هرمز في حسابات الخليج: الاستقرار قبل الإيرادات

مدة القراءة 4 د

أعاد الحديث المتصاعد عن فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز طرح أسئلة تتجاوز الجوانب الماليّة المباشرة إلى مستقبل التجارة والطاقة في منطقة الخليج. ويكتسب هذا النقاش حساسيّة إضافيّة في ظلّ المفاوضات الجارية بين الولايات المتّحدة وإيران، التي تسير بخطوات بطيئة وحذرة، لا تخلو من الخروقات العسكريّة، وسط ترقّب إقليميّ ودوليّ لنتائجها وانعكاساتها على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.

 

تُطرح فكرة الرسوم أحياناً باعتبارها وسيلة لتعظيم العوائد أو إعادة تنظيم حركة العبور، إلّا أنّ النظرة الخليجيّة إلى مضيق هرمز تختلف جذريّاً عن هذا المنطق. فدول المنطقة لم تبنِ استراتيجياتها الاقتصاديّة خلال العقود الأخيرة على فرض القيود على التجارة، بل على تسهيلها وجذبها وتوسيع نطاقها.

تكفي الإشارة إلى أنّ جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز الخليجيّة يمرّ عبر المضيق، إلى جانب حجم ضخم من الواردات والسلع والبضائع المتّجهة إلى أسواق المنطقة. وبالتالي أيّ رسوم إضافيّة أو ترتيبات جديدة تزيد كلفة العبور لن تقتصر آثارها على الشركات الأجنبيّة أو الدول المستورِدة للطاقة، بل ستطال الاقتصادات الخليجيّة نفسها التي تعتمد على تدفّق التجارة وانخفاض كلفة النقل للحفاظ على تنافسيّتها.

استقرار الممرّات جزء من معادلة النّموّ

خلال السنوات الماضية استثمرت دول الخليج، وفي مقدَّمها الإمارات والمملكة السعوديّة وقطر وسلطنة عُمان، مليارات الدولارات في تطوير الموانئ والمناطق الاقتصاديّة والبنية التحتيّة اللوجستيّة، بهدف ترسيخ مكانة المنطقة بجعلها مركزاً عالميّاً للتجارة والخدمات وسلاسل الإمداد. من هذا المنطلق يصبح استقرار الممرّات البحريّة وخفض كلفة استخدامها جزءاً أساسيّاً من معادلة النموّ الاقتصاديّ، وليسا قضيّة أمنيّة أو سياسيّة.

تبدو المصلحة الخليجيّة أقرب إلى دعم أيّ تفاهمات من شأنها تعزيز استقرار الملاحة وضمان حرّيّة العبور في المضيق، بدلاً من إدخال عناصر جديدة قد تزيد من تعقيد المشهدين الاقتصاديّ والتجاريّ

لم تعُد أهميّة مضيق هرمز مرتبطة بالنفط وحده كما كان الحال قبل عقود. إذ تمرّ عبر المنطقة اليوم شبكات واسعة من التجارة والاستثمارات والخدمات اللوجستيّة المرتبطة باقتصادات آسيا وأوروبا وإفريقيا. وتشير التقديرات الدوليّة إلى أنّ نحو خُمس النفط المتداوَل عالميّاً يعبر من خلال المضيق، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعيّ المسال، وهذا ما يجعله أحد أكثر الممرّات البحريّة حساسيّة وتأثيراً في الاقتصاد العالميّ.

من هنا ستنعكس أيّ رسوم جديدة على العبور بصورة أو بأخرى على أسعار الطاقة وكلف التأمين البحريّ والشحن الدوليّ. وستكون الاقتصادات الآسيويّة، وفي مقدَّمها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبيّة، من أكثر الأطراف متابعة لهذا الملفّ بحكم اعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة الآتية من الخليج.

لكنّ الجانب الأكثر أهميّة يتمثّل في التوقيت. يأتي النقاش المتعلّق بالرسوم بينما تتابع المنطقة والعالم مسار المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة التي لم تصل بعد إلى تفاهمات نهائيّة بشأن عدد من الملفّات الرئيسة. وفي مثل هذه الظروف تصبح أيّ إشارة تتعلّق بالملاحة أو الطاقة أو حركة التجارة موضع متابعة دقيقة من الأسواق والمستثمرين وشركات النقل البحريّ.

لا يبدو أنّ دول الخليج تنظر إلى هذه التطوّرات من زاوية المكاسب الماليّة المحتملة، بل من زاوية الاستقرار الاقتصاديّ الطويل الأمد. فالتجربة أثبتت أنّ ازدهار المنطقة ارتبط دائماً بانسياب التجارة وحركة الطاقة، بينما كانت فترات التوتّر وعدم اليقين تنعكس سريعاً على الأسواق والاستثمارات وتكاليف النقل والتأمين.

إقرأ أيضاً: الحملة على السعوديّة: لكي لا يموت “الحزب” كمداً!

دعم التّفاهمات

لهذا السبب تبدو المصلحة الخليجيّة أقرب إلى دعم أيّ تفاهمات من شأنها تعزيز استقرار الملاحة وضمان حرّيّة العبور في المضيق، بدلاً من إدخال عناصر جديدة قد تزيد من تعقيد المشهدين الاقتصاديّ والتجاريّ. فاقتصادات المنطقة أصبحت مرتبطة بالتجارة العالميّة أكثر من أيّ وقت مضى، وأصبحت قدرتها على جذب الاستثمارات مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتها على توفير بيئة مستقرّة وقابلة للتنبّؤ.

في النهاية، لا تكمن أهميّة مضيق هرمز بالنسبة لدول الخليج في كونه ممرّاً يمكن فرض رسوم إضافيّة على مستخدميه، بل في كونه شرياناً حيويّاً لاستمرار تدفّق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب. وبينما تستمرّ المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة بحذر، يبقى الرهان الخليجيّ الأساسيّ على استقرار هذا الممرّ الاستراتيجيّ، لأنّ كلفة أيّ اضطراب فيه ستكون أكبر بكثير من أيّ عوائد يمكن تحقيقها من فرض رسوم على العبور.

مواضيع ذات صلة

عندما أدار الرئيس برّيّ ظهره لقاموس “الحزب”

سأل رجل له حيثيّته في المطابخ السياسيّة اللبنانيّة أحد قياديّي “الحزب”: من أجل كابلات الاتّصالات الأرضيّة قمتم باحتلال بيروت ومحاصرة السراي الحكوميّ عام 2008، فما…

خيبة تاجرَ العقارات وحائك السّجّاد

مضت عشرة أيّام من مهلة الستّين يوماً القابلة للتجديد، التي اتّفقت واشنطن وطهران عليها. تعدّ دول المنطقة والعالم الأيّام التي سيؤجّل معها تنفيذ مذكّرة التفاهم،…

الحملة على السعوديّة: لكي لا يموت “الحزب” كمداً!

“كان سيموت كمداً لو ظلّ حيّاً”. الكلام عن الأمين العامّ الراحل لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، والقائل ليس ضابطاً إسرائيليّاً، بل أرفع مسؤول أمنيّ في “الحزب”…

نتنياهو يهرب من الانتخابات إلى التّصعيد العسكريّ؟

مع اقتراب إسرائيل من استحقاق انتخابيّ خلال الأشهر الأربعة المقبلة، يدخل رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحله السياسيّة تعقيداً، وسط تراكم أزمات…