حكومة الصّمود السّياسيّ: إسقاطها كسرٌ للدّولة

مدة القراءة 6 د

ليست المشكلة في الحكومة الحاليّة، بل في الميل المزمن داخل الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى التعامل مع كلّ أزمة باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس السلطة من جديد. لا يوجد بلد يستطيع بناء استقرار دائم إذا كانت شرعيّة سلطاته موضع مراجعة بعد كلّ حرب أو أزمة.

 

 

لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينتج استمراريّة فعليّة إذا ظلّ أسير فكرة أنّ كلّ تحوُّل إقليميّ أو أمنيّ يستوجب إعادة تركيب مؤسّساته من الصفر. ومن هنا تحديداً تكتسب الدعوات المتكرّرة إلى تعديل الحكومة أو إسقاطها أهميّة تتجاوز الحكومة نفسها، لأنّها تعيد فتح نقاش يفترض أنّ لبنان دفع أثماناً باهظة للخروج منه.

لقد دخل لبنان الحرب منذ الثاني من آذار مثقلاً بأزمات سياسيّة واقتصاديّة ومؤسّساتيّة متراكمة. وكان من السهل، في ظلّ هذه الظروف، أن تنزلق البلاد إلى أزمة حكم جديدة أو إلى دورة إضافيّة من الشلل والانقسام. إلّا أنّ الحكومة برئاسة القاضي نوّاف سلام نجحت في الحفاظ على استمراريّة السلطة التنفيذيّة ومنعت تحوُّل تداعيات الحرب إلى انهيار سياسيّ داخليّ شامل، وهو ما منحها بعداً يتجاوز حدود العمل الحكوميّ التقليديّ.

لم يكن هذا الصمود السياسيّ منفصلاً عن الاستقرار الدستوريّ الذي تحقّق مع انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهوريّة بعد فراغ رئاسيّ طويل أنهك مؤسّسات الدولة وأضعف قدرتها على العمل، فانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة لم يكونا حدثين منفصلين، بل شكّلا معاً بداية مرحلة جديدة أعادت إنتاج السلطة الشرعيّة في لبنان، ولذلك أيّ نقاش في مصير الحكومة اليوم يجب أن ينطلق من حقيقة أساسيّة: الحفاظ على الاستقرار الذي تحقّق أصعب بكثير من الوصول إليه.

لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينتج استمراريّة فعليّة إذا ظلّ أسير فكرة أنّ كلّ تحوُّل إقليميّ أو أمنيّ يستوجب إعادة تركيب مؤسّساته من الصفر

سلام والصّمود السّياسيّ

تُقاس الحكومات في الدول المستقرّة عادة بما تنجزه من إصلاحات ومشاريع وسياسات عامّة. أمّا في الدول التي تمرّ بمراحل استثنائيّة، كما هو حال لبنان، فيصبح المعيار الأوّل القدرة على منع الانهيار والقدرة على الصمود السياسيّ، ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم أهميّة التجربة التي مثّلتها حكومة نوّاف سلام خلال المرحلة الماضية.

لم تصبح الحكومة الحاليّة جزءاً من الاستقرار لأنّها نجحت في كلّ الملفّات، بل لأنّها أثبتت خلال الحرب وما بعدها أنّها الإطار السياسيّ الوحيد القادر على منع تحوُّل الانقسام اللبنانيّ إلى أزمة حكم جديدة. وهذه ليست مسألة شكليّة أو تفصيلاً إداريّاً. ففي بلد اعتاد أن تتحوّل فيه الأزمات إلى أسباب مباشرة لتعطيل المؤسّسات، يصبح استمرار السلطة بحدّ ذاته إنجازاً سياسيّاً لا يمكن التقليل من شأنه.

لقد واجهت الحكومة ضغوطاً داخليّة متعارضة، واستحقاقات إقليميّة معقّدة، ونقاشات سياسيّة حادّة في اتّجاهات الدولة وخياراتها. ومع ذلك استمرّت، ولم تسمح بأن تتحوّل الانقسامات القائمة إلى فراغ جديد أو إلى أزمة دستوريّة إضافيّة. ومن هنا تنبع أهمّيّتها الفعليّة إلى أن جاءت السعودية ممثلة للخماسية العربية والدولية وعملت لانتخاب الرئيس عون باعتبار أن “إعادة الدور الدستوري” إلى رئاسة الجمهورية هو الخطوة الأولى والأهم لإعادة تكوين سلطة الدولة.

لا تكمن القيمة السياسيّة للحكومة اليوم في الادّعاء بأنّها حكومة مثاليّة، بل في أنّها وفّرت للبنان ما كان يفتقده منذ سنوات طويلة: حدّاً أدنى من الاستمراريّة السياسيّة في مرحلة كان الانقطاع فيها أكثر احتمالاً من الاستمرار.

عون والاستقرار الدّستوريّ

لا يمكن فهم موقع الحكومة الحاليّة من دون العودة إلى اللحظة التي سبقتها. فلبنان لم يصل إلى هذه المرحلة بعد دورة سياسيّة عاديّة، بل بعد فراغ رئاسيّ طويل تحوّلت خلاله مؤسّسات الدولة إلى رهينة للتجاذبات والانقسامات.

من هذه الزاوية، مثّل انتخاب الرئيس عنواناً للاستقرار الدستوريّ الذي كانت البلاد بأمسّ الحاجة إليه.

لكنّ    الاستقرار الدستوريّ لا يعيش وحده، فهو يحتاج إلى ترجمة سياسيّة ومؤسّساتيّة تضمن استمراره. وهنا جاءت حكومة سلام لتمنح هذا الاستقرار بُعده العمليّ. ولذلك ليست العلاقة بين الرئاسة والحكومة علاقة منفصلة، بل هي جزء من مسار واحد أعاد تكوين السلطة الشرعيّة بعد سنوات من التعطيل.

من هنا تبدو الدعوات إلى إسقاط الحكومة وكأنّها تتجاهل أنّ السلطة القائمة ليست حكومة قائمة بذاتها فقط، بل جزء من توازن سياسيّ ودستوريّ أخرج لبنان من واحدة من أكثر مراحله هشاشة وتعقيداً. والانتقال إلى الدعوة إلى إسقاط الحكومة يفرض الإجابة عن سؤال بسيط ومباشر: ماذا بعد؟

دخل لبنان الحرب منذ الثاني من آذار مثقلاً بأزمات سياسيّة واقتصاديّة ومؤسّساتيّة متراكمة. وكان من السهل، في ظلّ هذه الظروف، أن تنزلق البلاد إلى أزمة حكم جديدة

شرعيّة السّلطة لا تُقاس بنتائج الحروب

في عمق السجال السياسيّ القائم تبرز فكرة خطِرة مفادها أنّ التحوّلات التي تنتجها الحروب تُمنح تلقائيّاً حقّ إعادة تشكيل السلطة وإعادة توزيع شرعيّاتها. غير أنّ هذا المنطق يحمل في داخله بذور عدم الاستقرار الدائم. فإذا كان معيار الشرعيّة هو ما تفرزه الحروب، فلماذا نحتكم إلى المؤسّسات أصلاً؟ وإذا كانت كلّ مواجهة تعطي حقّ إعادة تأسيس السلطة، فلماذا تكون لأيّ سلطة شرعيّة مستقرّة؟

إنّ المنطق الذي يربط شرعيّة السلطة بنتائج الحروب هو نفسه المنطق الذي يجعل أيّ استقرار مؤقّتاً، وأيّ دولة قابلة لإعادة التأسيس عند كلّ أزمة. ولهذا لا تتعلّق المسألة بالحكومة الحاليّة فقط، بل بالطريقة التي يفكّر فيها اللبنانيّون في إدارة أزماتهم السياسيّة. فالدول لا تستقرّ حين تعيد بناء سلطاتها بعد كلّ أزمة، بل حين تحمي المؤسّسات التي نجحت في الصمود أمام الأزمات.

إقرأ أيضاً: “الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

بهذا المعنى تحديداً يصبح الدفاع عن استمرار حكومة نوّاف سلام دفاعاً عن الاستقرار السياسيّ والصمود السياسيّ اللذين تمكّن لبنان من إنتاجهما قبل الحرب وأثناءها وبعدها. وذلك ليس لأنّها فوق النقد، بل لأنّها تمثّل اليوم الإطار السياسيّ الأكثر قدرة على حماية ما تحقّق من استقرار، ومنع البلاد من العودة إلى دوّامة الفراغ التي دفعت أثمانها مراراً خلال السنوات الماضية.

لا تكمن القيمة السياسيّة الفعليّة لحكومة نوّاف سلام في استمرارها فقط، بل في أنّها نجحت في إدارة مرحلة انتقاليّة شديدة الحساسيّة من دون أن تتحوّل إلى طرف إضافيّ في الانقسام اللبنانيّ. ففي لحظة كانت البلاد مهدّدة بأن تنتقل فيها الانقسامات الإقليميّة إلى داخل مؤسّساتها، حافظت الحكومة على الحدّ الأدنى من التماسك الوطنيّ الذي سمح باستمرار عمل السلطة التنفيذيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

مذكرة التّفاهم: تُنعش إيران وتُفخخ لبنان

كرّست مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتّحدة وإيران حالة التباس في موازين القوى التي انتهت إليها جولة الحرب التي انطلقت في 28 شباط وتوقّفت في…

إسرائيل بعد الاتّفاق: “لو كنّا نعلم” لما دخلنا الحرب

تتفاعل تداعيات التفاهم المبدئي الأميركيّ – الإيرانيّ داخل إسرائيل كعاصفة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، تحوّلت في الخطاب الإسرائيليّ إلى ما يشبه “تسونامي” ضرب مراكز صنع القرار،…

ما بعد هرمز: الأردن بوّابة التّجارة والطّاقة؟

بينما انشغل الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية بالحرب والصواريخ والهدن، كانت مراكز التفكير الغربيّة تبحث في سؤال آخر: ماذا بعد انتهاء هذه المرحلة؟ وكيف تُعاد…

تمسّك لبنان بقراره… بعيدًا من “الخبث” الإيراني

في انتظار معرفة من يجب أن نصدّق في ما يخصّ نصّ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، يمكن ملاحظة ذلك التركيز الإيراني على لبنان وكونه جزءًا…