وثيقة سرّيّة خطيرة تكشف أولويات الإيرانيين

مدة القراءة 8 د

تكشف وثيقة سرّيّة أُعدّت للرئاسة الإيرانيّة أنّ غالبيّة الإيرانيّين تعيش حالة غير مسبوقة من الغضب واليأس والضغوط الاقتصاديّة، لكنّها، في الوقت نفسه، ترفض التصعيد الداخليّ والخارجيّ، وتفضّل الإصلاح التدريجيّ والاستقرار على الفوضى أو المواجهة العسكريّة.

تُظهر الوثيقة أنّ الشعور بالهويّة الوطنيّة تعزّز بعد الحرب الأخيرة، في حين يحمّل معظم الإيرانيّين قلّة كفاءة المسؤولين والفساد المسؤوليّة الأساسيّة عن الأزمة الاقتصاديّة، أكثر ممّا يحمّلونها للعقوبات الخارجيّة، مع تأييد واسع لمواصلة وقف إطلاق النار والمفاوضات لتجنّب اندلاع حرب جديدة.

 

نشرت منصّة  IranWire*، في 13 تمّوز الجاري، تقريراً عن وثيقة سرّيّة أعدّها علي ربيعي*، المستشار الاجتماعيّ للرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان، بعنوان “ماذا يريد الإيرانيّون؟”، تقدّم صورة مفصّلة عن المزاج العامّ في إيران، ومستويات السخط الاقتصاديّ والاجتماعيّ، ونظرة الإيرانيّين إلى النظام والإصلاح، والحرب والسلام، وترصد التحوّلات في الهويّة الوطنيّة والثقة بالمؤسّسات الرسميّة.

يفيد تقرير المنصة بأنّ الوثيقة، التي وصلت إلى دوائر صنع القرار في حزيران 2026، تستند إلى استطلاع للرأي أجراه مركز “آرا” لبحوث الرأيّ العام خلال شهر أيّار 2026، أي بعد أسابيع من انتهاء الحرب التي استمرّت أربعين يوماً بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل.

تكتسب هذه الوثيقة أهمّيّة خاصّة لأنّها لم تُعدّ من قبل مركز بحثيّ مستقلّ أو مؤسّسة إعلاميّة، بل أعدّها المستشار الاجتماعيّ للرئيس الإيرانيّ نفسه، الذي يُعدّ من الشخصيّات التي جمعت بين العمل الأمنيّ والسياسيّ والاجتماعيّ داخل الجمهوريّة الإسلاميّة على مدى أربعة عقود، لتُوزَّع على مؤسّسات داخل بنية النظام. وهذا يعني أنّ نتائجها لا تعكس قراءة معارِضة أو خارجيّة للمجتمع الإيرانيّ، وإنّما تمثّل تقويماً داخليّاً موجّهاً إلى دوائر صنع القرار.

تكشف وثيقة سرّيّة أُعدّت للرئاسة الإيرانيّة أنّ غالبيّة الإيرانيّين تعيش حالة غير مسبوقة من الغضب واليأس والضغوط الاقتصاديّة، لكنّها، في الوقت نفسه، ترفض التصعيد الداخليّ والخارجيّ

تصدّعات في الانقسام الثّنائيّ التّقليديّ

بحسب التقرير، تكشف الوثيقة أنّ الصورة التقليديّة التي تقسم المجتمع الإيرانيّ إلى معسكرين متميّزين، معسكر المدافعين المتشدّدين عن النظام من جهة، ومعسكر من يرون أنّ النظام قد انتهى ويطالبون بانهياره من جهة أخرى، لم تعد تعكس الواقع، فبيانات استطلاع الرأي العامّ تظهر أنّ الفصائل المتطرّفة في كلا الطرفين فشلت في توسيع قاعدتها الاجتماعيّة لتتجاوز ما بين 10 و20 في المئة من السكّان.

أمّا الكتلة الكبرى من الإيرانيّين فتجمع بين موقفين متوازيَين. تبدي استياءً عميقاً من تدهور الأوضاع المعيشيّة، استمرار حجب الإنترنت، ضعف كفاءة مؤسّسات الدولة، وانتشار الفساد، وتطالب بإصلاحات جذريّة، لكنها، في الوقت نفسه، تعطي الأولويّة لـ”الاستقرار والأمن القوميّ ووحدة الأراضي الإيرانيّة، والتغييرات التدريجيّة” على الفوضى والتطرّف السياسيّ.

 

انتشار “صدمة الحاضر

تكشف الوثيقة أيضاً عن تصاعد غير مسبوق في المؤشّرات النفسيّة والاجتماعيّة داخل المجتمع الإيرانيّ.

أفاد أكثر من 63 في المئة من المشاركين بأنّهم يعيشون مستويات مرتفعة من الغضب والسخط في حياتهم اليوميّة، بزيادة حادّة بلغت 12 نقطة مئويّة مقارنة بشهر كانون الأوّل 2025. ويشير التقرير إلى أنّ هذه النسبة تتجاوز أعلى معدّل سجّلته بيانات مؤسّسة “غالوب” عالميّاً، وهو 47 في المئة في تشاد، فتغدو الحالة الإيرانيّة استثنائيّة.

أظهرت النتائج أيضاً أنّ:

ـ أكثر من 50 في المئة من السكّان ما عادوا يأملون أيّ تحسّن في الأوضاع.

ـ 47.7 في المئة يعانون مشاعر حزن واكتئاب.

ـ 45.4 في المئة يعيشون حالة مستمرّة من الخوف والقلق بسبب حالة عدم اليقين السائدة.

يلاحظ التقرير أنّ هذه المشاعر أكثر انتشاراً بين المواطنين الحاصلين على تعليم جامعيّ، والأشخاص الذين تقلّ أعمارهم عن 50 عاماً. ويلفت التقرير إلى أنّ علي ربيعي استخدم لوصف هذه الحالة مصطلح “صدمة الحاضر” (أكنون ‌زدگي)، وهو مفهوم ظهر للمرّة الأولى في إيران عام 1975 لوصف مجتمع عالق في حالة من الترقّب، فهو لا يريد، ولا يستطيع، العودة إلى الماضي، لكنّه يفتقر إلى رؤية واضحة وشفّافة ومبشّرة للمستقبل.

يشير التقرير إلى أنّ الحرب الأخيرة عزّزت الشعور بالهويّة الوطنيّة، إذ ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم أوّلاً بأنّهم “إيرانيّون”

تعزيز الشّعور بالهويّة الوطنيّة

يرصد التقرير تغيّراً لافتاً في مفهوم الهويّة  لدى الإيرانيّين بعد الحرب. فعند سؤال المشاركين: “كيف تعرّف نفسك؟”، جاءت الإجابات على النحو الآتي:

ـ 36.8 في المئة يعرّفون أنفسهم أوّلاً بأنّهم “إيرانيّون”.

ـ 33.9 في المئة يعرّفون أنفسهم بأنّهم “إيرانيّون مسلمون”.

ـ 12.4 في المئة يقدّمون هويّتهم القوميّة أو العرقيّة (فارسية، تركيّة، كرديّة، بلوشيّة وغيرها).

ـ 11.6 في المئة يعرّفون أنفسهم بأنّهم “مسلمون” فقط.

ـ 4.4 في المئة يصفون أنفسهم بأنّهم “مواطنون عالميّون”.

يشير التقرير إلى أنّ الحرب الأخيرة عزّزت الشعور بالهويّة الوطنيّة، إذ ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم أوّلاً بأنّهم “إيرانيّون”، في دلالة على أنّ التهديدات الخارجيّة تعزّز المشاعر الوطنيّة.

أزمة المعيشة مصدر القلق الأوّل

يرسم التقرير صورة قاتمة لضغوط يوميّة هائلة، مصحوبة بتكتيكات تكيّفيّة للبقاء على قيد الحياة، ويصف الوضع الاقتصاديّ بأنّه يمثّل مصدر القلق الأوّل للإيرانيّين، ويعرض مؤشّرات تعكس الضغوط اليوميّة التي تواجه الأسر:

ـ يواجه أكثر من 81 في المئة من السكّان صعوبة بدرجات متفاوتة في الحصول على الموادّ الغذائيّة الأساسيّة.

ـ يعاني ثلاثة أرباع الإيرانيّين من صعوبة تحمّل تكاليف الرعاية الصحّيّة، فيما يعجز اثنان من كلّ ثلاثة ممّن تجاوزوا الخمسين عاماً عن تغطية نفقاتهم الصحّيّة.

ـ  يؤكّد 54 في المئة من المشاركين أنّ دخولهم الشهريّة لم تعد تكفي لتغطية النفقات الأساسيّة.

يخصّص التقرير اهتماماً خاصّاً لمسألة الخبز، باعتباره السلعة الغذائيّة الأكثر حساسيّة بالنسبة إلى الإيرانيّين. وبينما يعرب 57.2 في المئة عن استيائهم من أسعار الخبز الحاليّة، يعارض 72 في المئة من السكّان عموماً، و76.1 في المئة من سكّان طهران، بشدّة رفع القيود عن أسعار الخبز، وهو ما يعكس انعدام ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على تعويضهم عن آثار صدمات الأسعار.

عند سؤالهم عن السبب الجذريّ للأزمة الاقتصاديّة، جاءت إجابات المشاركين في الاستطلاع على النحو الآتي:

ـ 46.9 في المئة يعزون الأزمة إلى ضعف كفاءة المسؤولين.

ـ 26.3 في المئة يحمّلون الفساد المسؤوليّة.

ـ 20.7 في المئة يرون العقوبات الأجنبيّة السبب الرئيس.

ـ 62 في المئة قالوا إنّ استمرار العقوبات الاقتصاديّة الأميركيّة سيؤدّي حتماً إلى اضطراب الأسعار وصعوبة الحصول على السلع.

يعاني ثلاثة أرباع الإيرانيّين من صعوبة تحمّل تكاليف الرعاية الصحّيّة، فيما يعجز اثنان من كلّ ثلاثة ممّن تجاوزوا الخمسين عاماً عن تغطية نفقاتهم الصحّيّة

تفضيل الحلول الدّبلوماسيّة

تعكس بيانات الاستطلاع توجّهاً عامّاً يميل إلى تجنّب الحرب وتفضيل الحلول الدبلوماسيّة:

ـ ترى أغلبيّة، بنسبة 54.7 في المئة، أنّ مستقبل العلاقات الأميركيّة ـ الإيرانيّة سيبقى في حالة طويلة الأمد من “لا حرب ولا اتّفاق”.

ـ أعرب 49.1 في المئة عن قلق كبير من اندلاع حرب جديدة.

ـ في حين لم تتجاوز نسبة من يثقون بدرجة كبيرة بفريق التفاوض النوويّ الجديد 28.5 في المئة.

عند سؤال المشاركين عن الخيار الأفضل في المرحلة الحاليّة، نال خيار الحفاظ على وقف إطلاق النار ومواصلة المفاوضات أعلى تأييد بنسبة 44.3 في المئة.

في المقابل، بقيت الخيارات المتشدّدة محدودة التأييد، إذ أيّد 16.4 في المئة فقط توجيه ضربة استباقيّة إلى الولايات المتّحدة وإسرائيل، بينما أيّد 19.9 في المئة القبول الكامل بالشروط الأميركية.

إقرأ أيضاً: الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

ـ علي ربيعي (مواليد 1955)، المعروف أيضاً بلقب “عبّاد”، سياسيّ وعالم اجتماع إيرانيّ يشغل، منذ تشرين الأول 2024، منصب المستشار الاجتماعيّ للرئيس مسعود بزشكيان. ويُعدّ من الشخصيّات المخضرمة في مؤسّسات الدولة الإيرانيّة، إذ سبق أن تولّى وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعيّ بين عامَي 2013 و2018 في حكومة حسن روحاني، ثمّ أصبح المتحدّث باسم الحكومة بين عامَي 2019 و2021، ورأسَ مركز الدراسات الاستراتيجيّة التابع للرئاسة لفترة وجيزة عام 2021. وقبل ذلك عمل مستشاراً للرئيس الإصلاحيّ محمّد خاتمي، وتولّى مناصب في المجلس الأعلى للأمن القوميّ، وارتبط، في مراحل مبكرة من مسيرته، بوزارة الاستخبارات والأجهزة الأمنيّة.

ـ IranWire منصّة إعلاميّة مستقلّة متخصّصة في الشأن الإيرانيّ، أسّسها الصحافيّ والناشط الإيرانيّ الكنديّ مزيار بهاري عام 2013، بعد تجربته في الاعتقال داخل إيران عقب الانتخابات الرئاسيّة عام 2009.

مواضيع ذات صلة

حاجز نفسيّ منع “الحزب” من اقتحام الحدود (3/3)

توضح وثائق داخليّة مسرّبة لحركة حماس، نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس إنتل” الاستخباريّة، أنّ قيادة “حماس” كانت تعتقد، بحلول منتصف عام 2023، أنّها نجحت في…

وثائق تكشف تفاصيل خطّة “الحركة” للحرب الإقليميّة (2/3)

تبيِّن المراسلات والاجتماعات الداخليّة التي عقدتها قيادة “حماس” مع حسن نصرالله وقادة الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وفق وثائق داخليّة للحركة مسرّبة نشرت تفاصيلها منصّة “أوبن سورس…

لماذا تراجع “الحزب” عن اجتياح برّي بعد 7 أكتوبر؟ (3/1)

تقّدم وثائق داخليّة مسرّبة لحركة “حماس”، نشرت منصّة استخباريّة إسرائيليّة تفاصيلها، معطيات تقول إنّها “غير معروفة” عن سنوات من التنسيق بين “الحركة” و”الحزب” وإيران، شملت…

التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

عندما شارك كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة المؤسسة العسكرية في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، التي امتدت أسبوعاً كاملاً، بدا المشهد وكأنه…