لبنان ومفاتيح الشرق الأوسط الجديد

مدة القراءة 7 د

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بحجم التغييرات التي تفرضها على الخرائط السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو المنطقة اليوم أمام واحدة من أكبر عمليّات إعادة رسم التوازنات منذ نهاية الحرب الباردة.

 

بعد سنوات طويلة من المواجهات المفتوحة بين الولايات المتّحدة وإيران، والحروب المتلاحقة في غزّة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، بدأت تتبلور معالم مرحلة جديدة عنوانها الأساسيّ: تثبيت مناطق النفوذ وتقاسم الأدوار لا إسقاط الأنظمة أو تغيير الحدود التقليديّة للدول.

في قلب هذه التحوّلات تبرز ثلاث نقاط جيوسياسيّة تشكّل مفاتيح الشرق الأوسط الجديد:

1- مضيق هرمز.

2- جنوب الليطاني.

3- قطاع غزّة.

ليست مناطق جغرافيّة وحسب، بل عقد استراتيجيّة تختصر الصراع على الطاقة والأمن والتجارة والنفوذ الإقليميّ.

هرمز: الممرّ الأميركيّ الجديد

لم يكن مضيق هرمز يوماً ممرّاً مائيّاً عاديّاً، فمن خلاله يمرّ جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالميّة، وأيّ اضطراب فيه ينعكس فوراً على الاقتصاد الدوليّ وأسواق الطاقة.

خلال السنوات الماضية استخدمت إيران المضيق كورقة ضغط استراتيجيّة في مواجهة الولايات المتّحدة وحلفائها. إلّا أنّ التطوّرات الأخيرة دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في فلسفة إدارة أمن الخليج، فبدلاً من سياسة الردع عن بُعد، يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة تتّجه نحو تثبيت حضور أمنيّ طويل الأمد يضمن عدم تحوّل المضيق مجدّداً إلى أداة ابتزاز سياسيّ أو عسكريّ.

من هنا يرى عدد من الخبراء أنّ إحدى أهمّ نتائج المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة تتمثّل في تحويل أمن المضيق إلى ملفّ دوليّ دائم تشرف عليه واشنطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة فيمنحها ورقة استراتيجيّة كبرى في أيّ توازنات مقبلة.

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بحجم التغييرات التي تفرضها على الخرائط السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة

جنوب اللّيطاني: الجبهة التي ستحدّد مستقبل لبنان

إذا كان هرمز يمثّل شريان الطاقة العالميّ، فإنّ جنوب الليطاني يمثّل العقدة الأمنيّة الأخطر في شرق المتوسّط، فالمنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الفلسطينيّة المحتلّة تحوّلت منذ عقود إلى خطّ تماسّ مباشر بين إسرائيل وإيران عبر “الحزب”. وبعد الحرب الأخيرة أصبح السؤال الأساسيّ لدى المجتمع الدوليّ: كيف يمكن منع عودة المواجهة؟

هنا تكمن المعضلة الكبرى. تطالب القوى الغربيّة بتطبيق كامل للقرارات الدوليّة وبضمان عدم استخدام الجنوب منصّة عسكريّة ضدّ إسرائيل، فيما تدرك في الوقت نفسه أنّ أيّ ترتيبات مستقرّة تحتاج إلى موافقة إيرانيّة غير مباشرة بحكم النفوذ الذي تمارسه طهران على “الحزب”.

الشرق الأوسط

لذلك يبدو أنّ المرحلة المقبلة لن تشهد حلّاً جذريّاً بقدر ما ستشهد إدارة جديدة للواقع القائم تقوم على ضبط الحدود وتثبيت الهدوء ومنع الانزلاق نحو حرب واسعة، مع استمرار المفاوضات على مستقبل الدور العسكريّ لـ”الحزب” داخل المعادلة اللبنانيّة.

غزّة: الأرض الصّغيرة التي تختزن ثروات كبرى

على الرغم من الدمار الهائل الذي أصاب القطاع لا تزال غزّة تمثّل إحدى أهمّ العقد الجيوسياسيّة في المنطقة، فإلى جانب البعد الفلسطينيّ والإسرائيليّ التقليديّ برز خلال السنوات الأخيرة عامل جديد يتمثّل في ثروات الغاز الطبيعيّ الموجودة قبالة سواحل القطاع ضمن حوض شرق المتوسّط.

تدرك إسرائيل أنّ السيطرة على المشهدين الأمنيّ والسياسيّ في غزّة تمنحها قدرة أكبر على إدارة ملفّ الطاقة الإقليميّ، وتدرك الولايات المتّحدة أنّ أيّ تسوية طويلة الأمد يجب أن تراعي المصالح الاقتصاديّة المرتبطة بخطوط الغاز والاستثمارات الدوليّة.

لهذا السبب يرى كثير من المراقبين أنّ ملفّ غزّة لم يُحسم بعد، وأنّه سيبقى جزءاً أساسيّاً من المفاوضات الإقليميّة المقبلة، سواء جرت بصورة مباشرة أو عبر ترتيبات متعدّدة الأطراف.

من مضيق هرمز إلى جنوب الليطاني وغزّة، تتشكّل اليوم ملامح الشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط لا تُرسم حدوده بالجغرافيا، بل بموازين القوّة

لبنان بين إعادة الإعمار وإعادة التّموضع

بعيداً عن الجغرافيا العسكريّة، يواجه لبنان تحدّياً أكثر تعقيداً يتمثّل في مرحلة ما بعد الحرب، فملفّ إعادة الإعمار لن يكون مشروعاً هندسيّاً أو ماليّاً، بل سيشكّل عنواناً للصراع السياسيّ الداخليّ خلال السنوات المقبلة، فمصادر التمويل، آليّات التوزيع، والجهات المشرفة على التنفيذ كلّها أسئلة ستحدّد شكل التوازنات السياسيّة الجديدة.

من هنا يتوقّع كثيرون أن يتحوّل ملفّ الإعمار إلى المدخل الرئيس لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة اللبنانيّة والقوى السياسيّة المختلفة، بما فيها “الحزب”.

في المقابل، تتزايد المؤشّرات إلى أنّ “الحزب” يدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي عاشها منذ عام 2006، فالبيئة الإقليميّة تغيّرت، والأولويّات الإيرانيّة نفسها تشهد تحوّلات، والكلفة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للحروب المتكرّرة أصبحت مرتفعة جدّاً على بيئته الحاضنة.

لهذا يتوقّع أن تكون السنوات المقبلة سنوات انتقال تدريجيّ من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة إعادة التنظيم والتموضع، مع بقاء “الحزب” لاعباً أساسيّاً في المعادلة اللبنانيّة، لكن ضمن ظروف مختلفة عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة.

برّي وجنبلاط والشّرع

في موازاة التحوّلات الإقليميّة، يبرز دور ثلاثة لاعبين إقليميّين ومحليّين قد يكون لهم تأثير مباشر في المرحلة المقبلة.

في لبنان يحتفظ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بموقعه كأحد أهمّ الوسطاء القادرين على التواصل مع مختلف القوى المحليّة والخارجيّة، فيما يستمرّ الزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط في لعب دور بيضة القبّان في المحطّات المفصليّة.

أمّا في سوريا فيسعى الرئيس أحمد الشرع إلى تثبيت موقع بلاده داخل النظام الإقليميّ الجديد، مستفيداً من الانفتاح العربيّ والدوليّ المتدرّج على دمشق.

في قلب هذه التحوّلات تبرز ثلاث نقاط جيوسياسيّة تشكّل مفاتيح الشرق الأوسط الجديد

السّعوديّة وإيران… هل بدأ التّفاهم على لبنان؟

يبقى السؤال الأكثر أهميّة: هل دخل لبنان فعلاً في صلب التفاهمات السعوديّة – الإيرانيّة؟

المؤكّد أنّ الرياض وطهران لا ترغبان في انفجار الساحة اللبنانيّة، وترى واشنطن في الاستقرار اللبنانيّ ضرورة لحماية الترتيبات الجديدة في المنطقة.

أمّا غير المؤكّد فهو تحوّل الرغبة المشتركة إلى اتّفاقات تفصيليّة على مستقبل لبنان السياسيّ والأمنيّ. فوزير الخارجية السعودي شدّد أمام المجلس الأوروبي على أنّ “استعادة الثقة” قبل أي تعاون اقتصادي مع إيران.

لكنّ ما يمكن قوله أنّ لبنان عاد مجدّداً إلى طاولة التفاهمات الإقليميّة، وأنّ كثيراً من القرارات التي ستحدّد مستقبله خلال السنوات المقبلة لن تُتّخذ في بيروت وحدها، بل ستتأثّر أيضاً بما يجري في الرياض وطهران وواشنطن ودمشق وتل أبيب.

قد لا تكون المنطقة مقبلة على سلام شامل، لكنّها بالتأكيد تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفتها خلال العقدين الماضيين، فالحروب الكبرى تقترب من نهاياتها، فيما تبدأ معارك النفوذ وتقاسم المصالح.

إقرأ أيضاً: الحافة الحدوديّة أسهل من حافة السّراي

من مضيق هرمز إلى جنوب الليطاني وغزّة، تتشكّل اليوم ملامح الشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط لا تُرسم حدوده بالجغرافيا، بل بموازين القوّة والطاقة والاقتصاد والتحالفات الدوليّة.

أمّا لبنان فسيجد نفسه مرّة جديدة في قلب هذه التحوّلات، بين فرصة استعادة دوره ودولته، وخطر أن يتحوّل مجدّداً إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

إقحام ترامب دمشق: أفكار “تجريبيّة” عن لبنان

ما تناولته مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة بشأن وقف النار في لبنان، حوّله إلى ميدان التحدّي الأوّل لإنجاح أو فشل ما يليها من تفاوض. الستّون يوماً…

الحافة الحدوديّة أسهل من حافة السّراي

قد تبدو عودة “الحزب” إلى قرى الحافة الحدوديّة الجنوبيّة التي تحتلّها إسرائيل أسهل من عودته إلى حافة السور الخارجيّ للسراي الحكوميّ في بيروت. فعلى الرغم…

صراع إرادات بين أوروبا وروسيا في بحر البلطيق

هل تحولت منطقة البلطيق إلى إحدى أخطر ساحات التنافس بين روسيا والغرب؟ وهل تعكس المناورات العسكرية المتزامنة استعداداً لحرب محتملة أم أنها مجرد رسائل ردع…

مذكرة التّفاهم: تُنعش إيران وتُفخخ لبنان

كرّست مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتّحدة وإيران حالة التباس في موازين القوى التي انتهت إليها جولة الحرب التي انطلقت في 28 شباط وتوقّفت في…