رباعيّة العَلمين: ولادة محور استقرار جديد

مدة القراءة 5 د

هل تشهد مدينة العلمين في مصر ولادة محور استقرار جديد أم هي خطوة أولى نحو بناء إطار تعاون مستدام بين أربع دول قادرة على فعل المستحيل في السياسة والأمن والاقتصاد؟

 

في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تستضيف مدينة العلمين الجديدة في مصر اليوم الأحد اجتماعاً وزاريّاً رباعيّاً يضمّ وزراء خارجيّة مصر بدر عبد العاطي، والمملكة السعوديّة فيصل بن فرحان آل سعود، وتركيا هاكان فيدان، وباكستان محمد إسحاق دار، في خطوة تحمل أبعاداً سياسيّة واستراتيجيّة تتجاوز إطار التنسيق الدبلوماسيّ التقليديّ، وتشير إلى محاولة بناء إطار إقليميّ جديد للتعامل مع التحدّيات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تواجه الشرق الأوسط.

يأتي الاجتماع في مرحلة دقيقة تتزامن مع مساعي التهدئة في عدد من بؤر التوتّر الإقليميّة، ومع بروز مؤشّرات إلى إعادة تشكيل العلاقات بين عدد من القوى المؤثّرة في المنطقة، وهو ما يمنح اللقاء أهميّة استثنائيّة ويجعله محطّ متابعة من مختلف العواصم العربيّة والإقليميّة.

رباعيّة صلبة في ظروف صعبة

تكمن أهميّة الاجتماع في طبيعة الدول المشاركة فيه، إذ يجمع بين أربع قوى تمتلك تأثيراً مباشراً في العديد من ملفّات المنطقة:

– مصر تلعب دوراً محوريّاً في القضايا العربيّة، ولا سيما في الملفّ الفلسطينيّ وأمن البحر الأحمر.

– المملكة العربيّة السعودية تمثّل ضمانة دوليّة وثقلاً سياسيّاً واقتصاديّاً كبيراً، وتقود جهوداً عربيّة واسعة لدعم الاستقرار والتنمية ومنع التقسيم في كامل الخارطة العربيّة والإسلاميّة.

– تركيا تُعدّ لاعباً أساسيّاً في ملفّات سوريا والقوقاز وشرق المتوسّط.

– باكستان تشكّل قوّة إسلاميّة كبرى ترتبط بعلاقات متينة مع العديد من دول المنطقة، وأهمها اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية وتتمتّع بدور متنامٍ في الوساطات الدبلوماسيّة، وآخِرتها الوساطة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران.

يحمل لقاء العلمين رسائل سياسيّة تتجاوز الملفّات المطروحة على جدول أعماله

تشير المعطيات إلى أنّ أحد أبرز أهداف الاجتماع يتمثّل في إطلاق آليّة تشاور وتنسيق سياسيّ بين الدول الأربع تسمح بتبادل وجهات النظر بشكل دوريّ حيال الأزمات الإقليميّة.

تؤكّد مصادر “أساس” أنّ الهدف الجامع للدول الأربع هو بناء إطار تعاون مستدام يتيح تنسيق المواقف وتطوير المبادرات المشتركة بما يعزّز الاستقرار ويحدّ من احتمالات التصعيد في المنطقة.

تضيف المصادر أنّ هذه الخطوة قد تشكّل نواة لتكتّل إقليميّ قادر على لعب دور مؤثّر في معالجة الأزمات السياسيّة والأمنيّة بعيداً عن الاصطفافات التقليديّة التي طبعت المشهد الإقليميّ خلال السنوات الماضية.

التّهدئة الإقليميّة أوّلاً

تحظى جهود التهدئة في الشرق الأوسط بحيّز أساسيّ من المناقشات، خصوصاً في ظلّ التطوّرات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

سيتناول الاجتماع ملفّات متعدّدة تتّصل بمستقبل الاستقرار في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق، إضافة إلى متابعة انعكاسات التفاهمات الدوليّة والإقليميّة المستجدّة على الواقعَين السياسيّ والأمنيّ في المنطقة.

العلمين

يُتوقّع أن يبحث الوزراء سبل دعم الحلول السياسيّة للنزاعات وتشجيع الحوار خياراً أساسيّاً لمعالجة الأزمات القائمة.

رسائل سياسيّة تتجاوز حدود الاجتماع

إلى جانب الملفّات السياسيّة والأمنيّة، يحضر البعد الاقتصاديّ بقوّة على جدول الأعمال، إذ تسعى الدول الأربع إلى تعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والتجارة والنقل.

يمتلك هذا المحور أهمّيّة خاصّة نظراً للموقع الجغرافيّ الاستراتيجيّ الذي تتمتّع به الدول المشاركة، والذي يشكّل جسراً يربط بين آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.

تكمن أهميّة الاجتماع في طبيعة الدول المشاركة فيه، إذ يجمع بين أربع قوى تمتلك تأثيراً مباشراً في العديد من ملفّات المنطقة

يرى خبراء أنّ تعزيز التعاون الاقتصاديّ بين هذه الدول يمكن أن يفتح الباب أمام مشاريع إقليميّة كبرى تساهم في دعم النموّ الاقتصاديّ وتوفير فرص استثماريّة جديدة.

يحمل لقاء العلمين رسائل سياسيّة تتجاوز الملفّات المطروحة على جدول أعماله، إذ يعكس اتّجاهاً متزايداً لدى عدد من الدول المؤثّرة نحو بناء شبكات تعاون إقليميّة أكثر استقلاليّة وقدرة على التعامل مع الأزمات من داخل المنطقة.

يعكس رغبة مشتركة في الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة الاستقرار عبر تطوير آليّات تعاون طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة والحوار السياسيّ.

ماذا يعني الاجتماع للبنان؟

يكتسب الاجتماع أهمّيّة خاصّة بالنسبة للبنان في ظلّ التطوّرات السياسيّة والأمنيّة التي تشهدها المنطقة، فقد تنعكس أيّ تفاهمات إقليميّة جديدة بين القوى المشاركة على الملفّات اللبنانيّة، سواء لجهة تثبيت الاستقرار الأمنيّ أو دعم الجهود الرامية إلى معالجة الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة.

قد يوفّر نجاح الدول الأربع في بلورة رؤية مشتركة للمنطقة مظلّة سياسيّة داعمة لمسارات التهدئة والحوار التي يحتاج إليها لبنان خلال المرحلة المقبلة.

محور استقرار جديد؟

على الرغم من أنّ من المبكر الحديث عن تحالف سياسيّ جديد، قد يشكّل اجتماع العَلمين خطوة أولى نحو تأسيس منصّة إقليميّة دائمة تضمّ دولاً تمتلك ثقلاً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً كبيراً.

إذا ما نجحت هذه الدول في تحويل اللقاء من مناسبة دبلوماسيّة عابرة إلى إطار تعاون مستدام، فقد يكون الشرق الأوسط أمام تجربة جديدة قادرة على المساهمة في إدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار الإقليميّ خلال السنوات المقبلة.

إقرأ أيضاً: لبنان ومفاتيح الشرق الأوسط الجديد

بانتظار صدور البيان الختاميّ، يبقى اجتماع العَلمين واحداً من أبرز الأحداث الدبلوماسيّة في عام 2026 لِما يحمله من مؤشّرات إلى إعادة ترتيب أولويّات المنطقة وبناء مقاربات جديدة للتعامل مع تحدّياتها المتعدّدة.

مواضيع ذات صلة

إيلون ماسك… “نبيّ” التّكنولوجيا

من قال إنّ الدين والعلم لا يلتقيان؟ ملأ إيلون ماسك الفجوة بينهما وقلّصها. قلّصها كثيراً حتّى يُخيّل إلى البعض أنّ المسيح عاد، على الأقلّ فعلاً…

مليار يتابعون افتتاح المونديال… هل يحضر ترامب؟

في الوقت الذي ينشغل قادة العالم بمآلات التوتر العسكري في مضيق هرمز بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتجه أنظار الشعوب في العالم اليوم، في تمام…

“الفراعنة” في مونديال 2026: الرّهان على محمّد صلاح

تعود مشاركة مصر في كأس العالم إلى عام 1934، حين كانت أوّل منتخب إفريقيّ يطأ أرض المونديال. غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن في…

إيران في مونديال 2026: التّأشيرات معلّقة… والإقامة في المكسيك

نجح المنتخب الإيرانيّ في ضمان تذكرته إلى مونديال 2026 بعد مسيرة تصفيات قويّة في القارّة الآسيويّة. أنهى المنتخب حملته التصفويّة بتحقيق المركز الأوّل في المجموعة…