إسرائيل تخطف “أرض الصومال” في عتمة الحرب

مدة القراءة 6 د

في خضمّ الانشغال بإيجاد مخارج للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة وإيجاد حلّ لأزمة مضيق هرمز، مرّ حدثٌ استراتيجيّ بالغ الأهميّة من دون أن يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام العربيّ. فزيارة رئيس إقليم “أرض الصومال” الانفصاليّ عبدالرحمن محمّد عبدالله “عيرو” لإسرائيل لم تكن محطّة دبلوماسيّة بين دولة وإقليم يسعى إلى الاعتراف الدوليّ وحسب، بل كشفت عن تحوّل أعمق يجري على ضفاف البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ الإقليميّة والدوليّة في واحدة من أكثر المناطق حساسيّة في العالم.

 

الاعتراف الإسرائيليّ بـ”أرض الصومال” لا يمكن قراءته باعتباره دعماً لحقّ تقرير المصير أو تعبيراً عن تعاطف مع تجربة سياسيّة محليّة استمرّت أكثر من ثلاثة عقود. تتعلّق المسألة أوّلاً وأخيراً بالموقع الجغرافيّ. فالإقليم الذي يمتدّ على طول خليج عدن ويسيطر على شريط ساحليّ طويل مقابل اليمن، يقع عند البوّابة الجنوبيّة للبحر الأحمر، أي عند النقطة التي تمرّ عبرها التجارة العالميّة والطاقة المتّجهة نحو قناة السويس وأوروبا. وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقيّة للإقليم الانفصاليّ الصوماليّ بالنسبة إلى إسرائيل.

البحر الأحمر هاجس إسرائيل

منذ قيام الدولة العبريّة، شكّل البحر الأحمر هاجساً استراتيجيّاً دائماً لصنّاع القرار في تل أبيب. فإسرائيل التي تملك منفذاً محدوداً على البحر عبر إيلات، أدركت مبكراً أنّ أمنها الاقتصاديّ والعسكريّ مرتبط بحريّة الملاحة في هذا الممرّ الحيويّ. لذلك سعت تاريخيّاً إلى بناء شبكة نفوذ تمتدّ من شرق إفريقيا إلى القرن الإفريقيّ، مروراً بإثيوبيا وإريتريا، وصولاً إلى الممرّات البحريّة المؤدّية إلى باب المندب.

تبدو “أرض الصومال” رأس جبل الجليد. أمّا المعركة الحقيقيّة فتدور حول مستقبل البحر الأحمر، وتراوح بين نجاح مصر والمملكة السعوديّة في الحفاظ على التوازنات التقليديّة في هذا الفضاء الاستراتيجيّ

تعود هذه الاستراتيجية اليوم بقوّة أكبر. فالحرب مع الحوثيّين، المواجهة المفتوحة مع إيران، والتهديدات المتزايدة للملاحة البحريّة دفعت إسرائيل إلى البحث عن مواقع متقدّمة للرصد والإنذار المبكر والعمل الاستخباريّ. ومن هذه الزاوية تبدو “أرض الصومال” فرصة استراتيجيّة يصعب تجاهلها، لكنّ أهميّة التطوّر لا تكمن فقط في ما تكسبه إسرائيل، بل في ما قد تخسره القوى العربيّة الرئيسة المطلّة على البحر الأحمر.

تنظر مصر إلى البحر الأحمر باعتباره خطّ الدفاع الأوّل عن قناة السويس. ومنذ افتتاح القناة في القرن التاسع عشر، ارتبط الأمن القوميّ المصريّ عضويّاً بالممرّ الممتدّ من البحر المتوسّط حتّى باب المندب. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنظر القاهرة بقلق إلى أيّ ترتيبات سياسيّة أو عسكريّة جديدة عند المدخل الجنوبيّ لهذا الممرّ.

يأتي القلق المصريّ في توقيت شديد الحساسيّة. فالقاهرة تخوض منذ سنوات مواجهة سياسيّة واستراتيجيّة مع إثيوبيا حول سدّ النهضة، وتراقب بقلق تمدّد النفوذ الإقليميّ حولها، سواء في القرن الإفريقيّ أو السودان أو شرق المتوسّط. وفي هذا السياق، يثير ظهور محور يربط بين إسرائيل وإثيوبيا و”أرض الصومال” تساؤلات جدّيّة عن انعكاساته المستقبليّة على التوازنات الإقليميّة.

تبحث إثيوبيا عن منفذ بحريّ دائم بعد عقود من فقدان سواحلها عقب استقلال إريتريا. و”أرض الصومال” تعرض الموانئ والموقع الجغرافيّ. أمّا إسرائيل فتوفّر التكنولوجيا والخبرة الأمنيّة والعلاقات الدوليّة. وعندما تتقاطع مصالح هذه الأطراف، يصبح الحديث عن علاقات ثنائيّة تبسيطاً مفرطاً لواقع أكثر تعقيداً.

 نحن أمام فصل جديد من الصراع على البحر الأحمر نفسه، صراع لا يدور فقط حول الموانئ والقواعد العسكريّة، بل حول من يملك القدرة على التحكّم بأحد أهمّ شرايين الاقتصاد العالميّ

مشروع “نيوم” وأمن البحر الأحمر

أمّا المملكة السعوديّة فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة لا تقلّ أهميّة. تعتبر المملكة، التي أطلقت مشاريع ضخمة لتحويل البحر الأحمر إلى فضاء اقتصاديّ واستثماريّ عالميّ، استقرار هذا الممرّ جزءاً من أمنها الوطنيّ ومصالحها الاستراتيجيّة البعيدة المدى.

يرتبط مشروع “نيوم”، مشاريع السياحة الساحليّة، وخطط تحويل المملكة إلى مركز عالميّ للنقل والخدمات اللوجستيّة كلّها ارتباطاً مباشراً بأمن البحر الأحمر. وبالتالي أيّ تصعيد عسكريّ أو استخباريّ أو تنافس جيوسياسيّ حادّ في هذه المنطقة يهدّد البيئة التي تسعى الرياض إلى بنائها خلال العقود المقبلة.

من هنا يمكن فهم الموقف السعوديّ المتمسّك بوحدة الصومال ورفض أيّ خطوات أحاديّة من شأنها تكريس وقائع جيوسياسيّة جديدة في المنطقة. لا تنظر المملكة إلى القضيّة باعتبارها نزاعاً حدوديّاً أو خلافاً دبلوماسيّاً، بل باعتبارها جزءاً من معركة أوسع تتعلّق بمن يمتلك النفوذ على أحد أهمّ الممرّات البحريّة في العالم.

الأخطر أنّ التحرّك الإسرائيليّ يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى. فمن جهتهم يواصل الحوثيّون تقديم أنفسهم كقوّة مؤثّرة في معادلة البحر الأحمر. وتعزّز تركيا حضورها في الصومال والقرن الإفريقيّ. وتمتلك الإمارات نفوذاً متزايداً في الموانئ والبنى التحتيّة البحريّة. ورسّخت الصين وجودها العسكريّ في جيبوتي. بينما تحافظ الولايات المتّحدة على حضورها البحريّ والأمنيّ الواسع.

وسط هذا الازدحام الاستراتيجيّ، تسعى إسرائيل إلى تثبيت موطئ قدم جديد يمنحها قدرة أكبر على التأثير في المعادلات الأمنيّة للبحر الأحمر. وليس من المستبعد أن يتحوّل الحديث عن التعاون الاقتصاديّ والتكنولوجيّ مع “أرض الصومال” إلى ترتيبات أمنيّة واستخباريّة أوسع خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرّت المواجهة مع الحوثيّين وظلّ التوتّر مع إيران.

إقرأ أيضاً: هل تشتري إيران بقاء النظام بأموال الغرب؟

لذلك ما يجري اليوم يتجاوز حدود هرغيسا أو مقديشو. نحن أمام فصل جديد من الصراع على البحر الأحمر نفسه، صراع لا يدور فقط حول الموانئ والقواعد العسكريّة، بل حول من يملك القدرة على التحكّم بأحد أهمّ شرايين الاقتصاد العالميّ.

في هذا السياق، تبدو “أرض الصومال” رأس جبل الجليد. أمّا المعركة الحقيقيّة فتدور حول مستقبل البحر الأحمر، خاصة أن مصر والمملكة السعوديّة تعملان على الحفاظ على التوازنات التقليديّة في هذا الفضاء الاستراتيجيّ أو اتّجاه المنطقة نحو مرحلة جديدة تتقدّم فيها إسرائيل جنوباً، من إيلات إلى باب المندب، في واحدة من أكبر عمليّات إعادة التموضع الجيوسياسيّ في الشرق الأوسط منذ عقود.

مواضيع ذات صلة

“عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

انطلقت الحرب على إيران في 28 شباط من هذا العام. بعد 15 أسبوعاً، في 12 من حزيران الجاري، أُعلن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين طهران…

“الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

على الرغم من دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، لا يزال “الحزب” متمسّكاً بلغته القديمة. تغيّر كلّ شيء في “الحزب”. لم يبقَ شيء من…

هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على…

لبنان رهينة “الحرس” ونتنياهو: من يوقف الحرب؟

يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة…