في كلّ مرّة تقترب فيها طهران من طاولة التفاوض مع واشنطن، يظنّ العالم أنّ المعركة تدور بين خصمين خارجيَّين. لكنّ الحقيقة أنّ أخطر المعارك قد تكون تلك التي تدور داخل إيران نفسها، حيث تتصادم رؤيتان متناقضتان: الأولى ترى أنّ بقاء النظام يقتضي المرونة والتنازل، والثانية تعتبر أنّ أيّ تنازل هو بداية انهيار المشروع الذي قامت عليه الثورة الإسلاميّة.
ليست إيران اليوم أمام أزمة عسكريّة فقط، ولا أمام مواجهة دبلوماسيّة عابرة، بل أمام اختبار وجوديّ يحدّد شكل الدولة في السنوات المقبلة. فالعقوبات الطويلة، الاستنزاف الاقتصاديّ، والضغوط الإقليميّة خلقت واقعاً جديداً لم يعد بالإمكان تجاهله، حتّى داخل دوائر الحكم الأكثر تشدّداً.
داخل المؤسّسة السياسيّة، تبدو البراغماتيّة أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى. فهناك إدراك متزايد أنّ استمرار العزلة الاقتصاديّة يهدّد الاستقرار الاجتماعيّ، وأنّ المواطن الإيرانيّ لم يعد منشغلاً بالشعارات الكبرى بقدر انشغاله بالراتب والأسعار وفرص العمل ومستوى المعيشة. ومن هنا، يبرز تيّار يرى التفاهم مع الولايات المتحدة يمكن أن يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات وإعادة تنشيط الاقتصاد، حتّى لو تطلّب ذلك تقديم تنازلات مؤلمة.
لن يكون التفاهم مع واشنطن اتّفاقاً سياسيّاً، بل صفقة اقتصاديّة بامتياز، يكون فيها توقيت الإفراج عن الأموال وحجمها وآليّات استخدامها جزءاً أساسيّاً من معادلة التفاوض
خسارة أوراق النّفوذ؟
في المقابل، تنظر الأوساط العسكريّة والتيّارات العقائديّة إلى المسألة بمنظار مختلف. فهذه القوى تعتبر أنّ قوّة إيران لم تكن في اقتصادها، بل في قدرتها على فرض نفسها لاعباً إقليميّاً يصعب تجاوزه. ومن هذا المنطلق، أيّ تراجع في الملفّات الاستراتيجيّة، وعلى رأسها البرنامج النوويّ أو منظومة الردع، قد يعني خسارة أهمّ أوراق النفوذ التي بنتها طهران خلال عقود.
بين هذين الاتّجاهين، يقف الاقتصاديّون بلغة الأرقام لا بلغة الشعارات. فهم يرون أنّ استمرار الضغوط الماليّة يهدّد قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخليّة، وأنّ الإفراج عن الأموال الإيرانيّة المجمّدة في الخارج قد يمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط أنفاسه، ويخفّف من احتمالات الاحتقان الشعبي الذي قد يتحوّل إلى أزمة سياسيّة يصعب احتواؤها.
لهذا السبب، لن يكون التفاهم مع واشنطن اتّفاقاً سياسيّاً، بل صفقة اقتصاديّة بامتياز، يكون فيها توقيت الإفراج عن الأموال وحجمها وآليّات استخدامها جزءاً أساسيّاً من معادلة التفاوض، لأنّ السيولة بالنسبة إلى طهران لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على الاستقرار الداخليّ.
يعلّمنا التاريخ أنّ الأنظمة لا تسقط دائماً بفعل الجيوش، بل قد تتغيّر من داخلها عندما تفرض الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة واقعاً جديداً على صنّاع القرار
غير أنّ هذا المسار يحمل مخاطره أيضاً. فالتسوية تعني، في نظر المتشدّدين، تنازلاً عن المبادئ التي قامت عليها الجمهوريّة الإسلاميّة، وقد تفتح الباب أمام صراع داخليّ على هويّة النظام ومستقبله. وهنا تكمن المعضلة الحقيقيّة. فالتسوية التي قد تنقذ الاقتصاد قد تعمّق الانقسام السياسيّ، بينما قد يؤدّي التشدّد إلى حماية الخطاب الأيديولوجيّ على حساب الاستقرار المعيشيّ.
تنازلات محدودة أم تحوّل عميق؟
لم تعد الأزمة الإيرانيّة اليوم أزمة برنامج نوويّ فقط، بل أزمة تعريف للدولة نفسها. هل تستمرّ كدولة ثوريّة تقوم على منطق المواجهة الدائمة، أم تتحوّل تدريجاً إلى دولة تبحث عن الاندماج الاقتصاديّ وتقديم مصالح الداخل على حساب الصراع الخارجيّ؟
ربّما يكون السؤال الأكثر أهميّة هو: ماذا سيحدث إذا اقتنع جزء واسع من مؤسّسات الدولة بأنّ بقاء النظام يتطلّب تغييراً جذريّاً في فلسفته السياسيّة؟ عندها لن يكون التغيير تعديلاً في السياسات وحسب، بل قد يصبح إعادة صياغة كاملة لشكل الجمهوريّة الإسلاميّة ودورها الإقليميّ.
إقرأ أيضاً: أين لبنان في مفاوضات الستّين يوماً؟
يعلّمنا التاريخ أنّ الأنظمة لا تسقط دائماً بفعل الجيوش، بل قد تتغيّر من داخلها عندما تفرض الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة واقعاً جديداً على صنّاع القرار. وإذا وصلت إيران إلى قناعة بأنّ إنقاذ الاقتصاد أهمّ من الحفاظ على الصيغة التقليديّة للصراع مع الغرب، فإنّ المنطقة قد تكون أمام مرحلة مختلفة تماماً عما عرفته طوال العقود الأربعة الماضية.
لذلك ليس السؤال الحقيقيّ: هل كانت طهران ستوقّع اتّفاقاً دائماً بعد مذكّرة التفاهم مع واشنطن؟ بل هل كان ثمن هذا الاتّفاق سيقتصر على تنازلات سياسيّة محدودة، أم سيقود إلى تحوّل عميق يعيد تشكيل النظام الإيرانيّ نفسه ويطوي صفحة كاملة من تاريخ الجمهوريّة الإسلاميّة ليفتح صفحة جديدة لا تزال ملامحها غامضة حتّى الآن.
