انعطافة ترامب: هكذا أخطأت إيران في التّهديد بقنبلة المضيق

مدة القراءة 6 د

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من أنّ إغلاق المضيق ليس مشكلة أميركا، وأنّ على المتضرّرين من إغلاقه أن يحلّوا مشكلتهم بأنفسهم، في إشارة إلى الصين وأوروبا وسواهما.

 

على مدار سبعين سنة، كانت الولايات المتّحدة تقدّم الأمن مقابل القيادة العالميّة، بما للقيادة من مزايا اقتصاديّة ليس أقلّها هيمنة الدولار على النظام العالميّ، وانتشار الشركات الأميركيّة في أصقاع الكوكب، واجتذاب استثمارات بما لا يستوعبه العقل البشريّ من أرقام، من الحلفاء والمنافسين على حدّ سواء. لكنّ تكاليف القيادة أنهكت الخزينة الأميركيّة بميزانيّة دفاعيّة تقترب من تريليون دولار سنويّاً. وأورث ذلك عجزاً في الميزانيّة الفدراليّة من المتوقّع أن يصل إلى 1.9 تريليون دولار في العام الحاليّ، أي ما يقارب 6% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ.

توصّلت إدارة ترامب إلى الاستنتاج أنّ الاتّفاق مع إيران غير ممكن ما دامت تحمل قنبلة المضيق بيدها وتهدّد بها، فكان القرار الاستراتيجيّ بالسيطرة على المضيق

الاستراتيجيات الأميركيّة المتعاقبة

ظهرت نظريّة الانسحاب من الشرق الأوسط في عهد الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما ووزيرة خارجيّته هيلاري كلينتون، حين مال التركيز الأميركيّ إلى الشرق الأقصى، حيث التنافس الاستراتيجيّ الأكبر مع الصين. وتعزّز هذا التوجّه في عهد الرئيس الأميركيّ السابق  جو بايدن، الذي بدأ بسحب بطّاريّات الباتريوت الأميركيّة من دول المنطقة. والمفارقة أنّ ترامب الذي يخالف الديمقراطيّين في كلّ شيء، وافقهم في هذا التوجّه بالذات في بداية ولايته الثانية، وأكّدت استراتيجيته للأمن الوطنيّ المنشورة أواخر العام الماضي على استراتيجية الانسحاب من حروب الشرق الأوسط، والتخلّي عن أفكار نشر الديمقراطيّة التي خاض باسمها الرئيس الأميركيّ الأسبق جورج بوش الابن غزو العراق، لكنّها وضعت خطوطاً محدّدة لما يعني الولايات المتّحدة في المنطقة:

  • أوّلاً: أمن إسرائيل.
  • ثانياً: استمرار الملاحة في المضائق والممرّات الاستراتيجيّة.
  • ثالثاً: إعادة تعريف منطقة الخليج كوجهة للاستثمارات في الذكاء الاصطناعيّ وسواه، ومنطقة لجذب الاستثمارات منها إلى أميركا.

الحرب مع إيران وتغيّر السّياسات

أتت حرب إيران لتعيد الولايات المتّحدة إلى الانغماس في المنطقة، خلافاً لما نصّت عليه الاستراتيجية. وبدا من تصريحات ترامب في الأيّام الأولى أنّه كان يأمل أن يكون الأمر مهمّة محدّدة بأسابيع قليلة، لا تورّطاً مفتوح المدّة. إلّا أنّ مسار الحرب ونمط التفاوض الإيرانيّ قبل التوصّل إلى مذكّرة التفاهم وبعده، أكّد له أنّ الانسحاب من المنطقة ليس مستحيلاً بسبب النفوذ الإسرائيليّ الكبير في دوائر القرار الأميركيّ فقط، بل لمقدار تعلّق الاقتصاد العالميّ بالمنطقة، واعتماده على موارد الطاقة فيها وسلاسل الإمداد عبرها. واتّضح للرئيس الأميركيّ أنّ من غير الواقعيّ أن يبقي معدّلات التضخّم وأسعار البنزين للمستهلك الأميركيّ تحت السيطرة بمعزل عمّا يجري في الخليج، حتّى لو كانت أميركا أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

المعادلة الصفرية

على مدى أسابيع، حاول ترامب الفصل بين الأجندتين الأميركيّة والإسرائيليّة في المنطقة، مجرّباً مقولة “أميركا أوّلاً”، وأوكل إلى نائبه جي دي فانس مهمّة ترسيم حدود المصالح مع إيران.

لكن سرعان ما انكشف مقدار الوهم في الافتراضات التي قام عليها هذا التوجّه. لم تسهّل القيادة الإيرانيّة مهمّة الانسحاب الأميركيّ من الحرب، وليس السبب أنّها لا تريد ذلك، بل لأنّ المعادلة صفريّة هنا: كان المطلوب منها أن تتخلّى عن ورقة السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، فيما تعلم أنّ كلّ مكاسبها في ورقة التفاهم ناجمة حصراً عن استخدام هذه الورقة. يشبه الأمر التفاوض مع من يهدّد بقنبلة، فإذا سلّمها فقدَ ما يفاوض به، وإن لم يسلّمها فلا معنى لأيّ اتّفاق.

تدرك إيران أنّ الولايات المتّحدة قادرة على إزاحة الحرس الثوريّ تماماً عن المضيق، وإزالة تهديده كما أزالت تهديد قراصنة الصومال قرب مضيق باب المندب من قبل

هكذا توصّلت إدارة ترامب إلى الاستنتاج أنّ الاتّفاق مع إيران غير ممكن ما دامت تحمل قنبلة المضيق بيدها وتهدّد بها، فكان القرار الاستراتيجيّ بالسيطرة على المضيق.

ليس هذا التحوّل عودةً إلى الولايات المتّحدة التي عرفها العالم طوال عقود ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حين تولّت الأمن العالميّ لحلفائها من خلال حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، الذي ما تزال حتّى اليوم تتحمّل وحدها أكثر من 60% من إنفاقه العسكريّ، فيما لا يتجاوز إنفاق الدول الإحدى والثلاثين الأخرى 40%، على الرغم من زيادة ميزانيّاتها الدفاعيّة بشكل كبير في السنوات الماضية، تحت الضغوط والتهديدات الأميركيّة، وبضغط من التهديد الروسيّ الآتي إلى أوروبا من البوّابة الأوكرانيّة.

الولايات المتّحدة شرطيّ الشّرق الأوسط

يقدّم ترامب نسخة جديدة من أميركا تتولى دور شرطي الشرق الأوسط بنفسها، لكن بشيء من مواصفات المقاولٌ العسكري والأمني. لكلّ شيء ثمن. لدعم أوكرانيا في وجه روسيا ثمنٌ تدفعه أوروبا من خلال زيادة مشترياتها من منتجات الدفاع الأميركية. ولأمن بحر الصين ثمن تدفعه اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان. ولأمن المضيق ثمن يدفعه الاقتصاد العالمي المستفيد من حركة الملاحة عبر المضيق. تحدث ترمب عن رسوم بنسبة 20% على البضائع التي تمر عبر المضيق كمقابلٍ “عادلٍ” للحماية، قبل أن يتخلى عن الفكرة بعد 24 ساعة إثر ما قال إنها “مناقشات منتجة مع قادة الشرق الأوسط”. لكن على أي حال، لم تكن فكرة الرسوم تستهدف دول المنطقة في المقام الأول، بل الصين التي يقول ترامب مراراً وتكراراً إنها المستفيد الأول من إمدادات الطاقة عبر المضيق، ومن بعدها دول آسيا الأخرى وأوروبا.

إقرأ أيضاً: تفخيخ طريق الشّام: معركة بقاء “السلاح”؟

إذا كان ترامب يعبّر بأقسى العبارات عن انزعاجه من الدول الأوروبيّة التي رفضت مساعدته في الحرب على إيران، لا سيما إسبانيا وإيطاليا، وإذا كان لا يتوقّع من الصين أن ترسل قطعاً حربيّة لفتح المضيق، فإنّ المعادلة الاستراتيجيّة الجديدة التي يريدها هي أن تتولّى الولايات المتّحدة أمن المضيق، على أن يتولّى الآخرون دفع الثمن، بغضّ النظر عن مقدار الرسوم.

تدرك إيران أنّ الولايات المتّحدة قادرة على إزاحة الحرس الثوريّ تماماً عن المضيق، وإزالة تهديده كما أزالت تهديد قراصنة الصومال قرب مضيق باب المندب من قبل، مهما تطلّبت المهمّة من وقت. وإذا حدث ذلك تخسر إيران الرهان الاستراتيجيّ، كما خسرت من قبل الرهان على أنّ إسرائيل لا تجرؤ على مهاجمة “الحزب”، وقد فعلت.

سحبت إيران صاعق قنبلة المضيق، وحقّقت مكاسب تفاوضيّة كبيرة، لكنّها أخطأت في تقدير حدود استخدامها.

 

لمتابعة الكاتب على  X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران…

الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟ لم…

بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق…

الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى…