طهران تتحدّى العرب في هرمز وتعطّل الانسحاب في لبنان

مدة القراءة 6 د

هل تنجح مراهنة لبنان على توسيع “تجارب” المناطق “النموذجيّة”، القاضية بانسحاب إسرائيل وحلول الجيش مكانها وخلوّها من “الحزب”؟

يسعى الجانب اللبنانيّ إلى كسب التأييد الأميركيّ لتوسيع رقعة الانسحاب التجريبيّ بالضغط على بنيامين نتنياهو. من أهداف طهران الكثيرة، الداخليّة والخارجيّة، لاستعراض القوّة الذي ينظّمه النظام لشعبيّته بتشييع المرشد الراحل علي خامنئي، إبقاء ورقة لبنان في يدها في ترتيبات مواقع النفوذ الإقليميّ. بات حكّام بيروت يحتاجون إلى إقحام المنظومة العربيّة والدعم الأوروبيّ إلى جانبهم لتحسين موقعهم التفاوضيّ.

 

يسعى لبنان إلى مواجهة سيطرة نتنياهو على جنوب لبنان عبر تجديد الإجازة الأميركيّة لحربه، لكنّ القيادة الإيرانيّة لا تترك فسحة للسلطة اللبنانيّة كي تستعيد قرارها السياديّ وحصريّة السلاح.

ترف الوقت الإيرانيّ… والتقاط الفرصة

يرمي اضطرار “الحزب” إلى مجاراة مناورات طهران التفاوضيّة لبنان في براثن الشرنقة الشديدة التعقيد لتداخل هذه المناورات مع محطّات كبرى من عراضة تشييع خامنئي، إلى حاجات نتنياهو الانتخابيّة، وحسابات دونالد ترامب الداخليّة، وصولاً إلى ما يجري ترتيبه في المنطقة من سوريا إلى تركيا إلى الخليج. فالبلد الصغير لا يملك ترف لعبة الوقت الذي تجيده طهران.

ترى أوساط سياسيّة بارزة أنّ الحكم اللبنانيّ يحتاج إلى خريطة طريق تنقذه من تلك الشرنقة وتساعده على تحسين اتّفاق الإطار الذي اضطرّه إلى تقديم تنازلات خضعت للانتقاد، وتدعو إلى:

– السعي إلى توسيع المناطق التجريبيّة وبالتالي الانسحابات الإسرائيليّة إلى أكثر من قريتين أو ثلاث، وذلك خلال اللقاءات مع رئيس اللجنة التي يرأسها الجنرال الأميركيّ جوزف كليرفيلد للتنسيق بين الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ. ويعطي توسيع كهذا صدقيّةً لخيار الرئيس جوزف عون التفاوض المباشر الذي تريد طهران قطع الطريق عليه.

يسمح اتّساع رقعة الانسحابات بمطالبة “الحزب” بفعل ضغط الوضع الكارثيّ جنوباً بأن يشمل سحب مقاتليه والسلاح مناطق في شمال الليطاني بعدما كان اقتصر التزامه لذلك على جنوب النهر. امتحان سيطرة الجيش في المناطق التي ادّعى نتنياهو الاستعداد لتركها هدفه اختبار قيادته شمال المناطق التي يدّعي أنّها تحمي المستوطنات الإسرائيليّة.

يوظّف رئيس الوزراء الإسرائيليّ نتائج حربه في لبنان لمصالحه الداخليّة الانتخابيّة. يستثمر استمرار احتلاله لخدمة جموحه

توظيف الانحياز العربيّ والأوروبيّ للبنان

– أن يشبك الحكم اللبنانيّ جهوده لاستمالة ترامب إلى مطلب أولويّة الانسحاب الإسرائيليّ مع أوسع مجموعة عربيّة وأوروبيّة ثبت انحيازها للبنان. وهي شبكة دول لا تستطيع طهران تجييشها. وصار الموقف العربيّ، بعد تأييد الدول الرئيسة لتفاوض لبنان في واشنطن، أكثر تشدّداً حيال إنهاء دور الحزب المسلّح.

تراجع المناخ الداعي، في المنظومة العربيّة، إلى مراعاة “الحزب”. يقول وزير عربيّ شارك في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في عمّان لـ”أساس” إنّ دولاً كانت طرحت أفكاراً لمعالجة مسألة السلاح باتت أكثر تشدّداً بعد التجارب. منها مصر مثلاً التي كانت اقترحت صيغة ما “لاحتواء” السلاح باتت مقتنعة أن لا مجال إلّا لسحبه من “الحزب”، تفادياً لتكرار الحروب.

تنصح الأوساط البارزة نفسها بأن يشكّل لبنان “غرفة عمليّات” مع العواصم الرئيسة العربيّة (المملكة السعوديّة وقطر…) والأوروبيّة (فرنسا…) لدعم موقفه التفاوضيّ في البيت الأبيض، بحيث تكون هذه الدول لصيقة بلبنان في واشنطن.

جموح نتنياهو وملاقاة “الحرس”

يوظّف رئيس الوزراء الإسرائيليّ نتائج حربه في لبنان لمصالحه الداخليّة الانتخابيّة. يستثمر استمرار احتلاله لخدمة جموحه واليمين المتطرّف نحو تكريس المناطق العازلة في لبنان وسوريا وغزّة.

لا يتوانى عن استغلال الانقسام في لبنان لتغذية خطّة تقسيمه. من هذا القبيل ادعاؤه أنّ قرى مسيحيّة في الجنوب طلبت الانضمام لإسرائيل، وهو ما كذّبته هذه القرى في بيان جماعيّ صدر عن أعيانها. ويجهض كلّ ما يؤدّي إلى ضمان انسحاب قوّاته.

لبنان

بانتظار زيارته البيت الأبيض واتّضاح مدى التزام دونالد ترامب لوعوده بدعم المطالب اللبنانيّة، لا تتأخّر القيادة الإيرانيّة عن ملاقاة التصلّب الإسرائيليّ بالامتناع عن تسليف الدولة اللبنانيّة أيّ خطوة تعينها على مواجهة حجّة إسرائيل بأنّ “الحرس” يستخدم جبهة الجنوب لتقويض أمن مناطقها الشماليّة. لبنان عالقٌ في تنازع الدولتين على التحكّم بأراضيه وبقراره، في وقت يطمح القادة اللبنانيّون إلى الخروج من المعادلات التي تسبّبت بالحرب.

يسعى لبنان إلى مواجهة سيطرة نتنياهو على جنوب لبنان عبر تجديد الإجازة الأميركيّة لحربه، لكنّ القيادة الإيرانيّة لا تترك فسحة للسلطة اللبنانيّة

تزامن التزام “الحزب” مع وقف النّار بهرمز   

ترمي طهران من وراء حملة “الحزب” التخوينيّة على الرئاسة اللبنانيّة إلى تعطيل استرجاع السلطة اللبنانيّة قرار التفاوض في شأن الجنوب من وصايتها. ولا يمكن فهم ما قاله رئيس البرلمان الإيرانيّ، رئيس الوفد الإيرانيّ المفاوض في إسلام آباد، محمّد باقر قاليباف لوفد “الحزب” المشارك في مراسم تشييع خامنئي إلّا في هذا السياق. قال: “بات العدوّ يدرك أنّ إرساء السلام في المنطقة ولبنان والشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال إيران”. وأكّد أنّ طهران أصرّت قبل توقيع التفاهم على إدراج بند وقف الحرب ضدّ حلفائها في جبهة المقاومة ضمن النصّ، ولم تتنازل عن هذا المطلب.

تجاوب معه رئيس المجلس السياسيّ في “الحزب” الذي تقدّم وفده المشارك في التشييع محمّد فنيش، بقوله: “وقف إطلاق النار في لبنان تحقّق بفضل إيران وإلزام الولايات المتّحدة وإسرائيل بتنفيذ الشروط الواردة في مذكّرة التفاهم”. لكنّ “الحزب” كعادته في تناقض مواقفه، لم يلتزم وقف النار والعمليّات الحربيّة إلّا بعد صدوره عن مسار واشنطن للتفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ، “المنعدم الوجود” بالنسبة إليه.

خفّض عمليّاته ضدّ الاحتلال بعد الجولة الرابعة مطلع حزيران، ثمّ أوقفها بشكل شبه كامل بعد الجولة الخامسة في 26 حزيران. ولم تكن مصادفة أن يتزامن وقف “الحزب” عمليّاته مع اتّفاق طهران مع إدارة ترامب على وقف الهجمات المتبادلة الأسبوع الماضي بعد إصرار “الحرس” على التحكّم بمرور السفن في مضيق هرمز. فطهران اعترضت على انحياز سلطنة عُمان إلى ضمان الملاحة الدوليّة، بغطاء من مجلس التعاون الخليجيّ، بلا رسوم وبلا أذونات من قيادة “الحرس”.

إقرأ أيضاً: التّوفيق بين “المذكّرة” و”الإطار”: البداية انسحاب “الحرس”

اعترض “الحرس” على الرفض الخليجيّ لانتزاع طهران حقّ التحكّم بالملاحة البحريّة في المضيق لأنّه يصبّ في طموحها إلى التحوّل مجدّداً إلى شرطيّ الخليج. وهو أمر يشكّل هاجساً لدوله. وليس صدفة أن تحرّك قيادة “الحرس” الحوثيّين للتهديد بقصف المملكة السعوديّة، غضباً من سعي دول الخليج إلى تجريدها من ورقة السيطرة على المضيق.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

عودة الشّام إلى طرابلس

تملك دمشق ذكريات عزيزة وعريقة في كلّ أجزاء ما صار الغربيّون يطلقون عليه اسم الشرق الأوسط. لكنّها في العقود الأخيرة صغُرت وتوتّرت وافتقرت وتغرّب شعبها…

معركة الزّيديّ”: الفساد أوّلاً أم منظومة النّفوذ الإيراني؟

دخلت “صولة الفجر” التي أطلقها رئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي لقطع رؤوس الفساد ومكافحة الهدر واختلاس المال العامّ في منعطف دقيق قد يهدّد مصيرها واستمراريّتها….

ما بعد.. بعد اتفاق الإطار

لم يعد النقاش الدائر حول اتفاق الإطار محصوراً بين مؤيد يرى فيه فرصة تاريخية، ومعارض يعتبره تنازلاً سياسياً أو مساساً بالثوابت الوطنية. فهذا السجال، على…

بين مقابلة الشرع وزيارة الشيباني

ثمة مشهدان متزامنان يكشفان معاً ما لا يكشفه كلٌّ منهما منفرداً. المشهد الأول هو الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية قرر أن يخصصها للعلاقات…