قد تبدو عودة “الحزب” إلى قرى الحافة الحدوديّة الجنوبيّة التي تحتلّها إسرائيل أسهل من عودته إلى حافة السور الخارجيّ للسراي الحكوميّ في بيروت. فعلى الرغم من كثافة الوجود العسكريّ الإسرائيليّ وتفوّقه التقنيّ عند قرى الحافة وصولاً إلى نهر الليطاني، يبقى هذا الوجود والتفوّق، وفقاً للقوانين والشرائع الدوليّة، احتلالاً من دولة لأراضي دولة أخرى. وقدر أيّ احتلال عبر التاريخ هو الانسحاب والانكفاء وعودة الأرض إلى أصحابها. أمّا الوضع عند الحافة البيروتيّة للسراي الحكوميّ فيبدو أكثر تعقيداً وصعوبة، بل يكاد يكون مستحيلاً وفقاً للوقائع الدوليّة والإقليميّة وحتّى المحليّة.
خلال شهرين كاملين، بين 11 نيسان 2026 و11 حزيران من العام نفسه، قام “الحزب” بمحاولتَي انقلاب على الرئيس نوّاف سلام وحكومته بهدف إسقاطها وإعلان الانتصار. وفي المرّتين برز عاملان واضحان أسقطا الانقلاب.
الانقلاب الأوّل
في 11 نيسان 2026، تجمّع أنصار “الحزب” أمام السراي الحكوميّ في وسط بيروت تلبية لدعوة وجّهها “الحزب” بشكل غير رسميّ لكن على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ وميليشياته الإلكترونيّة، مستحضرين أعلاماً لهم ولقوى سياسيّة أخرى من دون استئذان.
اختلطت أعلام “تيّار المستقبل” و”المرابطون” وصور الزعيم كمال جنبلاط بعضها ببعض، من دون إغفال رايات “التيّار الوطنيّ الحرّ” البرتقاليّة، الحاضرة في أعراس الممانعة ومهرجاناتها.
قد تبدو عودة “الحزب” إلى قرى الحافة الحدوديّة الجنوبيّة التي تحتلّها إسرائيل أسهل من عودته إلى حافة السور الخارجيّ للسراي الحكوميّ في بيروت
بسحر ساحر، انقلب الشعار من “سندخل إلى السراي” إلى نداء: “نطلب من الإخوة الانسحاب من الساحة المواجهة للسراي”، تحت أنظار رئيس حكومة الاستقلال الأوّل رياض الصلح، الثابت بوقفته قبالة مبنى السراي وهو يضع يده في جيبه وكأنّه يستهزئ بما آلت إليه الأمور.
تكشف كواليس ذلك اليوم أنّ اتّصالين كانا كفيلين بإحباط الانقلاب. جاء الأوّل من قصر المهاجرين في دمشق، وأكّد فيه الرئيس السوريّ أحمد الشرع للرئيس نوّاف سلام وقوف سوريا إلى جانب لبنان وحكومته واستقراره وأمنه. أمّا الاتّصال الثاني فجاء من عين التينة، حيث مقرّ الضامن للسلم الأهليّ، رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وكان مضمون الرسالة واضحاً: لا انقلاب ولا انقلابيّين، والحكومة مستمرّة، بل إنّني متمسّك باستمرارها.
الانقلاب الثّاني
في 11 حزيران 2026، وما إن أُعلن أنّ المفاوضات بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران توصّلت إلى اتّفاق إطار لوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، حتّى خرج كثيرون من جحورهم مطالبين برحيل الحكومة، كلّ على طريقته وفي موقعه، من صحف ومواقع إلكترونيّة وصولاً إلى المفتي الجعفريّ أحمد قبلان. كان الشعار واحداً: إسقاط الحكومة الآن.
للمرّة الثانية، وبسحر ساحر أيضاً، انكفأ الشعار، حتّى غاب كليّاً عن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الأخير، فتحدّث عن حوار داخليّ ووحدة وطنيّة، وتجاهل الحكومة ورئيسها سلباً وإيجاباً، ذاكراً فقط رئاسة الجمهوريّة، ومستبدلاً اسم الحكومة ورئيسها بمصطلح “السلطة السياسيّة”.
حسناً فعل الشيخ نعيم، إذ تبدو حكومة الرئيس نوّاف سلام أوّل حكومة منذ عام 2005 تمارس السلطة السياسيّة وفقاً للدستور، لا السلطة الافتراضيّة التي كانت تغطّي سلطة أمر واقع كان يمثّلها “الحزب”.
مَن أتى بهذه الحكومة هو وحده القادر على إسقاطها. ومن رعى تشكيلها هو نفسه من رعى وقف إطلاق النار ووقّع ورقة التفاهم مع الإيرانيّ، واسمه دونالد ترامب
“مش وقتها”… الكلمة التي أوقفت التّصعيد
جاء التبدّل الذي حصل، وفقاً لمعلومات متقاطعة، عبر اتّصالين أيضاً.
الأول كشفه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وكان بينه وبين الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وطلب فيه ترامب من الشرع التدخّل في لبنان لمعالجة ملفّ سلاح “الحزب”. أمّا الاتّصال الثاني، ومجدّداً من عين التينة، فجاء من الرئيس نبيه برّي إلى قياديّ كبير في “الحزب”، واختُصر بكلمة واحدة: “مش وقتها”.
تحوّل “الحزب” خلال شهرين من “حزب مقاومة” إلى “حزب الانقلابات”، والأدهى في هذا التحوّل أنّه بات حزب الانقلابات الفاشلة.
ما يجب أن يدركه “الحزب”، كي لا يترسّخ هذا التوصيف بحقّه، أنّ تكليف رئيس محكمة العدل الدوليّة القاضي نوّاف سلام برئاسة الحكومة اللبنانيّة في 13 كانون الثاني 2025 لم يأتِ نتيجة صراع كتل نيابيّة داخليّة أو نتيجة انتخابات نيابيّة، ولا على شاكلة حكومات سُمّيت زوراً حكومات وحدة وطنيّة، بل جاء برعاية دوليّة أميركيّة أوروبيّة وعربيّة لإعادة تشكيل السلطة في لبنان.
عندما شكّل الرئيس نوّاف سلام حكومته في الثامن من شباط 2025، لم تكن حكومة محاصصة على القاعدة السابقة، على الرغم من تمثيل القوى الرئيسة فيها، بل كان للرئيس سلام الرأي النهائيّ في الأسماء والوجوه، وكاد أن يتدخّل بلون ربطات العنق التي سيرتديها وزراء “الحزب” أو المقربّون منه للمرّة الأولى بعد طول امتناع عن ارتدائها عندما يدخلون إلى السراي الحكوميّ.
وبالتالي مَن أتى بهذه الحكومة هو وحده القادر على إسقاطها. ومن رعى تشكيلها هو نفسه من رعى وقف إطلاق النار ووقّع ورقة التفاهم مع الإيرانيّ، واسمه دونالد ترامب.
إقرأ أيضاً: حكومة الصّمود السّياسيّ: إسقاطها كسرٌ للدّولة
حكومة الرئيس نوّاف سلام لا يمكن إسقاطها إلّا عبر مسلكين:
- انتخابات نيابيّة تكون نتائجها لمصلحة من يريد لهذه الحكومة أن ترحل.
- تسوية دوليّة تعيد رسم تفاصيل المنطقة كلّها، ليس عند جسر سليم سلام المؤدّي إلى السراي الحكومي، بل من مضيق هرمز وصولاً إلى الحدود الشرقيّة بين لبنان وسوريا.
أمّا ما دون ذلك فالعزاء لأصحاب أحلام العصافير. فلا الزقزقة تغني عن الموسيقى، ولا الزمن زمن الاسترخاء والاستماع إليها، بل هو زمن البحث عن إجابات لأسئلة صعبة، ربّما أبرزها: كيف نعيد إعمار ما تهدّم في الجنوب والضاحية؟ من يموّل؟ وكيف يتمّ التمويل؟ ومن لديه الرغبة أصلاً في التمويل؟
لمتابعة الكاتب على X:
