اتّفاق الإطار في سياقه المنطقيّ

مدة القراءة 6 د

نجحت تجربتان سلميّتان في الاستمرار عبر إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدات سلام، وهما المصرية والأردنيّة. وبينهما برزت تجربتان أخريان: اللبنانيّة القديمة التي ولدت ميتةً في حينها، والفلسطينيّة التي ازدهرت ثمّ ذوت.

 

أمّا التجربة السوريّة فكانت مختلفة. إذ منذ رفض حافظ الأسد التعاطي مع “وديعة رابين”، التي مثّلت أوضح تنازل إسرائيليّ عن الجولان، طُوي ملفّ التفاوض المباشر وغير المباشر، واختارت الدولة السوريّة أن تحشر نفسها في زاويةٍ ضيّقةٍ مضمونة الفشل، من خلال قيادة معسكر الرفض العربيّ المتواضع القدرات في مواجهة التسويات التي أُنجزت، والتي كانت  قيد الإعداد، وذلك انتظاراً لتحقيق نظريّة الأسد الأب، القائمة على بلوغ توازن قوىً استراتيجيٍّ مع إسرائيل، أي مع الولايات المتّحدة أيضاً!

سوريا في المتاهة

منذ غياب الأسد الأب عن المشهد، بعدما كان حضوره مدوّياً فيه، ولو من موقع المعارضة والإعاقة، دخلت سوريا بقيادة الوريث غير الكفوء في متاهةٍ كادت تعصف بوحدتها وسيادتها ونسيجها الاجتماعيّ، لولا التدخّل الروسيّ “المصيريّ”، وما رافقه من تدخّلات أخرى أقلّ حجماً لكن كانت فعّالةً في الحفاظ على بقاء النظام، من دون أن تبلغ حدّ توفير ضمانات حاسمة لاستمرار بشّار الأسد في قيادة البلاد، على الرغم من سيطرته المباشرة، مع حلفائه، على معظم الجغرافيا السوريّة.

خرج الأسد الابن من المشهد، بهروبٍ ما كان ليحدث لو كان الأب في سدّة الحكم، فكان ما كان في سوريا، ولم يكن لبنان غائباً أو بعيداً أو معزولاً عن كلّ حركةٍ وسكون شهدتهما جغرافيا الشقيقة الكبرى.

نجحت تجربتان سلميّتان في الاستمرار عبر إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدات سلام، وهما المصرية والأردنيّة

انتهت الأمور إلى اشتعالٍ أوسع من كلّ ما سبق على الساحة اللبنانيّة، وسط محاولات متكرّرة لإخماده عبر سلسلة من اتّفاقات وقف إطلاق النار، فوقعت البلاد في قبضتين محكمتين: إسرائيليّة وإيرانيّة، وتحوّل لبنان إلى رهينةٍ يتحكّم بها الوضع الداخليّ في إسرائيل وأجنداته، وتتحكّم بها إيران بوصفها جزءاً حيويّاً وأساسيّاً من أوراق مساوماتها مع الولايات المتّحدة في حالتَي الحرب والمفاوضات.

بجهدٍ أميركيّ بلغ حدّ الضغوط المكثّفة، كُسرت المحرّمات القديمة فدخلت حكومة لبنان الشرعيّة في مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل أسفرت حتّى الآن عن توقيع اتّفاق الإطار.

حمل الاتّفاق دلالاته، لا من خلال النصوص التي جرى التوقيع عليها، بل من خلال ما يمكن أن يُفضي إليه إذا تقدّمت المفاوضات فعلاً نحو حلٍّ سياسيٍّ ونهائيّ بين إسرائيل ولبنان، وهو ما يعني إخراج إيران من اللعبة، وحين تخرج إيران يخرج “الحزب” تلقائيّاً.

مفاوضات مباشرة رغم مضاعفاتها

حين اختارت الشرعيّة اللبنانيّة الذهاب إلى مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل، كانت تدرك أنّ لهذا الخيار مضاعفاتٍ تراوح بين صبّ الزيت على نار الانقسام الداخليّ، وبين احتمال اندلاع حربٍ أهليّةٍ تكون البلاد كلّها وأهلها الضحيّة الأكيدة لها. وإدراكاً منها لبديهيّة أنّ للمفاوضات الناجمة عن خيارها ثمناً لا بدّ من دفعه، فقد أبطأت من وتيرة العلاقات المستجدّة مع إسرائيل، وأبقتها تحت سقف مفاوضات واشنطن دون الذهاب بعيداً إلى الحدّ الذي كادت أن تبلغه عبر لقاء قمّة بين الرئيس اللبنانيّ جوزف عون وبين رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

حمل الاتّفاق دلالاته، لا من خلال النصوص التي جرى التوقيع عليها، بل من خلال ما يمكن أن يُفضي إليه

أخيراً، جرى التوقيع على الأوراق التي تحمل عنوان “اتّفاق الإطار”، وبفعل التخوّف الإيرانيّ من أن يكون ما تمّ التوقيع عليه مقدّمةً لسحب الورقة الأثمن من رصيدها التفاوضيّ، فقد بالغت في وصف ما تمّ بالخيانة كما لو أنّه اتّفاق تسويةٍ نهائيّةٍ مع لبنان. وفي مسألة الأوصاف حدّث ولا حرج، فالخيانة هي التهمة الأكثر تداولاً في توصيف أيّ خطوة لا تحظى برضى الطرف المعارض. ولو راجعنا ما قيل في كلّ أمرٍ مختلَفٍ عليه، لكانت الخيانة هي الهويّة السياسيّة للشرق الأوسط، ولن يكون لبنان استثناءً عن هذه القاعدة، على الرغم من المؤشّرات الموضوعيّة الكثيرة، التي تفيد بأنّ ما جرى ليس سوى خطوةٍ على طريق الألف ميل. هكذا بدأت الأمور مع مصر والأردن وفلسطين، وقد تكون كذلك مع سوريا إذا ما توصّلت يوماً إلى اتّفاقٍ أمنيٍّ أو سياسيٍّ مع إسرائيل.

من أين تأتي المخاوف؟

إنّ تجربة الحروب والهدن، والمعاهدات مع إسرائيل، تظهر أنّ الولايات المتّحدة كانت في جميع التجارب هي الفاعل والمقرّر، وكان الأردن الحلقة التالية بصورةٍ طبيعيّةٍ، بعدما سبقته مصر ثمّ المحاولة الفلسطينيّة في أوسلو. ومصر كانت الاختبار العمليّ والموضوعيّ لقدرة الولايات المتّحدة وجدارتها في إنجاز التسويات.

ليست الولايات المتّحدة الدولة الأقوى في العالم، عسكريّاً واقتصاديّاً وتكنولوجيّاً، وحسب، بل تمتلك سلاحاً يفوق ذلك كلّه تأثيراً، وهو الهيبة، التي مكّنت الرئيس الأميركيّ جيمي كارتر من حمل مناحيم بيغن أحد أكثر قادة إسرائيل تشدّداً على توقيع الاتّفاق. ولم يكن ذلك نتيجة تهديد بوقف المساعدات أو التسليح أو حتّى المظلّة الأمنيّة، بل بفعل الهيبة الأميركيّة التي كانت آنذاك أكثر تأثيراً من كلّ أدوات الضغط الأخرى.

جرى التوقيع على الأوراق التي تحمل عنوان “اتّفاق الإطار”، وبفعل التخوّف الإيرانيّ من أن يكون ما تمّ التوقيع عليه مقدّمةً لسحب الورقة الأثمن

تراجع الهيبة الأميركيّة

بعد عقودٍ مرّت على نجاح كارتر في إنجاز معاهدة السلام المصريّة ـ الإسرائيليّة، لم تتراجع عناصر القوّة الأميركيّة التقليديّة العسكريّة والاقتصاديّة والتكنولوجيّة، بقدر ما تراجعت الهيبة، وهي العنصر الأقوى بينها جميعاً. وكان بنيامين نتنياهو أوّل من اكتشف هذا الخلل في منظومة القوّة الأميركيّة وتعامل معه، فنجح في دفع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نحو الحرب، ونجح في إضعاف صيغة اتّفاق الإطار بقدر ما أدّى تراجع الهيبة الأميركيّة إلى الحدّ من قدرة ترامب على فرض خياراته في سوريا وغزّة، وحتّى في أوكرانيا.

إقرأ أيضاً: ما بعد.. بعد اتفاق الإطار

إنّ التقويم الرسميّ اللبنانيّ لِما جرى ينطوي على قدرٍ من الصدقيّة الواقعيّة في تقدير موازين القوى والإمكانات، فيما ينطلق التقويم المقابل من خشية خسارة ورقة المساومة الأكثر قيمة. وإذا كان ثمّة من يستحقّ اللوم في نهاية المطاف فليس سوى الولايات المتّحدة.

مواضيع ذات صلة

عودة الشّام إلى طرابلس

تملك دمشق ذكريات عزيزة وعريقة في كلّ أجزاء ما صار الغربيّون يطلقون عليه اسم الشرق الأوسط. لكنّها في العقود الأخيرة صغُرت وتوتّرت وافتقرت وتغرّب شعبها…

معركة الزّيديّ”: الفساد أوّلاً أم منظومة النّفوذ الإيراني؟

دخلت “صولة الفجر” التي أطلقها رئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي لقطع رؤوس الفساد ومكافحة الهدر واختلاس المال العامّ في منعطف دقيق قد يهدّد مصيرها واستمراريّتها….

طهران تتحدّى العرب في هرمز وتعطّل الانسحاب في لبنان

هل تنجح مراهنة لبنان على توسيع “تجارب” المناطق “النموذجيّة”، القاضية بانسحاب إسرائيل وحلول الجيش مكانها وخلوّها من “الحزب”؟ يسعى الجانب اللبنانيّ إلى كسب التأييد الأميركيّ…

ما بعد.. بعد اتفاق الإطار

لم يعد النقاش الدائر حول اتفاق الإطار محصوراً بين مؤيد يرى فيه فرصة تاريخية، ومعارض يعتبره تنازلاً سياسياً أو مساساً بالثوابت الوطنية. فهذا السجال، على…