بانتظار الانسحاب الإسرائيليّ من “المناطق التجريبيّة”، التي سيتسلّمها الجيش ويفرض سلطته فيها بلا أيّ وجود مسلّح آخر، وفق “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ الإسرائيليّ، هناك خشية من الوقوع مرّة أخرى في الحلقة المفرغة نفسها: إسرائيل تشترط سحب سلاح “الحزب” كي تنسحب، و”الحزب” وإيران من خلفه يشترطان انكفاء الاحتلال حتّى تتمّ مناقشة مسألة السلاح داخليّاً ربطاً بالاستراتيجية الدفاعيّة، داخلياً. وهو ما يعني إبقاء الاتّفاق الذي رعته إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مؤجّل التنفيذ، كما حصل مع القرار 1701 واتّفاق وقف العمليّات العدائيّة في تشرين الثاني 2024.
هناك من يدعو إلى التفكير خارج الصندوق في مقاربة تلك المعادلة المعقّدة التي تربط انسحاب إسرائيل بسحب سلاح “الحزب”. لكنّ هناك خلافاً لبنانيّاً داخليّاً يتعلّق بالاستناد إلى “مذكّرة التفاهم” الأميركيّة ـ الإيرانيّة أو اعتماد “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الذي تمّ برعاية الولايات المتّحدة لإيجاد آليّة انسحاب للقوّات الإسرائيليّة ومعالجة مسألة سلاح “الحزب”، الأمر الذي يفترض إيجاد صيغة خلّاقة تفيد لبنان من الصيغتين.
التّوفيق بين “مذكّرة التّفاهم” و”الإطار”؟
ما دام ركنا الحكم اللبنانيّ الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام رحّبا باتّفاق الولايات المتّحدة وإيران على وقف النار في اتّفاقهما في 17 حزيران الماضي، وما دام رئيس البرلمان نبيه برّي يرى أنّ رهان لبنان هو على التفاهم بين واشنطن وطهران، بدل الاتّفاق مع إسرائيل في 26 حزيران، داعياً إلى تسوية حوله، فما هي المساحة المشتركة بينهما؟
ترى بعض الأوساط الداعية إلى التوفيق بين التوجّهين الآتي:
اتّفاق الإطار الذي كان ذا صياغة أميركيّة في نهاية المطاف، فيتوخّى إبعاد طهران عن الضلوع في حلول لمعضلة الحرب في الجنوب
تنصّ الفقرة الأولى من مذكّرة التفاهم الأميركيّة ـ الإيرانيّة على “الإنهاء الفوريّ والدائم للعمليّات العسكريّة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهّدان من الآن فصاعداً بعدم الشروع في أيّ حرب أو عمليّة عسكريّة”. أمّا “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الذي كان ذا صياغة أميركيّة في نهاية المطاف، فيتوخّى إبعاد طهران عن الضلوع في حلول لمعضلة الحرب في الجنوب، فيما هي منغمسة فيها حتّى أذنيها. ولا يستطيع “الحزب” الخروج منها من دون قبول “حرس الثورة” من طهران، فيما لا يمكن للبنان أن يحصل على الانسحاب الإسرائيليّ من دون الضغط الأميركيّ على رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، حتّى لو انتشر الجيش في مناطق تجريبيّة.
البداية بانسحاب “الحرس” من لبنان؟
باستطاعة واشنطن، من خلال قناة التفاوض المتواصلة مع الجانب الإيرانيّ، أن تطلب من الأخير المساعدة على وقف الحرب في لبنان، عبر سحب قوّات “الحرس” من أراضيه، سواء كانوا في الجنوب أو الضاحية الجنوبيّة لبيروت أو البقاع، تنفيذاً لالتزامه البند الأوّل من “مذكّرة التفاهم”.

يستند هذا الطلب إلى بيانات مشتركة صدرت عن “الحزب” ومقرّ “خاتم الأنبياء في طهران” أعلنت عمليّات مشتركة خاضها الجانبان ضدّ إسرائيل، وإلى تصريحات لمسؤولين إيرانيّين عن التعاون بين “الحرس” و”الحزب” في الحرب. ويرتكز إلى قرار الحكومة اللبنانيّة الصادر في 5 آذار الماضي “ملاحقة أيّ عناصر تابعة للحرس الثوريّ، والعمل على توقيفهم، تمهيداً لترحيلهم” خارج البلد.
تنصّ الفقرة الأولى من مذكّرة التفاهم الأميركيّة ـ الإيرانيّة على “الإنهاء الفوريّ والدائم للعمليّات العسكريّة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان
خطوة تسرّع انسحاب إسرائيل؟
توصّلت إدارة دونالد ترامب إلى صفقة ما في هذا الشأن مع طهران تسلّحها بحجّة قويّة حيال الجانب الإسرائيليّ كي يتوقّف عن عمليّاته العسكريّة في الجنوب، ولو تحت عنوان “خفض التصعيد”، وكي ينسحب من المزيد من المناطق الجنوبيّة، توسيعاً للمناطق التجريبيّة. هذا وتثبت واشنطن درجة من الصدقيّة في حرصها على مساعدة لبنان في مسألة الانسحاب، وفقاً لـ”اتّفاق الإطار”. وسبق للجانب اللبنانيّ أن طرح فكرة انسحاب إسرائيل من قلعة الشقيف مقابل انسحاب “الحزب” ومن معه من “الحرس” من أنفاق تلّة عليّ الطاهر فوق مدينة النبطيّة.
يحرّر إجراء من هذا النوع “الحزب” من التشدّد في شأن مسألة سلاحه جنوب الليطاني، وفي النقاش اللاحق شمال الليطاني. ويساعد ذلك طهران على مواجهة الدعاية في وسط بيئة “المقاومة”، التي تتّهمها بالتخلّي عن “الحزب” والجنوب، في مقايضاتها مع أميركا. وهذا ما يثبت أنّها قامت بخطوة تساهم في الانسحاب الإسرائيليّ، بدلاً من أن تحصر مقايضاتها، عبر تصعيدها في مضيق هرمز، للحصول على جزء من أرصدة ماليّة أو أيّ أمر آخر.
تحقّق خطوة كهذه للرئيس برّي مع “الحزب” نجاحاً لمراهنته على أنّ التوافق الأميركيّ ـ الإيرانيّ يأتي بنتائج لمصلحة لبنان أكثر من الاتّفاق الإسرائيليّ ـ اللبنانيّ برعاية أميركيّة. وهناك في قيادة “الحزب” من يعتقد ضرورة إنهاء الحرب والتوصّل إلى تسوية مع السلطات اللبنانيّة لمعالجة خسائره الكارثيّة.
وفق “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ الإسرائيليّ، هناك خشية من الوقوع مرّة أخرى في الحلقة المفرغة نفسها
قاليباف والاستعداد للحرب المقبلة
في تصريح له بالأمس قال رئيس البرلمان الإيرانيّ، رئيس الوفد المفاوض مع الولايات المتّحدة، محمّد باقر قاليباف: “على كلّ مكوّنات لبنان العمل على تنفيذ البند الخاصّ به في مذكّرة التفاهم لأنّه يمنع الفتن”، قاصداً البند الأوّل من مذكّرة التفاهم الأميركيّة ـ الإيرانيّة الذي يُلزم إسرائيل بوقف الحرب على جبهة لبنان. لكنّ كلامه يطرح ما يلي: هل يلتزم هو وغيره من المسؤولين الإيرانيّين القسط المنوط بهم لوقف الحرب على البلد؟ المسؤولون الإيرانيّون لا يتركون مناسبة إلّا ويتشكّكون في نيّتهم إبقاء لبنان ساحة لحربهم مع الولايات المتّحدة في سياق الترتيبات التي تُرسم لمواقع النفوذ في المنطقة.
إقرأ أيضاً: لبنان يستظلّ أميركا والسعودية لرفض الاحتلالَين
قاليباف نفسه كان قال آخر شهر أيّار الماضي، في خضمّ المفاوضات مع الجانب الأميركيّ بوساطة باكستانيّة: “الطرف الأكثر استعداداً للحرب في اليوم التالي هو الأقدر على تحقيق مكاسب بأيّ اتّفاق… الاتّفاقات السياسيّة لا تُعدُّ نهايةً للصراع أو التنافس، بل مرحلة من مراحل إدارته، وهو ما يفرض الحفاظ على عناصر الردع والقوّة حتّى بعد التوصّل إلى أيّ تسوية”. وهو كلام ماكر أقرب إلى إجازة لإسرائيل أن تستميل إدارة دونالد ترامب لمصلحة خبث القيادة اليمينيّة الإجراميّ في تل أبيب في خطّتها لتوسيع وجودها الأمنيّ في الأحزمة الأمنيّة التي يتبجّح نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بالاحتفاظ بها في لبنان وسوريا وغزّة. ويعطّل الأدوار العربيّة والأوروبيّة الساعية لدى واشنطن لإنقاذ لبنان من البراثن الإسرائيليّة. فأيّ مفهوم لعمليّة إنهاء الحرب يفترض اعتماده بكلام قاليباف؟ وهل تنتقل طهران إلى الاقتناع بأنّ دورها الإقليميّ يستند إلى “القوّة الناعمة”، بدل القوّة العسكريّة، في ظلّ إجماع دوليّ وعربيّ على إنهاء الدور المسلّح لأذرعها وحلفائها، والعراق هو المثل؟
لمتابعة الكاتب على X:
