصبحت، مع مرور الوقت، جزءاً أساسيّاً من التخطيط العسكريّ لـ”حماس”، التي كانت تبني استراتيجيتها على فرضيّة أنّ أيّ مواجهة كبرى مع إسرائيل لن تقتصر على قطاع غزّة، بل ستتحوّل إلى حرب إقليميّة تشارك فيها عدّة جبهات في وقت واحد.

بحسب التقرير، استمرّت المشاورات بين الأطراف خلال الأشهر التالية، فيما واصلت قيادة “حماس” العمل على ضمان التزام “الحزب” لهذا السيناريو، تمهيداً لإطلاق ما اعتبرته الحركة “المعركة الاستراتيجيّة الكبرى” ضدّ إسرائيل.

 

في الحلقة الثالثة غداً: حاجز نفسيّ منع “الحزب” من اقتحام الحدود.

مواضيع ذات صلة

لماذا تراجع “الحزب” عن اجتياح برّي بعد 7 أكتوبر؟ (3/1)

تقّدم وثائق داخليّة مسرّبة لحركة “حماس”، نشرت منصّة استخباريّة إسرائيليّة تفاصيلها، معطيات تقول إنّها “غير معروفة” عن سنوات من التنسيق بين “الحركة” و”الحزب” وإيران، شملت…

التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

عندما شارك كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة المؤسسة العسكرية في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، التي امتدت أسبوعاً كاملاً، بدا المشهد وكأنه…

ديفيد بترايوس: العراق أمام اختبار الدولة الحاكمة

يرى القائد السابق لقوّات التحالف في العراق بين عامَي 2007 و2008، والجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ، ديفيد بترايوس، أنّ العراق يقف اليوم على أعتاب أحد…

لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟

يرى مركز صوفان أنّ نجاح مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة لن يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل وعلى طيف واسع من الجهات الفاعلة الإقليميّة والدوليّة. ويعتبر…