ربطت إيران لبنان بها وفق معادلة واضحة: لا يمضي الاتّفاق مع الولايات المتّحدة ما لم يكن لبنان جزءاً منه، على طريقة حافظ الأسد في “وحدة المسارين”. غير أنّ مسار الأحداث قلَب المعادلة، فبات اتّفاق إيران نفسه رهيناً باتّفاق لبنان مع إسرائيل. يمضيان معاً، أو يسقطان معاً.
الاتّفاق مع إيران حدثٌ كبير في السياسة الأميركيّة الداخليّة بقدر ما هو حدثٌ في الشرق الأوسط، وهو منعطفٌ في تاريخ العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. لكنّ ضبط حجمه يقتضي وضعه في نصابه التاريخيّ الصحيح. السابقة الأقرب ليست بعيدة: في عام 2015 بلغ الخلاف بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو على الاتّفاق النوويّ ذروته، حين خطب نتنياهو في الكونغرس من فوق رأس الرئيس الأميركيّ اعتراضاً على اتّفاقٍ مع طهران بعينه. وقبلها، في مطلع التسعينيّات، اصطدم جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر بحكومة إسحق شامير في معركة ضمانات القروض، حين تذمّر بوش علناً من ضغط اللوبي المؤيّد لإسرائيل.
المختلف في اللحظة الراهنة عن 2015 أنّ خلاف أوباما–نتنياهو كان خلافاً على اتّفاقٍ محدّد يمكن التحلّل منه لاحقاً، وهو ما حصل فعلاً حين مزّقه ترامب عام 2018. أمّا اليوم فالمواجهة تطال جوهريّاً قدرة إسرائيل على الإمساك بزمام المبادرة أمام محور إيران بعد حربٍ غيّرت موازين القوى الإقليميّة. ويقتضي ذلك أنّ الاتّفاق الإيرانيّ لا يمكن أن يمضي قدماً ضمن الحسابات الأميركيّة الداخليّة ما لم يمنح إسرائيل ما يضمن لها اليد العليا في المنظومة الأمنيّة للشرق الأوسط.
ربطت إيران لبنان بها وفق معادلة واضحة: لا يمضي الاتّفاق مع الولايات المتّحدة ما لم يكن لبنان جزءاً منه، على طريقة حافظ الأسد في “وحدة المسارين”
تحوّل جمهوريّ؟
يقف خلف هذا التوتّر تحوّلٌ في بنية الحزب الجمهوريّ نفسه. التوجّه الصارم الذي اتّخذه نائب الرئيس جي دي فانس تجاه إسرائيل يصعب فصله عن حسابات الترشّح الجمهوريّ للانتخابات الرئاسيّة بعد عامين، وعن تنافسه مع وزير الخارجيّة ماركو روبيو على هذه البطاقة. غير أنّ قراءة هذا التحوّل بوصفه تموضعاً انتخابيّاً تبقى استنتاجاً مبكراً، وهي قراءةٌ لا تخلو من اعتراضٍ جوهريّ، باعتبار أنّ قاعدة الحزب الجمهوريّ ما تزال من أشدّ القواعد الانتخابيّة تأييداً لإسرائيل، والرهان على أنّ التبريد تجاهها يُكسب التمهيديّة الجمهوريّة ما قد يرتدّ على صاحبه.
لكنّ ما يجعل الرهان وارداً على الرغم من ذلك هو سرعة صعود تيّار “أميركا أوّلاً” في القاعدة الجمهوريّة الشابّة، وتنامي التذمّر من الانخراط في الحروب الخارجيّة. يبدو أنّ فانس يراهن على أنّ مركز الثقل داخل الحزب يتزحزح بما يكفي لجعل أجندةٍ أقلّ حماسةً لإسرائيل ورقةً رابحة، في مواجهة صعود التيّار التقدّميّ على الضفّة الديمقراطيّة مع تصاعد نفوذ عمدة نيويورك زهران ممداني ووجوهٍ تقدّميّة أخرى. هذا تقديرٌ سياسيّ يحتمل الخطأ، لكنّه المنطق الذي يفسّر جرأة فانس.
يقود تقدُّم خطّ “أميركا أوّلاً” داخل البيت الأبيض إلى معضلةٍ مباشرة مع إسرائيل بشأن الاتّفاق مع إيران: هل تمضي إدارة ترامب في المواجهة مع اللوبي المؤيّد لإسرائيل حتّى النهاية؟
مارس ترامب ضغطاً علنيّاً على نتنياهو لوقف إطلاق النار، فلامس خطّاً أحمر إسرائيليّاً يتجاوز الانقسام بين الحكم والمعارضة، إذ يُجمع الإسرائيليّون على أنّ فرصة التخلّص من خطر “الحزب” يجب ألّا تفلت هذه المرّة، وأنّ التوقّف الذي يتيح لـ”الحزب” إعادة بناء قدراته يبدّد فرصةً تاريخيّة. لكنّ تاريخ ترامب مع إسرائيل يرجّح ألّا يمضي في هذا الاتّجاه إلى غير رجعة. ومن ثمّ لا بدّ للاتّفاق مع إيران أن يحفظ الخطوط الحمر الإسرائيليّة في مكانٍ ما.
بذلك يكون ترامب قد تجاوز هذا الخطّ في التوقيت والأسلوب حين فرض وقف الحرب، وعوّض عنه بأن يضمن لإسرائيل ثمنها في لبنان، من خلال الالتزام الواضح بتفكيك قدرة “الحزب” وإزالة التهديد الذي يمثّله على الحدود الشماليّة. بهذا المعنى ينتظم الموقفان في إطارٍ أوسع، بحيث لا يتعارض الضغط على نتنياهو مع الالتزام الأميركيّ لأمن إسرائيل.
من هذه الزاوية تُقرأ مذكّرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة. هي في جوهرها تجسيدٌ للالتزام الأميركيّ التاريخيّ لأمن إسرائيل، والثمن الاستراتيجيّ الذي يجعل تمرير الاتّفاق مع إيران ممكناً من دون قطيعةٍ أميركيّة–إسرائيليّة.
ثمّة افتراضٌ آخر أنّ المذكّرة تحظى بإجماعٍ إقليميّ ودوليّ يسند تنفيذها، وهو إجماعٌ غير مؤكد
القفز فوق الممكن اللّبنانيّ
على أنّ المذكّرة تقفز فوق الكثير ممّا هو ممكن في لبنان. إذ إنّها تفترض أنّ الجيش اللبنانيّ يمكن أن يمضي في المهمّة، وأنّه قادر على تحقيقها، وأنّ رئاسة الجمهوريّة والحكومة قادرتان على توفير البنية السياسيّة الأساسيّة لمثل هذا القرار الكبير، لا سيما أنّه يأتي في إطار تحوّلٍ جذريّ في النظرة إلى إسرائيل والتوجّه نحو عقد سلامٍ معها. ثمّة افتراضٌ ضمنيّ أنّ الدعم الأميركيّ يكفي لتذليل العقبات الداخليّة أمام المضيّ بمذكّرة التفاهم إلى التنفيذ، وهو افتراضٌ لا تدعمه سابقة اتّفاق 17 أيّار 1983 الذي أسقطته “انتفاضة” 6 شباط 1984.
ثمّة افتراضٌ آخر أنّ المذكّرة تحظى بإجماعٍ إقليميّ ودوليّ يسند تنفيذها، وهو إجماعٌ غير مؤكد. فسوريا الجديدة برئاسة أحمد الشرع تبدو متوجّسة من إسرائيل أكثر من توجّسها من “الحزب”، ومن خلفها قلقٌ تركيّ وعربيّ من تصدير المشكلة الإسرائيليّة إلى العرب.
إقرأ أيضاً: لبنان يستظلّ أميركا والسعودية لرفض الاحتلالَين
الموقف الإيرانيّ بين حدّين
يبقى موقف إيران الذي يراوح بين حدّين: أوّلهما أن تستخدم الأوراق التي راكمتها في الحرب الأخيرة، وفي مقدَّمها ورقة مضيق هرمز، حتّى النهاية في حماية “الحزب”، باعتباره أهمّ ذراعٍ استثمرت فيها على مدى نصف قرن، والآخر أن تُدرك أنّ مصير الاتّفاق مع الولايات المتّحدة معلّقٌ بحصول إسرائيل على ثمنٍ استراتيجيّ كبير يجنّب ترامب المواجهة مع اللوبي المؤيّد لها.
قد تبدو ثنائيّةُ “المضيّ معاً أو السقوط معاً” حدّيّةً، ففي المشهد احتمالاتٌ وسطى لا يصحّ تجاهلها، منها اتّفاقٌ إيرانيّ جزئيّ لا يحسم ملفّ “الحزب”، أو تسلسلٌ زمنيّ يتقدّم فيه أحد المسارين ويتعثّر الآخر. لكنّ المؤكّد أنّ إسقاط مذكّرة التفاهم اللبنانيّة بانقلابٍ سياسيّ أو أمنيّ سيجعل الاتّفاق الإيرانيّ عرضة للسقوط. وهنا يكمن التعقيد في الحسابات الإيرانيّة: تُدرك إيران أنّ الاتّفاق مع الولايات المتّحدة أصلٌ استراتيجيّ لا يسهل التفريط به، لكنّ التفريط بسلاح “الحزب” قد يكون أشدّ خطراً على الأمن القوميّ الإيرانيّ من التفريط بنصف طنٍّ من اليورانيوم المخصّب.
لمتابعة الكاتب على X:
