ماذا سيحدث في لبنان خلال الستّين يوماً بين التفاهم الأميركيّ الإيرانيّ والاتّفاق النهائيّ؟
في الشرق الأوسط، لا تكمن أهميّة الاتّفاقات الكبرى في يوم توقيعها. تكمن أهميّتها في الأيّام التي تسبقها. في تلك المرحلة الرماديّة التي يدرك فيها الجميع أنّ شيئاً كبيراً يتغيّر، لا أحد يعرف بعد كيف سيبدو المشهد الجديد.
إذا صحّت التصريحات والتسريبات المتداولة عن تفاهم أوّليّ بين الولايات المتّحدة وإيران يفتح الباب أمام نحو ستّين يوماً من المفاوضات قبل الوصول إلى اتّفاق نهائيّ، فإنّ المنطقة كلّها ستدخل مرحلة إعادة حسابات سياسيّة وأمنيّة واستراتيجيّة.
ربّما لا يوجد بلد سيتأثّر بهذه المرحلة بقدر لبنان. ليس لبنان طرفاً في المفاوضات. لكنّه قد يكون أحد أهمّ المتأثّرين بنتائجها. وربّما المفارقة أنّ تأثير الاتّفاق المحتمل على لبنان قد يبدأ قبل أن يصبح اتّفاقاً فعليّاً. خلال هذه المرحلة الانتقاليّة، سيكون الهدف الأوّل لجميع الأطراف حماية المسار التفاوضيّ.
لن تكون إيران معنيّة بإشعال جبهة إقليميّة قد تمنح خصوم الاتّفاق في واشنطن أو تل أبيب فرصة لإفشاله. والولايات المتّحدة لن ترغب في مواجهة حرب جديدة تهدّد مساراً دبلوماسيّاً استثمرت فيه سياسيّاً. أمّا دول المنطقة فستراقب بحذر لمعرفة هل هي أمام تسوية حقيقيّة أم هدنة مؤقّتة بين خصمين تاريخيَّين، وهي السيناريو الأسوأ؟
“الحزب” في السّتّين يوماً
هنا يبدأ السؤال اللبنانيّ: ماذا سيفعل “الحزب” خلال هذه الفترة؟
منطقيّاً، يبدو أنّ “الحزب” سيكون أمام معادلة دقيقة: إيران التي تفاوض لا تريد حرباً. لكنّها أيضاً لا تريد التخلّي عن أوراق قوّتها قبل الحصول على المقابل. لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة الهدوء الحذر على الجبهة اللبنانيّة، أو ما يمكن وصفه بـ”الانتظار المسلّح”. لا حرب واسعة. لا تسويات نهائيّة. لا قرارات استراتيجيّة كبرى. بل تجميد للوقت بانتظار معرفة الاتّجاه الذي ستسلكه المفاوضات.
قد يعود الانقسام اللبنانيّ إلى الواجهة بصيغة مختلفة، فلا يكون بين مؤيّد للحرب ومعارض لها، بل بين رؤيتين مختلفتين للبنان المقبل
لكنّ اللاعب الأكثر أهميّة خلال هذه المرحلة قد لا يكون إيران ولا “الحزب”، بل إسرائيل. فالسؤال الإسرائيليّ أكثر تعقيداً ممّا يبدو. لا تنظر إسرائيل إلى الاتّفاق المحتمل من زاوية البرنامج النوويّ الإيرانيّ فقط، بل من زاوية اليوم التالي له. هل يؤدّي الاتّفاق إلى تقليص النفوذ الإيرانيّ في المنطقة أم إلى إعادة تأهيل إيران اقتصاديّاً وسياسيّاً؟ هل يؤدّي رفع العقوبات إلى انكفاء إيرانيّ أم إلى عودة أكثر قوّة؟ هل يشمل التفاهم بنود غير معلنة تتعلّق بالأذرع الإقليميّة لطهران، وفي مقدَّمها “الحزب”؟
ستحدّد هذه الأسئلة السلوك الإسرائيليّ خلال الستّين يوماً المقبلة. إذا اقتنعت إسرائيل بأنّ واشنطن تسير نحو اتّفاق يأخذ هواجسها الأمنيّة بعين الاعتبار، فقد تمنح المسار الدبلوماسيّ فرصة وتكتفي بإدارة الوضع القائم. أمّا إذا شعرت أنّ الاتّفاق يركّز على الملفّ النوويّ ويترك الملفّات الإقليميّة معلّقة، فقد تسعى إلى استخدام هذه الفترة للضغط وتحسين شروطها قبل الوصول إلى الاتّفاق النهائيّ.
من هنا يمكن فهم تمسّك إسرائيل بربط أيّ انسحاب كامل من جنوب لبنان بترتيبات أمنيّة طويلة الأمد. فبالنسبة إليها، لا يتعلّق الأمر بالحدود اللبنانيّة فقط، بل وبشكل الشرق الأوسط الذي قد يولد بعد التفاهم الأميركيّ الإيرانيّ.
لهذا السبب قد نشهد مفارقة لافتة خلال الأسابيع المقبلة. ستحاول إيران حماية المفاوضات. وسيحاول “الحزب” تجنّب أيّ تصعيد كبير. بينما قد تكون إسرائيل الطرف الأكثر حرصاً على إبقاء أوراق الضغط قائمة حتّى اللحظة الأخيرة ليس بالضرورة لإفشال الاتّفاق، بل للتأثير على شكله النهائيّ.
داخل لبنان فقد تكون التطوّرات السياسيّة أكثر أهميّة من التطوّرات العسكريّة. فالستّون يوماً المقبلة قد تتحوّل إلى سباق سياسيّ داخليّ
سباق داخليّ
أمّا داخل لبنان فقد تكون التطوّرات السياسيّة أكثر أهميّة من التطوّرات العسكريّة. فالستّون يوماً المقبلة قد تتحوّل إلى سباق سياسيّ داخليّ لمحاولة استباق نتائج الاتّفاق قبل صدوره. سيعتبر فريق أنّ المنطقة تدخل مرحلة جديدة وأنّ الوقت حان لتعزيز سلطة الدولة اللبنانيّة والانتقال تدريجاً من منطق المحاور إلى منطق الدولة. وسيعتبر فريق آخر أنّ الاتّفاق لم يولد بعد، وأنّ أيّ تغييرات جوهريّة قبل اتّضاح الصورة النهائيّة قد تكون مغامرة سياسيّة غير محسوبة.

قد يعود الانقسام اللبنانيّ إلى الواجهة بصيغة مختلفة، فلا يكون بين مؤيّد للحرب ومعارض لها، بل بين رؤيتين مختلفتين للبنان المقبل. ترى الرؤية الأولى أنّ المنطقة تتّجه نحو التسويات، وأنّ لبنان يجب أن يواكبها سريعاً. أمّا الرؤية الثانية فترى أنّ المنطقة ما تزال في مرحلة انتقاليّة خطِرة، وأنّ من الحكمة انتظار النتائج النهائيّة قبل اتّخاذ قرارات مصيريّة.
هنا يصبح الانسحاب الإسرائيليّ أو عدمه عاملاً حاسماً. إذا انسحبت إسرائيل من المواقع التي ما تزال تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانيّة خلال هذه الفترة، فإنّ النقاش الداخليّ سيتغيّر جذريّاً. سيتراجع الحديث عن الحرب، وسيرتفع الحديث عن الدولة، وعن مستقبل السلاح، وعن الإصلاح، وعن إعادة الإعمار، وعن شكل النظام السياسيّ في مرحلة ما بعد الحرب.
سيجد “الحزب” نفسه أمام أسئلة سياسيّة أكثر تعقيداً من الأسئلة العسكريّة: كيف سيعيد تعريف دوره؟ كيف سيتكيّف مع مرحلة إقليميّة مختلفة؟ ما هو موقعه داخل دولة تتعرّض لضغوط متزايدة من أجل استعادة كامل صلاحيّاتها السياديّة؟
ربّما لا يوجد بلد سيتأثّر بهذه المرحلة بقدر لبنان. ليس لبنان طرفاً في المفاوضات. لكنّه قد يكون أحد أهمّ المتأثّرين بنتائجها
إذا لم تنسحب إسرائيل
أمّا إذا لم تنسحب إسرائيل، أو حاولت ربط الانسحاب بشروط إضافيّة، فسيبقى الوضع معلّقاً. سيجد “الحزب” مبرّراً للاستمرار في القول إنّ أسباب الصراع لم تنتهِ بعد، وإنّ الحديث عن ترتيبات نهائيّة لا يزال سابقاً لأوانه.
اقتصاديّاً، قد تكون التأثيرات النفسيّة أسرع من التأثيرات الفعليّة: الأسواق تحبّ الاستقرار، والمستثمرون يحبّون التوقّعات الإيجابيّة، والمغتربون يتابعون. لكنّ أحداً لن يضخّ استثمارات كبيرة بناءً على تفاهم مؤقّت أو مفاوضات لم تنتهِ بعد. تنتظر الأموال اليقين، واليقين لم يصل بعد.
السيناريو الأكثر تفاؤلاً هو نجاح المفاوضات، استمرار الهدوء الأمنيّ، وانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ معقّد ما يفتح الباب أمام مرحلة سياسيّة جديدة في لبنان عنوانها الدولة والإصلاح وإعادة الإعمار.
أمّا السيناريو الأقلّ تفاؤلاً فهو تعثّر المفاوضات أو انهيارها، فتعود المنطقة إلى نقطة الصفر وتصبح فترة الستّين يوماً استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع.
شرق أوسط جديد
لكنّ هناك سيناريو ثالثاً قد يكون الأقرب إلى الواقع: أن تنجح المفاوضات بين واشنطن وطهران، وأن تبدأ المنطقة بالتوجّه نحو مرحلة أكثر هدوءاً، فيما يكتشف اللبنانيّون أنّ خلافاتهم الداخليّة لا تتعلّق كلّها بإيران أو الولايات المتّحدة أو إسرائيل، بل بأسئلة لبنانيّة مؤجّلة منذ عقود.
عندئذٍ ستتّجه الأنظار إلى بيروت، إلى الدولة، إلى المؤسّسات، إلى القضاء، إلى الاقتصاد، وإلى الطبقة السياسيّة التي اعتادت لسنوات طويلة تعليق أزماتها على شمّاعة الصراعات الإقليميّة.
ربّما لن يكون السؤال الحقيقيّ خلال الأسابيع المقبلة: هل تتوصّل واشنطن وطهران إلى اتّفاق؟ بل هل إسرائيل مستعدّة للتعايش مع نتائجه؟ وهل اللبنانيّون مستعدّون للتعايش مع مرحلة لم تعُد فيها الحروب الخارجيّة مبرّراً لتأجيل استحقاقاتهم الداخليّة؟
إقرأ أيضاً: الغلبة في الحرب: للسّلاح الذّكيّ أم للصّمود؟
قد لا تكون الستّون يوماً المقبلة مهلة تفاوض بين دولتين وحسب، بل قد تكون بداية العدّ العكسيّ لشرق أوسط جديد.
لمتابعة الكاتب على X:
