التّشكيلات القضائيّة الجزئيّة “على الطّريق”

مدة القراءة 8 د

قبل بدء العطلة القضائيّة في 15 تمّوز الحالي، يَرفع مجلس القضاء الأعلى إلى وزير العدل عادل نصّار مشروع التشكيلات القضائيّة الجزئيّة المنتظرة منذ فترة، ويرفع مجدّداً اقتراح قانون استقلاليّة القضاء العدليّ لإقراره في مجلس النوّاب، بعدما كان المجلس الدستوريّ قد ردّه في شباط الماضي، لِعَيب أساسيّ فيه يكشف الذهنيّة السلطويّة المستمرّة “هي هي” في التعاطي مع القضاء.

 

في 25 شباط الماضي، وجّه المجلس الدستوريّ ما يُشبِه “الصفعة” للسلطة السياسيّة الباحثة عن “إنجاز” من خلال إقرار قانون استقلاليّة القضاء العدليّ، فإذا بها في سعيها إلى هذا الأمر تتعدّى على هذه الاستقلاليّة.

أصدر “الدستوريّ” قراراً، بأكثريّة أعضائه، بإبطال القانون المقرّ في مجلس النوّاب (بعدما كان ردّه رئيس الجمهوريّة ووضع ملاحظاته عليه)، وطلب إعادته إلى المجلس، “لمخالفته الصيغة الجوهريّة المتمثّلة باستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي المادّة 20 من الدستور”. كانت رسالة المجلس الدستوريّ شديدة الوضوح: “أيّ إصلاح قضائيّ لا يتمّ من دون شراكة مع القضاء نفسه”.

بالتالي لم يَسقُط القانون الذي تضمّن، بتأكيد أوساط قضائيّة، تعديلات مهمّة وأساسيّة، لكنّه كشف تعدّي السلطة السياسيّة على السلطة القضائيّة، وأوقف محاولة هذه السلطة فرض “صيغتها” لإبقاء نفوذها قائماً في القضاء.

أنهى مجلس القضاء الأعلى قبل أيّام دراسة القانون مجدّداً، وصوّب ما لم يتمّ الأخذ به في اقتراحه الأوّل، وقد اضطرّ إلى عقد اجتماعات خلال أيّام السبت والعطل، وكذلك الأمر في ما يخصّ التشكيلات القضائيّة.

لم يَسقُط القانون الذي تضمّن، بتأكيد أوساط قضائيّة، تعديلات مهمّة وأساسيّة، لكنّه كشف تعدّي السلطة السياسيّة على السلطة القضائيّة، وأوقف محاولة هذه السلطة فرض “صيغتها” لإبقاء نفوذها قائماً في القضاء

التّعديلات على القانون

خلال مشاركة رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في الجلسة الحواريّة لرؤساء المحاكم العليا في الدول العربيّة بعنوان “نحو تعزيز التواصل القضائيّ” في ميلانو بايطاليا، كشف أبرز النقاط التي يتضمّنها القانون “في سبيل تعزيز دور مجلس القضاء الأعلى، ومن خلاله استقلاليّة السلطة القضائيّة”. وكان خطوة لافتة من جانب عبّود تحدّثه عن هذه التعديلات من منبر قضائيّ دوليّ على هذا المستوى.

في مداخلته سلّط القاضي عبّود الضوء على التعديلات الآتية، التي أصرّ عليها في كامل المراحل التي قطعها القانون إلى حين ردّه من قبل المجلس الدستوريّ:

ـ إعادة تنظيم آليّة تشكيل مجلس القضاء الأعلى من خلال توسيع التمثيل الانتخابيّ للقضاة.

ـ استحداث آليّة جديدة لتعيين الأعضاء الحكميّين (رئيس مجلس القضاء الأعلى، مدّعي عامّ التمييز، رئيس هيئة التفتيش القضائيّ) تقوم على إعداد مجلس القضاء الأعلى لائحة تضمّ ثلاثة مرشّحين لكلّ مركز تُحال إلى وزير العدل تمهيداً لاختيار أحدهم من قبل مجلس الوزراء، “بما يحدّ من السلطة التقديرية المطلقة للسلطة التنفيذيّة في التعيينات القضائيّة”.

ـ استحداث آليّات لتمثيل المطالب الجماعيّة للقضاة، والنظر في الشكاوى المتعلّقة بالشأن القضائيّ.

ـ دور مجلس القضاء الأعلى في إعداد التشكيلات والمناقلات القضائيّة وفق معايير موضوعيّة وشفّافة، بحيث يتولّى وضع مشروع التشكيلات، وإحالته إلى وزير العدل لإصداره بمرسوم. وفي حال نشوء خلاف بين الطرفين، تُعتمد آليّة تشاوريّة لمعالجته عبر جلسة مشتركة، على أن يعود القرار النهائيّ للمجلس إذا استمرّ الخلاف (التصويت عليه 7 من 10، أو 8 من 12 بعد بتّ العدد النهائيّ لأعضاء مجلس القضاء الأعلى). ويُعتبر مشروع التشكيلات نافذاً حكماً في حال عدم صدور المرسوم ضمن المهلة القانونيّة المحدّدة، منعاً للتدخّلات السياسيّة.

ـ يُناط بالمجلس إعداد مشروع موازنة المحاكم العدليّة ومشروع موازنة مجلس القضاء الأعلى.

ولاية ستّ سنوات للأعضاء الحكميّين

تتضمّن تعديلات مجلس القضاء الأعلى المسائل الآتية:

ـ مبدأ ثبات القاضي، بمعنى عدم إمكانيّة إزاحته قبل مرور خمس سنوات، إلّا لسبب تأديبيّ.

ـ تحديد ولاية رئيس مجلس القضاء الأعلى، مدّعي عامّ التمييز، ورئيس التفتيش القضائيّ بستّ سنوات، و3 سنوات لأعضاء مجلس القضاء الباقين.

ـ تقويم القضاة من ضمن مهامّ التفتيش القضائيّ.

ـ إلغاء السنة التحضيريّة في معهد القضاء، على أن تكون 3 سنوات دراسية في المعهد.

التّشكيلات القضائيّة

في ملفّ التشكيلات القضائيّة الجزئيّة، التي قد تشمل عشرات القضاة، يتمسّك مجلس القضاء الأعلى بـ”الأسباب الموجبة” لها (تمّت الإشارة إليها في التعيينات القضائيّة السابقة)، من ضمنها “مراقبة عمل القضاة المُعيَّنين في مراكزهم الجديدة خلال مدّة لا تتجاوز ستّة أشهر، على أن تُتّخذ في نهايتها الإجراءات الملائمة بحقّ كلّ من يُخالف موجبات القسم القضائي أو يُقصِّر في أداء مهامّه”.

لكنّ التشكيلات لا تشمل فقط من يُحكَم على أدائهم خلال فترة الستّة أشهر الماضية، بل أيضاً حالات الشغور بفعل التقاعد أو الوفاة أو الاستقالة. حتّى قيل إنّ بعض القضاة ظُلموا في التشكيلات السابقة في مراكزهم، وربّما يصار إلى تصحيح أوضاعهم في التشكيلات الجزئيّة. لكنّ مصادر قضائيّة رفيعة تقول لـ “أساس”: “انتظروا التشكيلات واحكموا بعدها”.

بالنسبة لتأخّر صدور التشكيلات، تضيف المصادر: “لقد تمّ الأخذ بالاعتبار أنّ هذه التشكيلات لن تسري قبل 15 أيلول المُقبل، وهناك حرص على أن تكون تشكيلات لا أخطاء فيها، حيث يتمّ درس كلّ ملفّ بملفّه، ضمن سرّيّة المذاكرة، ويدلو كلّ عضو في المجلس بدلوه، ويتمّ أخذ القرار على أساس معايير محدّدة التزمها مجلس القضاء الأعلى، حتّى من دون قانون يفرضها”.

، يؤكّد البعض أنّ هناك العديد من الأسماء التي لم تُحسَم بعد بسبب الخلاف عليها بين أكثر من جهة، وهو ما قد يؤخّر صدور مرسوم التشكيلات الجزئيّة

من يخلف الحاجّ ومنيمنة؟

في منتصف تمّوز الجاري يُحال رئيس التفتيش القضائيّ القاضي أيمن عويدات إلى التقاعد، وسيخلفه القاضي أسامة منيمنة بعد صدور قرار تعيينه في 30 نيسان، مع تعيين أحمد رامي الحاج مدّعياً عامّاً للتمييز.

كان القاضي منيمنة يشغل موقع رئيس الغرفة السابعة في محكمة التمييز، وهو من ضمن مراكز أخرى ستشملها التشكيلات، وأوّلها محامي عامّ التمييز بدلاً من القاضي الحاج، ومراكز أخرى شغرت أخيراً.

يتردّد أنّ القاضي الحاج يرغب بتعيين المحامية العامّة التمييزيّة القاضية سمرندا نصّار بدلاً من المحامية العامّة التمييزيّة القاضية ميرنا كلّاس (موقعها مرتبط مباشرة بالعلاقة مع السفارات والمؤسّسات الدوليّة)، لكنّ هذا الأمر مرفوض من مجلس القضاء الأعلى.

وفيما أُثيرت تساؤلات عن إمكان نقل قاضي التحقيق الأوّل في بيروت رولى عثمان إلى الجنوب لتكون رئيساً أوّل بدلاً من القاضي غسّان معطي، مع العلم أنّ القاضي معطي مرشّح ليحلّ مكان القاضي منيمنة، ودرجاته القضائيّة تسمح بذلك. وإذا شغر موقع قاضي التحقيق الأوّل ببيروت يتقدّم اسم المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب ليحلّ محلّ عثمان، مع احتفاظه بموقعه كمحامٍ عامّ تمييزيّ.

إقرأ أيضاً: هل يتلقف عون “عَرض” بري؟

عبّود-الحاجّ

أهمّيّة التشكيلات الجزئيّة أنّها تعكس الاختبار الأوّل الحسّاس بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ومدّعي عامّ التمييز، ضمن مداولات مجلس القضاء الأعلى.  فـ”الريّس” عبود لم يخفِ خلال المسار السياسيّ، الذي كان يُزكّي خيار القاضي أحمد رامي الحاج على قضاة آخرين. وقد كلّفه الأمر القيام بـ”حركة تصحيحيّة”، خارج مهامّ مجلس القضاء الأعلى، فالتقى رئيسَي الجمهوريّة والحكومة ووزير العدل لـ “تنبيههم”، كما أصدر مجلس القضاء الأعلى بياناً في هذا السياق، قبيل جلسة التعيين، وطلب أن “يُحقّق قرار مجلس الوزراء حسن سير القضاء”، ويختار من ضمن الأسماء الثلاثة التي يقترحها مجلس القضاء لهذا المنصب، وليس من ضمنها الحاج.

لكن تتحدّث أوساط قضائيّة راهناً عن “علاقة إيجابيّة مع القاضي الحاجّ وفق الأصول، ولا وجود لإشكالات كبيرة، إذ يحقّ لكلّ قاضٍ أن يكون لديه رأيه ومقاربته، لكنّ من  يقرّر في النهاية هي الأكثريّة في مجلس القضاء الأعلى”. وفي هذا السياق، هناك، من يؤكّد أنّ هذه الأكثريّة “طابشة” لمصلحة عبّود في المجلس، و”تختزل قضاة من أصحاب الكفاءات العالية والسمعة الجيّدة جدّاً”.

مع ذلك، يؤكّد البعض أنّ هناك العديد من الأسماء التي لم تُحسَم بعد بسبب الخلاف عليها بين أكثر من جهة، وهو ما قد يؤخّر صدور مرسوم التشكيلات الجزئيّة.

مواضيع ذات صلة

لبنان وسوريا: من الوصاية إلى “الشّراكة” السياسية

لطالما كانت العلاقات اللبنانيّة – السوريّة مرآة للتحوّلات الكبرى في الشرق الأوسط. فما من محطّة مفصليّة عاشها لبنان منذ الاستقلال إلّا وكانت دمشق أحد أبرز…

سوريا والعراق في قلب الاستراتيجية الأميركيّة النفطية

تعود واشنطن إلى المشرق من بوّابة لا تشبه بوّاباتها القديمة: لا دبّابات ولا قواعد إضافيّة، بل شركات طاقة، أنابيب نفط، وممرّات تصدير. وفي قلب هذه…

هل يتلقف عون “عَرض” بري؟

تقدّمت المشهد السياسيّ في الأيّام الماضية مواقف لافتة للرئيس نبيه برّي والنائب السابق وليد جنبلاط صُنّفت في خانة “خفض التصعيد” الداخليّ واحتواء رقعة التوتّر، من…

الدّوحة: هندسة الاشتباك من هرمز إلى اللّيطاني

لم تَكُن “مُذكّرة تفاهُمِ إسلام آباد” المُوقّعةِ بين الولايات المتحدة وإيران مُجرّدَ وثيقةٍ لتهدئَةٍ عابرةٍ، بل كاَنت إعلاناً صريحاً بانتهاء صلاحيّةِ “الرّدعِ العسكريِّ المُباشَر” وبدءِ…