الشّرعيّات أساس نجاح التّسويات

مدة القراءة 5 د

لو لم يكن في مصر شرعيّةٌ مستقرّة لما تمكّن الرئيس الراحل أنور السادات من الإقلاع بطائرته من مطار القاهرة لتهبط به في مطار بن غوريون في تل أبيب، مع أنّ الحرب بين بلاده وإسرائيل لم تكن انتهت باتّفاقٍ أو معاهدة.

 

كانت الزيارة، على الرغم من الإعداد السرّيّ لها، مفاجِئةً للعالم، ومن ضمنه المصريّون والعرب، وكانت تبدو قفزة إلى المجهول أو مناورة انتحاريّة. وحسب خطاب مناحيم بيغن الذي ردّ فيه على خطاب السادات أمام الكنيست، لم تظهر فيه إشارةٌ إلى الثمن الذي يجب أن تدفعه إسرائيل لقاء “الزيارة التاريخيّة”، فقد تعاملت معها كما لو أنّها مبادرة حسن نيّة أو مناورة علاقاتٍ عامّة وحسب، لا تأثير لها على شروط السلام التي ألزمت إسرائيل نفسها بها، والتي كانت بجملتها وتفاصيلها تعني الاستسلام.

عاد السادات إلى بلاده، وكان شعب مصر الذي قدّم أعظم التضحيات في الحروب مع إسرائيل وفقد أراضي تزيد مساحتها على ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل، واقعاً تحت صدمة المفاجأة، وكان جيش مصر، الذي له ما له من رصيدٍ شعبيٍّ تاريخيّ، لم يُعَدّ لتفهُّم خطوة قائده الأعلى، فتوقّع كثيرون تمرّداً عسكريّاً ربّما يصل حدّ الانقلاب، غير أنّ هذا لم يحدث.

شرعيّة متينة في مصر والأردن؟

أمّا الوضع العربيّ العامّ، رسميّاً وشعبيّاً، فقد أجمع على رفض الزيارة وإدانتها، وعُقدت قمّة من أجل ذلك قرّرت شراء تراجع الرئيس السادات عنها بتخصيص دعمٍ عاجلٍ لمصر يبلغ مليارات الدولارات حملها رئيس وزراء لبنان آنذاك الدكتور سليم الحص.

لم يتشكّك المصريّون في شرعيّة نظامهم السياسيّ، وحتّى مرسي لم يتشكّك فيها على الرغم من معارضة نصف الناخبين لرئاسته

رفض السادات قرارات القمّة، وأعاد المال الذي عُرض عليه، وكان أن عُزلت مصر عربيّاً وتمّ نقل الجامعة العربيّة من مكانها التاريخيّ في القاهرة إلى تونس.

حمت شرعيّة النظام ورئيسه في مصر مجازفة السادات في ذهابه وإيابه، وحتّى حين قضى إثر اغتيالٍ وهو يستعرض قوّاته المسلّحة حافظ النظام على شرعيّته وتماسكه على الرغم من اتّساع المعارضة المحلّيّة لسياساته.

ظلّ النظام قائماً، وكلّ الذي جرى بعد اغتيال السادات هو ملء شغور الرئاسة بنائبه حسني مبارك.

جرت في مصر أحداثٌ داخليّةٌ عاصفة انتعش فيها إرهاب الإسلام السياسيّ، ووقعت الثورة الشعبيّة الكبرى التي أطاحت بالرئيس مبارك وأتت بالإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم، وعلى الرغم من قلّة كفاءة خليفة مبارك محمّد مرسي، حكم مصر سنة واحدة إلى أن أطاحته احتجاجاتٌ شعبيّةٌ واسعة أتت بالجنرال السيسي إلى سدّة الحكم.

في كلّ الحالات لم يتشكّك المصريّون في شرعيّة نظامهم السياسيّ، وحتّى مرسي لم يتشكّك فيها على الرغم من معارضة نصف الناخبين لرئاسته.

استقرّ النظام مع شرعيّته ورئيسه الجديد ليحمي “التسوية التاريخيّة” التي صمدت على الرغم ممّا أحاط بها من عواصف مصريّةٍ وإقليميّةٍ عاتية، وحين تكون الشرعيّة الدستوريّة متينة، فإنّ ما تُبرمه من اتّفاقات يكون بمنأىً عن إلغائها والانقلاب عليها.

السادات

بالمقياس نفسه جرى ما جرى في الأردن، حيث بادرت الشرعيّة الدستوريّة إلى إبرام معاهدة سلامٍ مع إسرائيل كان التأييد الشعبيّ لها متواضعاً إلى أبعد الحدود، وكانت المعارضة حتّى البرلمانيّة منها أقوى وأوسع، إلّا أنّ المعاهدة مع إسرائيل صمدت، وظلّت قائمةً بما يشبه الحالة المصريّة، أي أنّ الرياح الداخليّة والخارجيّة لم تُفلح في إلغائها ولا في التراجع المؤقّت عنها.

رفض السادات قرارات القمّة، وأعاد المال الذي عُرض عليه، وكان أن عُزلت مصر عربيّاً وتمّ نقل الجامعة العربيّة من مكانها التاريخيّ في القاهرة إلى تونس

الانضواء تحت سقف الشّرعيّة

الآن.. وبعد عقودٍ من استقرار معاهدتَي مصر والأردن، توجد الحالتان المتزامنتان الفلسطينيّة واللبنانيّة اللتان ما تزالان بعيدتين عن حلولٍ نهائيّةٍ لهما، وفي كلتا الحالتين توجد شرعيّتان متعارضتان، شرعيّة المقاومة كأمرٍ واقع، وشرعيّة النظام السياسيّ الرسميّ. ومع اختلافات المكان وأسباب الصراع والموقف الإسرائيلي بشأن الحلول معهما تمكّنت إسرائيل من استغلال نزاع الشرعيّات فيهما لتمرير سياساتها الأمنيّة المعلنة في لبنان، والاستراتيجية الوجوديّة في فلسطين، ومن تدمير ما أنتجته تسوية أوسلو في فلسطين، وإعاقة بلوغ تسويةٍ في لبنان.

انتهت الحرب العسكريّة بين أميركا وإيران بفعل حاجة كلٍّ منهما إلى استبدال الحرب المكلفة بمفاوضاتٍ تظلّ خسائرها أقلّ مهما طال أمدها.

مع لبنان، حيث الساحة المؤاتية لإسرائيل كي تعوّض بها إبعادها عن الملفّ الإيرانيّ، تظلّ مسألة نزاع الشرعيّات فيه عائقاً يحول دون بلوغ تسويةٍ، وذلك لغياب من يوقّع عليها ويحميها ويلتزم بنودها.

إقرأ أيضاً: إسرائيل… شعورٌ جماعيٌ بهزيمة

أمّا في فلسطين، حيث الوضع أكثر خطورةً وتعقيداً منه في لبنان، فما يزال نزاع الشرعيّة فيها قائماً ومدمّراً، وليست إسرائيل فقط من يستغلّه ويستثمر فيه، بل إنّ كلّ من لا يؤدّي التزاماتٍ سياسيّةً وأخلاقيّةً تجاه ما تفعل إسرائيل يتغطّى بنزاع الشرعيّة، وكثيراً وربّما دائماً ما يُقال: مع من يجري التفاوض؟

مخرج “الحزب” في لبنان هو مخرج “حماس” في فلسطين، أي الانضواء تحت الشرعيّة الوطنيّة الواحدة في بلدَيهما بصورةٍ فوريّةٍ ودون شروط.

مواضيع ذات صلة

لبنان: ترامب يسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو

تفرض مذكّرة التفاهم واقعها على لبنان. بات مصير البلد ركناً من تفاهمات واشنطن وطهران، وبات على أطراف الصراع أخذ ذلك بالاعتبار. قد يشعل الأمر في…

بيننا وبينكم خيط رفيع أسمه الدولة

ثمة مشكلة مزمنة في السلوك السياسي للحزب، تكمن في أنه لا يتعلم من تجاربه، ولا يبدو مستعداً لاستخلاص العبر من التحولات التي تعصف بالمنطقة ولبنان…

لبنان ومفاتيح الشرق الأوسط الجديد

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بحجم التغييرات التي تفرضها على الخرائط السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. ومن…

إقحام ترامب دمشق: أفكار “تجريبيّة” عن لبنان

ما تناولته مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة بشأن وقف النار في لبنان، حوّله إلى ميدان التحدّي الأوّل لإنجاح أو فشل ما يليها من تفاوض. الستّون يوماً…