الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

مدة القراءة 7 د

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة المعتادة التي أكّدت دعم الاستقرار الإقليميّ وخفض التصعيد، بل في ما تعكسه هذه اللقاءات من تحوّل أعمق تشهده المنطقة بأسرها. فوسط الحروب المتلاحقة، والتفاوض الأميركيّ الإيرانيّ، والتوتّرات الممتدّة من غزّة إلى لبنان والخليج والبحر الأحمر، بدأت مجموعة من القوى الإقليميّة الرئيسة تبحث عن صيغ جديدة تتيح لها المشاركة في إدارة مستقبل المنطقة، بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف مع قرارات تُصنع في عواصم أخرى.

 

جاء اجتماع القاهرة الأخير تتويجاً لمسار تشاوريّ بدأ في الرياض ثمّ انتقل إلى إسلام آباد وأنطاليا، في وقت تشهد  المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسيّة منذ عقود. فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام إعادة تشكيل واسعة للتوازنات السياسيّة والأمنيّة، فيما تتراجع كثير من المسلّمات التي حكمت الإقليم منذ نهاية الحرب الباردة.

في هذا السياق تحديداً تكتسب الدعوة المصريّة إلى تحويل الآليّة التشاوريّة الرباعيّة إلى إطار مؤسّسيّ دائم دلالةً تتجاوز البعد الإجرائيّ أو التنظيميّ فتطرح سؤالاً أكبر يتعلّق بمستقبل النظام الإقليميّ نفسه.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود لعبت الولايات المتّحدة دور الضامن الرئيس للتوازنات الأمنيّة في الشرق الأوسط. لكنّ السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أنّ واشنطن باتت أقلّ استعداداً للانخراط المباشر في أزمات المنطقة، وأكثر ميلاً إلى توزيع الأعباء على الحلفاء والشركاء الإقليميّين. ولا يعني ذلك انسحاباً أميركيّاً كاملاً أو تخلّياً عن المصالح الاستراتيجيّة، بل انتقال تدريجيّ من نموذج الهيمنة المباشرة إلى نموذج إدارة التوازنات عن بُعد.

وسط هذه التحوّلات جميعها، بدأت البراغماتيّة تحلّ تدريجاً محلّ الاستقطابات الأيديولوجيّة الحادّة التي طبعت مرحلة ما بعد الربيع العربيّ

إعادة النّظر في الحسابات

دفع هذا التحوّل العديد من القوى الإقليميّة إلى إعادة النظر في حساباتها. تدرك الدول العربيّة الكبرى وتركيا وباكستان أنّ الاعتماد الكامل على المظلّات الأمنيّة الخارجيّة لم يعد كافياً لضمان الاستقرار في بيئة دوليّة متغيّرة وسريعة التحوّل. وتدرك أنّ الفراغ النسبيّ الذي يتركه تراجع الانخراط الأميركيّ المباشر يمكن أن يتحوّل إلى مصدر تهديد إذا لم تبادر القوى الإقليميّة نفسها إلى تطوير أدوات للتشاور والتنسيق وإدارة الأزمات.

في الوقت نفسه كشفت السنوات الأخيرة حدود القوّة العسكريّة بوصفها أداة وحيدة لإعادة تشكيل المنطقة، فلا تزال إسرائيل، على الرغم من امتلاكها تفوّقاً عسكريّاً وتكنولوجيّاً واضحاً، تواجه صعوبة في تحويل هذا التفوّق إلى نظام إقليميّ مستقرّ أو إلى قبول سياسيّ واسع داخل المنطقة. وأظهرت الحروب المتكرّرة أنّ امتلاك القوّة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض ترتيبات دائمة أو إنهاء الصراعات بصورة نهائيّة.

المسار الرباعيّ

أمّا إيران، التي بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من النفوذ والعلاقات الإقليميّة، فتبدو أيضاً أمام مرحلة إعادة تموضع استراتيجيّة، فالضغوط الاقتصاديّة والعقوبات والتحدّيات الداخليّة، إلى جانب المتغيّرات الإقليميّة الجديدة، دفعتها إلى تبنّي مقاربة أكثر مرونة تجاه بعض الملفّات، بما في ذلك الانخراط في مسارات تفاوضيّة تهدف إلى تخفيف التوتّر وإعادة ترتيب الأولويّات.

البراغماتيّة محلّ الاستقطابات الأيديولوجيّة

وسط هذه التحوّلات جميعها، بدأت البراغماتيّة تحلّ تدريجاً محلّ الاستقطابات الأيديولوجيّة الحادّة التي طبعت مرحلة ما بعد الربيع العربيّ. فالتقارب التركيّ مع كلّ من مصر والمملكة السعوديّة، والجهود المتزايدة لإدارة الخلافات الإقليميّة عبر الحوار، يعكسان إدراكاً متنامياً أنّ استمرار الصراعات المفتوحة يستنزف الجميع ويقوّض فرص التنمية والاستقرار.

من هنا تبرز أهمّيّة المسار الرباعيّ، فهو لا يقوم على أسس أيديولوجيّة أو عقائديّة، ولا يستند إلى رؤية موحّدة بالكامل تجاه جميع الملفّات، بل يعتمد على تقاطع المصالح بين دول تمتلك أوزاناً مختلفة، لكنّها تشترك في الحاجة إلى بيئة إقليميّة أكثر استقراراً.

يستحقّ المسار الرباعيّ الاستمرار والمتابعة، لأنّه قد يكون أحد المؤشّرات المبكرة إلى الطريقة التي ستُدار بها توازنات الشرق الأوسط

تزداد أهميّة هذا التقاطع ربطاً بطبيعة الدول المشاركة فيه. تمثّل مصر مركزاً جيوسياسيّاً عربيّاً أساسيّاً يربط بين المشرق والمغرب ويشرف على قناة السويس والبحر الأحمر. وتمتلك المملكة السعوديّة ثقلاً اقتصاديّاً وماليّاً وطاقويّاً يجعلها لاعباً محوريّاً في أيّ ترتيبات إقليميّة. أمّا تركيا فتملك قاعدة صناعيّة وعسكريّة متقدّمة وحضوراً مؤثّراً في ملفّات عديدة تمتدّ من شرق المتوسّط إلى القوقاز وآسيا الوسطى. فيما تمثّل باكستان عمقاً سكّانيّاً واستراتيجيّاً مهمّاً يربط الخليج بجنوب آسيا والعالم الإسلاميّ الأوسع.

إنّ اجتماع هذه العناصر في إطار واحد يمنح المسار الرباعيّ ثقلاً لا يمكن تجاهله، وإن ظلّ حتّى الآن في مرحلة التشاور والتنسيق السياسيّ.

ليس تحالفاً تقليديّاً جديداً

مع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار أنّ المنطقة تشهد ولادة تحالف جديد بالمعنى التقليديّ للكلمة. فالفوارق في أولويّات الدول الأربع لا تزال قائمة، ولكلّ منها علاقات وحسابات مختلفة تجاه الولايات المتّحدة وإيران وإسرائيل والقوى الدوليّة الأخرى.

لذلك يبدو أنّ الحديث عن حلف عسكريّ أو محور صلب لا يزال سابقاً لأوانه. الأقرب إلى الواقع هو أنّنا أمام محاولة لبناء منصّة إقليميّة مرنة لإدارة التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، منصّة تسمح بتبادل الرؤى وتنسيق المواقف واحتواء الأزمات قبل انفجارها، وتمنح القوى الإقليميّة مساحة أوسع للتأثير في القرارات التي تمسّ أمنها ومصالحها.

لا يقلّ البعد الاقتصاديّ أهميّة عن البعد الأمني في هذا المسار. تحتاج المملكة السعوديّة إلى بيئة مستقرّة لإنجاح مشاريعها التنمويّة الضخمة، وتحتاج مصر إلى حماية طرق التجارة الدوليّة وقناة السويس، وتحتاج تركيا إلى أسواق مستقرّة وممرّات آمنة لصادراتها، فيما تحتاج باكستان إلى استثمارات وشراكات تساعدها على تجاوز تحدّياتها الاقتصاديّة.

لذلك أصبح الاستقرار الإقليميّ شرطاً ضروريّاً لتحقيق الطموحات الاقتصاديّة لهذه الدول جميعاً. من هنا يمكن فهم المسار الرباعيّ بوصفه تعبيراً عن تحوّل أوسع تشهده المنطقة، حيث لم يعد الأمن هدفاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبح الاقتصاد نفسه أحد أهمّ دوافع الأمن والاستقرار.

يمكن فهم المسار الرباعيّ بوصفه تعبيراً عن تحوّل أوسع تشهده المنطقة، حيث لم يعد الأمن هدفاً منفصلاً عن الاقتصاد

إدارة شؤون المنطقة

في النهاية، قد يكون من المبكر الحديث عن نظام إقليميّ جديد مكتمل الأركان، وقد يكون من المبكر أيضاً الجزم أنّ الآليّة الرباعيّة ستتطوّر إلى تحالف سياسيّ أو أمنيّ دائم. لكنّ المؤكّد أنّ ما يجري اليوم يعكس اتّجاهاً متزايداً لدى القوى الإقليميّة الكبرى نحو تحمّل مسؤوليّة أكبر في إدارة شؤون المنطقة وصياغة مستقبلها.

إذا كان القرن الماضي قد شهد هيمنة منطق الأحلاف الصلبة والاستقطابات الحادّة، فإنّ ما يتشكّل اليوم يبدو أقرب إلى شبكات مرنة من التعاون والتنسيق تقوم على المصالح المشتركة أكثر ممّا تقوم على الانتماءات الأيديولوجيّة.

إقرأ أيضاً: رباعيّة العَلمين: ولادة محور استقرار جديد

لهذا السبب تحديداً يستحقّ المسار الرباعيّ الاستمرار والمتابعة، ليس لأنّه غيّر المنطقة بالفعل، بل لأنّه قد يكون أحد المؤشّرات المبكرة إلى الطريقة التي ستُدار بها توازنات الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

مواضيع ذات صلة

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…

إيران في المحور الأميركيّ؟

ما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران. إذ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع استراتيجيّة كبرى، عنوانها…

لبنان بين إيران وإسرائيل: الدّولة هي الضّحيّة

لم تكن إيران الجهة الإقليميّة الوحيدة التي انخرطت في حروب لبنان، بل سبقتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا وإسرائيل ودول أخرى. ولم يكن ممكناً لإيران أن…

الردع الباكستاني.. مظلةٌ للسعودية أم مظلةٌ لإيران؟

يتّضح خلال الأسبوع الأخير تقاربٌ لافتٌ وغير مريح في الخطاب الاستراتيجي الباكستاني-الأميركي، على حساب أمن ومصالح دول مجلس التعاون.   فبعد ستة أيام فقط من…