“المناطق التجريبية” خارج الخدمةّ حالياً!

مدة القراءة 6 د

كرٌر رئيس الجمهورية جوزف عون أن “صيغة الإطار التي انبثقت عن مفاوضات واشنطن تحقٌق منطق الدولة، وتحفظ حقوق لبنان قضائياً وميدانياً”، فيما المساعي المرتبطة ببدء سريان اتفاق 26 حزيران بين لبنان وإسرائيل، تصطدم بأكثر من عائق. والمناطق التجريبية نموذجاً، حيث أعلنت إسرائيل تأجيل السير بها إلى حين تشكيل آلية الإشراف.

 

مقابل حركة يشهدها القصر الجمهوري لدى المسؤولين الأميركيين لإقناع إسرائيل بوقف اعتداءاتها وتصريحات قيادييها التي تُحرِج السلطة في لبنان، تتعثّر الجهود على مستويين:

-إنشاء مجموعة عمل “لتفادي التصعيد، تضمّ واشنطن وإيران ولبنان، بتيسير من الوسطاء (قطر وباكستان)، بهدف ضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان”، وفق ما ورد في مذكرة التفاهم الاميركية-الإيرانية. رغم الخطاب الرسمي اللبناني بفصل مسار إسلام آباد عن مسار واشنطن، فإن الرئيس نبيه بري لا يزال يصرّ على أن سقف التفاوض الاميركي-الإيراني، والنجاح في إنشاء آلية عملانية “محمية” بقوّة التسويات الدولية، للبتّ بمسألتي وقف النار نهائياً والاتفاق على جدول الانسحاب، هما بمثابة ممر إلزامي للحلّ في لبنان. وقد تمسّك بهذا الخيار بعد إعلان واشنطن الذي تعامل معه كـ “وصفة جاهزة للفتنة ومرفوضة بالكامل”.

حتّى الآن لا يزال دفاع السلطة في لبنان عن بنود الاتفاق، واعتباره الممرّ الأوحد لوقف الحرب والانسحاب وعودة أهالي قرى الجنوب، يُواجه بسلسلة ارتكابات إسرائيلية، تعكس فعلياً “روحية” الاتفاق نفسه

المعلومات تفيد في هذا السياق بأن هذه الآلية قيد الإنشاء، وقد يكون مقرّها العام الدوحة، الشريكة في هذه المجموعة. الموقف الرسمي اللبناني حيال هذه المجموعة هو الآتي: “كل مسعى دولي يهدف للاستقرار مرحّب به، لكن قناته الوحيدة الدولة اللبنانية”. حتى الآن، لم يتّضح بعد هوية ممثل لبنان في هذه الآلية، ومدى مشاركة الجانب الرسمي اللبناني بها.

-إنشاء لجنة المراقبة المنبثقة عن “اتفاق واشنطن” لترجمة الآليات التنفيذية للاتفاق التي تضمّنها الملحق الأمني السّري بالتفصيل، مع العلم أن المادة 12 من الاتفاق نصّت على ما هو أشمل بكثير من خلال “إنشاء مجموعات عمل تتولّى إعداد اتفاق شامل للسلام والأمن. ومن أجل تحقيق أهداف هذا الإطار، تنشئ الحكومتان فوراً مسارات موازية للتواصل المباشر والمستمرّ، بتيسير من الولايات المتحدة الأميركية. وتلتزم الحكومتان بمواصلة العمل بحسن نية إلى حين التوصّل إلى سلام كامل ودائم، بما يحقّق الأمن والاستقرار والازدهار لشعبيّ إسرائيل ولبنان”.

بنتيجة هذا المسار هناك اتفاق على “إنشاء مجموعة التنسيق العسكري لأجل لبنان” MCG4L، التي ينصّ عليها الملحق الأمني، والتي كانت أحد محاور نقاشات قائد القيادة المركزية الاميركية الادميرال براد كوبر في لبنان، لكن من دون تحديد هيكليتها بعد، مع العلم أنّها ستكون برئاسة رئيس لجنة “ميكانيزم” جوزيف كليرفيلد، بحيث ستكون الإطار الأمني الذي سيحلّ محلّ اللجنة السابقة، فيما سيتمثّل لبنان فيها من خلال مديرية العمليات العسكرية في قيادة الجيش، كما في لجنة “ميكانيزم” السابقة.

عون و”الفرصة الأخيرة”

يدافع القريبون من الرئيس عون بقوة عن “اتفاق واشنطن”، كخيار وحيد متاح أمام السلطة اللبنانية، فيما يرى فيه رئيس الجمهورية أنّه “الفرصة الأخيرة” التي يُمكِن أن تُثمِر بشرطين أساسيين: تجاوب الحزب معه، والضغط الاميركي على إسرائيل للالتزام ببنوده.

يُذكر أن بنود الاتفاق هي لصالح إسرائيل بشكل كبير سيّما لجهة عدم إلزامها بجدول زمني للانسحاب، وربط نجاح المناطق التجريبية بـ “التحقّق” الإسرائيلي من شروطها سيّما لجهة أداء الجيش، و”التوافق” المشترك على تحديد هذه المناطق، و”التزام حكومة لبنان بتنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء”، إضافة إلى أن “أي مساعدات أميركية جديدة (لقيام الجيش بمهامه) ستكون مشروطة بشكل صارم بتحقيق مراحل محدّدة وقابلة للتحقّق، وبالشفافية الكاملة، وإثبات النتائج، واستمرار آليات الرقابة والإشراف”.

حتّى الآن لا يزال دفاع السلطة في لبنان عن بنود الاتفاق، واعتباره الممرّ الأوحد لوقف الحرب والانسحاب وعودة أهالي قرى الجنوب، يُواجه بسلسلة ارتكابات إسرائيلية، تعكس فعلياً “روحية” الاتفاق نفسه لجهة الهامش الكبير الذي أعطي لها في التحرّك، حتى على مستوى عدم إلزامها بوقف النار بتاريخ معيّن.

فإسرائيل مستمرّة في تفجير قرى ومنازل وجرف طرقات، والتمسّك بالمنطقة العازلة، والردّ فوراً على أي تهديد، إضافة إلى ما تسرّب أمس عن إنشاء إسرائيل بوابات عبور داخل الخط الأصفر، وخارجه، وتقصّد بنيامين نتنياهو في “زيارته” للأراضي اللبنانية المحتلّة التأكيد على أن “إسرائيل لن تنسحب من لبنان ما دام الحزب يُشكّل تهديداً”، معتبراً أن إنشاء المناطق الأمنية على حدود إسرائيل في لبنان وغزة يُشكّل “تغييراً  في العقيدة الأمنية الإسرائيلية”.

يشير المصدر العسكري إلى أن “الملحق الأمني طابعه سرّي، في كافة بلدان العالم، وليس معدّاً للنشر أمام الرأي العام، نظراً لمترتّباته الأمنية والتقنية

تأجيل التنفيذ

تعكس المناطق التجريبية نموذجاً عن تعثّر الاتفاق في خطواته الأولى. إذ تفيد المعلومات عن تأجيل إسرائيلي لاختبار “المناطق التجريبية” لمدّة غير مُحدّدة. الواضح حتى الآن أن الجيش رفض أن يبدأ الاختبار الأول من بلدات غير محتلّة إسرائيلياً (فرون في قضاء بنت جبيل وزوطر الغربية في النبطية)، ومع ذلك يُماطل الإسرائيلي، والطرف الاميركي يشير إلى أن آلية تشكيل مجموعة MCG4L لم تكتمل بعد.

يقول مصدر عسكري لـ “أساس” : “الجيش مستعد وجاهز لتنفيذ عملياته المطلوبة التي تشمل بلدات محتلّة، وقد تمّ التوافق على ذلك بموجب اتفاق الإطار. لكن الجانب الإسرائيلي عدل عن رأيه وطرح مناطق فرون وزوطر الغربية والغندورية التي يدخلها الجيش أصلاً عبر دورياته الروتينية، ومواكبة مؤسسات الدولة (شركة الكهرباء مثلاً). وهي بلدات غير محتلّة، وخارج الخط الأصفر. ومع ذلك، عاد وأعلن تأجيل تنفيذ العمل بهذه المناطق التجريبية”.

إقرأ أيضاً: عون يُدشّن بدء تنفيذ “اتّفاق واشنطن”

راهناً، لا طرح يشمل مناطق تجريبية جديدة، فيما تؤكد قيادة الجيش أنّها جاهزة لتنفيذ مندرجات الملحق الأمني بما يشمل البلدات المحتلّة فقط، وقد سبق الجيش إن رفض الدخول إلى تلّة علي الطاهر التي لم يتمكّن الإسرائيلي من احتلالها.

كما يشير المصدر العسكري إلى أن “الملحق الأمني طابعه سرّي، في كافة بلدان العالم، وليس معدّاً للنشر أمام الرأي العام، نظراً لمترتّباته الأمنية والتقنية”.

مواضيع ذات صلة

الشيباني في بيروت: القلق من الإطاري وتحية إلى طرابلس

لا تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، الخميس المقبل، كزيارة دبلوماسية عابرة. هي زيارة ثانية، لكنّ توقيتها يجعلها مختلفة. فدمشق الجديدة تدخل…

عون يُدشّن بدء تنفيذ “اتّفاق واشنطن”

يدخل اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الموقّع في واشنطن، مرحلة اختبار حسّاسة وخطِرة بعد اصطدامه بفيتو داخليّ واسع تقدّمه “الحزب” والرئيس نبيه برّي والنائب السابق…

اتفاق الإطار: القيام التدريجي للدولة؟

لا تُقاسُ الاتّفاقات، في لحظات التّحوّل الكُبرى، بما تعِدُ به على الورَقِ، بل بقدرتِها على تغييرِ موازين الواقع. من هذا المُنطلَق، يَصعُبُ التعاملُ مع الاتّفاقِ…

اتّفاق واشنطن… ضباط أميركيون في الميدان

لا يبدو لبنان اليوم متّجهاً نحو مرحلة استقرار، بقدر ما يدخل مرحلة اختبار مفتوح. فإذا نجحت السلطة في بناء شبكة أمان داخليّة تسبق تنفيذ اتّفاق…