الارتباك هو سيّد الموقف. لا أحد من القوى الكبرى أو الصغرى يستطيع أن يعرف يقيناً طبيعة المسار المقبل على لبنان. الملفّ الداخليّ شائك والملفّ الاقليميّ شائك ومتشعّب ومفتوح على أكثر من احتمال. إنّما ما هو ثابت حتّى اليوم هو الإجماع العامّ على أن لا ضوء أخضر لبقاء سلاح “الحزب” في لبنان حتّى لو كلّف ذلك تمديداً مستمرّاً للحرب واستنزافاً طويلاً للبلد.
لم يعد السؤال في الأوساط الدبلوماسيّة ما إذا كان وقف إطلاق النار في لبنان سيصمد، بل إلى متى سيصمد؟ بعد عامين من جولتين عسكريّتين كبيرتين حملتا العنوان نفسه، أي إنهاء تهديد سلاح “الحزب” وإبعاد خطره عن الحدود الشماليّة لإسرائيل، تعود المخاوف اليوم من أن يكون لبنان أمام جولة ثالثة ربّما تكون الأكثر خطورة.
بحسب مصادر دبلوماسيّة مواكبة للاتّصالات الدوليّة، ترتفع احتمالات التصعيد العسكريّ بصورة ملحوظة مع اقتراب فصل الخريف، في ظلّ قناعة متزايدة لدى عدد من العواصم المعنيّة بأنّ الدولة اللبنانيّة لم تنجح في تنفيذ التزاماتها المتعلّقة بحصر السلاح، فيما يدخل رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو مرحلة سياسيّة وانتخابيّة حسّاسة لطالما شكّلت الاعتبارات الأمنيّة خلالها جزءاً أساسيّاً من خطابه الداخليّ.
تقول المصادر لـ”أساس” إنّ القراءة الإسرائيليّة الحاليّة تنطلق من أنّ عامل الوقت لا يعمل لمصلحة تل أبيب، وأنّ بقاء الواقع اللبنانيّ على حاله يعني عمليّاً تكريس معادلة ترى إسرائيل أنّها لم تعد مستعدّة للتعايش معها، خصوصاً بعدما اعتبرت أنّ الجولتين السابقتين لم تحقّقا الهدف الاستراتيجيّ المتمثّل بإنهاء ملفّ السلاح بصورة نهائيّة.
توقّفت الحرب نسبيّاً، لكنّها لم تنتهِ فعليّاً. لم تتوقّف الغارات الإسرائيليّة بالكامل، ولا يزال الاحتلال قائماً في عدد من النقاط الجنوبيّة
من حرب الإسناد إلى اتّفاق الدّولة
لفهم ما يجري اليوم، لا بدّ من العودة إلى المسار الذي بدأ مع حرب عام 2024. يومئذٍ لم تنطلق العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة بصورة مفاجئة، بل سبقتها سلسلة رسائل وتحذيرات سياسيّة وأمنيّة نُقلت إلى المسؤولين اللبنانيّين عبر أكثر من قناة دوليّة. كان المطلب واضحاً: وقف حرب الإسناد المرتبطة بغزّة، وإنهاء الوجود العسكريّ لـ”الحزب” جنوب الليطاني، والانتقال إلى تنفيذ القرار 1701 بصورة كاملة.
انتهت تلك الجولة باتّفاق لوقف إطلاق النار ربط بصورة مباشرة بين تثبيت الهدوء وبين انتقال الدولة اللبنانيّة إلى مرحلة جديدة تتولّى فيها مسؤوليّة الأمن والسلاح، وهو المسار الذي تكرّس لاحقاً مع انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهوريّة وتشكيل سلطة رفعت شعار استعادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوّة.
لكنّ مرور عام كامل كشف حجم الفجوة بين التعهّدات والقدرة على التنفيذ. فالانقسامات الداخليّة، التوازنات السياسيّة، وتعقيدات المشهد الإقليميّ، جعلت ملفّ السلاح يتقدّم ببطء شديد، فيما كانت إسرائيل تعلن بصورة متكرّرة أنّها لن تعتبر اتّفاق وقف إطلاق النار ناجحاً ما دام الواقع الميدانيّ لم يتغيّر جذريّاً.
مع تعثّر هذا المسار، جاءت الجولة العسكريّة الثانية عام 2026، وكانت أكثر تدميراً واتّساعاً من سابقتها. لم تغيّر إسرائيل عنوان الحرب، بل أعادت استخدام المبرّرات نفسها، معتبرة أنّ لبنان لم ينفّذ التزاماته، وأنّ الوقت حان لفرض الوقائع بالقوّة العسكريّة بعدما عجز المسار السياسيّ عن تحقيقها.

تبدو الصورة اليوم وكأنّها تعيد إنتاج نفسها. توقّفت الحرب نسبيّاً، لكنّها لم تنتهِ فعليّاً. لم تتوقّف الغارات الإسرائيليّة بالكامل، ولا يزال الاحتلال قائماً في عدد من النقاط الجنوبيّة، فيما تواصل إسرائيل سياسة الاستنزاف الميدانيّ، بما يجعل وقف النار أقرب إلى هدنة هشّة منه إلى نهاية للصراع.
هنا يتردّد التساؤل داخل أكثر من بعثة دبلوماسيّة: إذا كان الفشل في تنفيذ الاتّفاق قد أدّى إلى الجولة الثانية، فما الذي سيمنع تكرار السيناريو نفسه للمرّة الثالثة؟
تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّ عدداً من العواصم الغربيّة يضع احتمال التصعيد العسكريّ خلال الخريف ضمن السيناريوات الأكثر تداولاً
الخريف… بين الحرب والفوضى الدّاخليّة
تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّ عدداً من العواصم الغربيّة يضع احتمال التصعيد العسكريّ خلال الخريف ضمن السيناريوات الأكثر تداولاً لأنّ العناصر التي سبقت الحربين السابقتين تكاد تتكرّر بصورة لافتة وليس لأنّ قرار الحرب اتُّخذ.
لا تخفي إسرائيل أنّها تعتبر أنّها تترقّب تنفيذ اتّفاق الإطار بالشكل المطلوب، مؤكّدة أنّها لن تنسحب بانتظار اكتمال التنفيذ، فيما يرى المجتمع الدوليّ أنّ قدرة الدولة اللبنانيّة على فرض احتكار السلاح لا تزال محدودة. وفي المقابل، لا تبدو البيئة السياسيّة الداخليّة مهيّأة لإنتاج تسوية تسمح بحلّ هذا الملفّ سريعاً، بينما يؤكّد “الحزب” في مواقفه المعلنة رفض أيّ مقاربة تقوم على فرض شروط عليه بالقوّة.
ليس هذا السيناريو الأخطر، بل أخطر ما تتحدّث عنه الكواليس الدبلوماسيّة لا يقتصر على احتمال اندلاع مواجهة عسكريّة جديدة، بل يتعلّق بطبيعة السيناريو الذي قد يسبقها أو يرافقها.
يجري في الأروقة الدبلوماسيّة كلام عن اتّجاه إسرائيليّ لإبقاء الاحتلال في الجنوب، مع استمرار الضربات العسكريّة الموضعيّة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدوليّة على الدولة اللبنانيّة لدفعها إلى تنفيذ البنود الأمنيّة لاتّفاق الإطار بوتيرة أسرع.
المهمّة الأميركيّة
في هذا السياق، تتّجه الأنظار إلى المرحلة التي يبدأ فيها الجنرال الأميركيّ جوزف كليرفيلد مهمّته، على رأس فريق من الضبّاط الأميركيّين المكلّفين الإشراف على آليّات التنفيذ والتنسيق الأمنيّ. وتؤكّد مصادر مطّلعة أنّ واشنطن تريد دوراً أكثر مباشرة في متابعة تنفيذ الالتزامات، بعدما أظهرت الأشهر الماضية محدوديّة النتائج التي تحقّقت عبر الآليّات السابقة.
لا تعطي الوقائع الميدانيّة ولا القراءة الدبلوماسيّة جواباً مطمئناً حتّى الآن. بل على العكس، تشير معظم المؤشّرات إلى أنّ نافذة الوقت تضيق
يفتح هذا المسار بدوره باباً لمخاوف داخليّة واسعة. إذ ترى بعض التقديرات أنّ أخطر ما قد تواجهه البلاد ليس الحرب وحدها، بل التزامن بين استمرار العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة وبين انزلاق الداخل إلى موجة اضطرابات وفوضى سياسيّة وأمنيةّ، بما يحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لضغط مزدوج: ضغط إسرائيليّ من الجنوب، وضغط داخليّ يرهق مؤسّسات الدولة ويضعف قدرتها على إدارة الأزمة.
لهذا لا تبدو معركة الأشهر المقبلة عسكريّة فقط، بل سياسيّة أيضاً. فهي معركة تتعلّق بقدرة الدولة على إثبات أنّها قادرة على تنفيذ ما تعهّدت به، وبقدرة القوى اللبنانيّة على إنتاج مقاربة داخليّة تمنع تحويل كلّ استحقاق أمنيّ إلى مواجهة أهليّة جديدة.
إذا كان عام 2024 قد حمل حرباً تحت عنوان السلاح، وأعاد عام 2025 إنتاج الحرب تحت العنوان نفسه، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل تتجدّد الحرب في أيلول؟ بل هل نجح لبنان، خلال عامين من الدم والدمار، في إزالة الأسباب التي كانت تُستخدم لتبريرها؟
إقرأ أيضاً: لبنان وسوريا: من الوصاية إلى “الشّراكة” السياسية
لا تعطي الوقائع الميدانيّة ولا القراءة الدبلوماسيّة جواباً مطمئناً حتّى الآن. بل على العكس، تشير معظم المؤشّرات إلى أنّ نافذة الوقت تضيق، وأنّ الخريف قد يكون بداية اختبار جديد للدولة اللبنانيّة، وللقدرة على منع انتقال البلاد من هدنة معلّقة إلى حرب ثالثة قد تكون أشدّ قسوة من كلّ ما سبق.
لمتابعة الكاتب على X:
