تعود واشنطن إلى المشرق من بوّابة لا تشبه بوّاباتها القديمة: لا دبّابات ولا قواعد إضافيّة، بل شركات طاقة، أنابيب نفط، وممرّات تصدير. وفي قلب هذه العودة، لا تقف سوريا كملفّ أمنيّ فقط، بل كعقدة جغرافيّة واقتصاديّة يمكن أن تعيد وصل العراق بالبحر المتوسّط، وتفتح أمام واشنطن هامش نفوذ جديداً في منطقة تزاحمت فيها إيران وتركيا وروسيا.
من هنا، لا تبدو زيارة رئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي لواشنطن، منتصف تمّوز المقبل، عاديّة في توقيتها ولا في مضمونها. فبحسب معلومات “أساس”، يُفترض أن يكون وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني في العاصمة الأميركيّة في منتصف تمّوز، وذلك في الفترة نفسها التي أعلن فيها البيان الأميركيّ ـ العراقيّ أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يتطلّع إلى استقبال الزيدي في البيت الأبيض.
لا ينفصل هذا التزامن عن حركة أميركيّة أوسع تتبلور بين بغداد ودمشق، وعنوانها الطاقة والبنى التحتيّة وخطوط التصدير، والنفوذ الاقتصاديّ الطويل الأمد، فواشنطن لم تعد تنظر إلى العراق وسوريا من زاوية الأمن فقط، بل من زاوية المصالح الاقتصاديّة القادرة على إعادة رسم التوازنات في المشرق.
تعود واشنطن إلى المشرق من بوّابة لا تشبه بوّاباتها القديمة: لا دبّابات ولا قواعد إضافيّة، بل شركات طاقة، أنابيب نفط، وممرّات تصدير
من الأمن إلى الاقتصاد
خلال السنوات الماضية، بقي العراق وسوريا في الخطاب الأميركيّ ضمن ملفّات الأمن والإرهاب والميليشيات والعقوبات. لكنّ التطوّرات الأخيرة تشير إلى تحوّل في المقاربة، فالبيان المشترك الصادر عن الزيدي والمبعوث الرئاسيّ الأميركي توم بارّاك في السادس عشر من حزيران الماضي لم يقتصر على الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة العراقيّة، بل تضمّن إشارات واضحة إلى مشاريع وشركات أميركيّة في قطاع الطاقة.
ليست الأسماء التي وردت في البيان عابرة، وهي: Chevron، HKN، Hunt، Western Zagros، Excelerate Energy، إضافة إلى TI Capital المرتبطة بمذكّرة تفاهم لإعادة تأهيل خطّ كركوك ـ بانياس. هنا يصبح الربط بين الأمن والاقتصاد مباشراً: تريد واشنطن دولة عراقيّة مستقرّة وسلاحاً مضبوطاً، وبيئة تسمح بعودة شركاتها إلى مشاريع الطاقة الكبرى، وخطّ كركوك ـ بانياس قد يكون الاختبار العمليّ لهذه المقاربة.
في قلب هذه الحركة لا يبرز توم بارّاك كمبعوث سياسيّ تقليديّ فحسب، بل كواجهة لمسار أميركيّ يمزج الدبلوماسيّة بالاستثمار. فالرجل القادم من خلفيّة ماليّة، والحاضر في ملفّات سوريا والعراق وتركيا، يبدو أقرب إلى مهندس ربط بين السياسة والطاقة: ضبط السلاح، تشجيع الاستثمار، وربط العراق بسوريا ضمن شبكة طاقة تقلّص هامش النفوذ الإيرانيّ.
سوريا تعود إلى الخريطة
الأهمّ في هذا المشهد السياسيّ هو سوريا. فبعد سنوات من التعامل الأميركيّ معها كملفّ حرب وعقوبات وحدود، بدأت دمشق تعود تدريجاً إلى خرائط الطاقة. خلال الفترة الماضية، برز اسم HKN Energy كأوّل شركة أميركيّة تتحرّك عمليّاً على خطّ قطاع النفط السوريّ عبر مشروع في حقول رميلان في الحسكة. ويظهر اهتمام شركات أخرى مثل Hunt Oil، إلى جانب شركات تعمل في الغاز والبنى التحتيّة.
هذا لا يعني أنّ قطاع الطاقة السوريّ تعافى، ولا أنّ العقبات السياسيّة والقانونيّة انتهت. لكنّه يعني أنّ سوريا لم تعد تُذكر فقط كمساحة أزمة، بل كمساحة استثمار محتملة وموقع استراتيجيّ يمكن أن يعيد ربط العراق بالبحر المتوسّط. وللمرّة الأولى منذ سنوات، تظهر شركات أميركيّة، مشاريع نفط، خطوط أنابيب، وممرّات طاقة تربط العراق وسوريا ضمن رؤية اقتصاديّة واحدة.
هنا تبرز أهميّة وجود الشيباني في واشنطن. فإذا تزامن حضوره مع زيارة الزيدي، يصبح السؤال: هل نحن أمام لقاءات منفصلة أم بداية مسار أميركيّ ـ عراقيّ ـ سوريّ غير معلن، عنوانه إعادة وصل العراق بسوريا عبر الطاقة؟
معلومات “أساس”: قد تشكّل الزيارتان العراقيّة والسوريّة لواشنطن محطّة لتوضيح مصير هذه المشاريع، وربّما دفعها نحو إطار أميركيّ – عراقيّ – سوريّ مشترك، بما في ذلك مشاريع الطاقة والربط وخطّ كركوك – بانياس
أنقرة مخرج سياسيّ
في خلفيّة هذا المشهد، يبرز الدور التركيّ. فالرئيس السوريّ أحمد الشرع، الذي كان مطروحاً أن يزور واشنطن للقاء ترامب، يواجه حسابات دقيقة. فقد تضعه زيارته للبيت الأبيض في هذه المرحلة أمام ضغط سياسيّ كبير، خصوصاً مع كلام أميركيّ عن دور سوريّ محتمل في ملفّات إقليميّة حسّاسة، وفي مقدَّمها لبنان و”الحزب”.
من هنا تبرز العاصمة التركيّة أنقرة كخيار أقلّ كلفة. فوجود ترامب في تركيا خلال قمّة الناتو يومَي السابع والثامن من تمّوز المُقبلين يفتح الباب أمام احتمال لقاء الرئيس الأميركيّ مع الرئيس السوريّ بغطاء تركيّ. لقاءٌ من هذا النوع، إذا حصل، يسمح للشرع بالحفاظ على قناة التواصل مع واشنطن، من دون أن يظهر كأنّه يذهب إلى البيت الأبيض ويعود مُقيّداً بشروط سياسيّة مُعيّنة، أو بملفّ لبنانيّ لا تبدو دمشق راغبة في دخوله.
بهذا المعنى، لا تكون أنقرة بديلاً عن واشنطن، بل جزء من توزيع أدوار: تركيا تمنح هامش حركة، وواشنطن تبقي الباب مفتوحاً، فيما يتولّى الشيباني متابعة المسار العمليّ المرتبط بالطاقة والاستثمار.
أهمّيّة خطّ كركوك – بانياس
المشروع الأبرز في هذه الصورة هو خطّ كركوك – بانياس على مستويَين سياسيّ واقتصاديّ. فهذا الخطّ ليس أنبوب نفط قديماً، بل مشروع استراتيجيّ يربط شمال العراق بالساحل السوريّ على المتوسّط. وإعادة تشغيله تمنح العراق منفذاً إضافيّاً للتصدير، بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على الممرّات الجنوبيّة والخليج، ويعيد لسوريا دورها كدولة عبور ومركز تصدير طاقة.
أهميّة الخطّ في السياسة أنّه يتيح رقابة أميركيّة أوضح على مسارات التصدير، في وقت تضغط فيه واشنطن للحدّ من الالتفاف على العقوبات وتقليص النفوذ الإيرانيّ. لذلك يصبح خطّ كركوك – بانياس جزءاً من محاولة أوسع لإعادة رسم ممرّات الطاقة في المشرق: من حقول العراق إلى الأراضي السوريّة، وصولاً إلى البحر المتوسّط.
إقرأ أيضاً: الشيباني في كلّ لبنان… “تتريك” الدّبلوماسيّة السّوريّة
محور نفوذ جديد
لا شيء محسوماً بعد، ولا توجد إعلانات نهائيّة لاتّفاقات ثلاثيّة. لكن بحسب معلومات “أساس”، قد تشكّل الزيارتان العراقيّة والسوريّة لواشنطن محطّة لتوضيح مصير هذه المشاريع، وربّما دفعها نحو إطار أميركيّ – عراقيّ – سوريّ مشترك، بما في ذلك مشاريع الطاقة والربط وخطّ كركوك – بانياس.
قد لا تكون زيارة الزيدي لواشنطن، وحضور الشيباني في التوقيت نفسه تقريباً، تفصيلين منفصلين، بل بداية مشهد جديد تعود فيه الولايات المتّحدة إلى المشرق عبر الشركات وخطوط الطاقة، لا عبر القوّة العسكريّة. ومن كركوك إلى بانياس، قد تكون سوريا هي العقدة التي تعيد واشنطن من خلالها رسم نفوذ اقتصاديّ جديد في المنطقة.
لمتابعة الكاتب على X:
