“الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

مدة القراءة 6 د

على الرغم من دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، لا يزال “الحزب” متمسّكاً بلغته القديمة. تغيّر كلّ شيء في “الحزب”. لم يبقَ شيء من كلّ ما كان ومَن كان. تبدّلت القيادة السياسيّة والعسكريّة. تغيّرت الجغرافيا وأحوال البيئة الحاضنة. وحدها اللغة بقيت على حالها. “الحزب” اليوم، بعد القضاء على قياداته من الصفّين الأوّل والثاني، صار تنظيماً جديداً مع أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، لكنّ لغته قديمة وتعود إلى يوم تأسيسه.

 

بين “لو كنت أعلم”، لازمة الأمين العامّ لـ”الحزب” الأسبق السيّد حسن نصرالله بعد حرب تمّوز 2006، وكنّا نعلم بأنّ إسرائيل تعتزم شنّ حرب على لبنان في حرب إسناده إيران أخيراً، فبادرنا إلى سحب عنصر المفاجأة منها، تبقى لغة “الحزب” على حالها كأنّ شيئاً لم يكن، على ما يقول الكاتب والصحافيّ حازم الأمين. كأنّ دماراً عميقاً لم يصبح هويّة قرى الجنوب وبلداته ومدنه اليوم.

اللغة هنا تفرضها العقيدة أو سياسات “الحزب” التي تُرسم في طهران، في عاصمة ولاية الفقيه، ولا تفرض عليها الأحداث والوقائع أيّ تعديل أو تغيير. اللغة هنا هي الثابت، بينما الأحداث هي المتحوّل. يخلق هذا الثبات ، مع تراكم الأحداث، سواء كانت لمصلحة “الحزب” أو لغير مصلحته، فجوةً بين اللغة والواقع، فجوةً لا يفعل “الحزب” غير إطلاق الصواريخ لملئها، وأمّا الخلاص فلا يكون إلّا على يدَي “صاحب الزمان الإمام المنتظر”.

“الحزب” اليوم، بعد القضاء على قياداته من الصفّين الأوّل والثاني، صار تنظيماً جديداً مع أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، لكنّ لغته قديمة وتعود إلى يوم تأسيسه

فائض القوّة

آتت اللغة تلك أُكُلها في فترة زمنيّة كان “الحزب” فيها قويّاً، لا حدود تحدّه ولا دول ولا كيانات. هي لغة تعكس فائض القوّة المستمدّ من عقيدة غيبيّة لا تبشّر إلّا بالنصر، وإن في آخر الزمان وفي نهاية المطاف، ومن تحالفات وأحداث صبّت كلّها في مصلحة “الحزب”: من الانسحاب الإسرائيليّ من لبنان عام 2000، مروراً بالغزو الأميركيّ للعراق سنة 2003، فاغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة 2005 واختلال الموازين الداخليّة في لبنان، ثمّ أحداث الربيع العربيّ، وفي مقدَّمها أحداث الثورة السوريّة التي اندلعت عام 2011، وصولاً إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 يوم كان “طوفان الأقصى”.

كان “الحزب” خلال تلك الحقبة الزمنيّة فاعلاً رئيساً أو مستفيداً رئيساً ممّا يجري في لبنان والمنطقة. التسويات كلّها لمصلحته وكذلك الصدامات. يعزّز السلمُ حضورَه وكذلك الحرب. داخل الحدود اللبنانيّة وخارجها. في سوريا وأبعد منها في العراق واليمن. كانت لغة “الحزب” تتواءم أو تنعكس في رفع السيّد نصرالله سبّابته وهو يخطب، محذّراً ومنذراً ومهدّداً في هذه وتلك. لم يكن حضوره في اليمن والعراق وسوريا حضوراً هامشيّاً. كان فاعلاً هنا وهناك وهنالك، تعزّز لغته ترسانة عسكريّة لا تنضب، وحلفاء بدوا حينها أبديّين، في طليعتهم الرئيس السوريّ المخلوع بشّار الأسد.

وصل فائض القوّة به حدّاً راحت لغته فيه تكسو رموزه وحلفاءه ثوباً غيبيّاً، حدّاً صار معه أمينه العامّ الأسبق “اليمانيّ” المتحدَّث عنه في بطون كتب “المهدويّات” التي تتناول أحداث وأبطال آخر الزمان، وصار حليفه “الخرسانيّ” الذي يكون مع اليمانيّ في المعركة الأخيرة، معركة النصر الحاسم. ثمّ أتى السابع من أكتوبر سنة 2023 ووقعت الواقعة.

صار “الحزب” في مكان ولغته في مكان آخر. أمّا الناس فأبعد ما يكونون عن الاثنين، يستمعون إلى ما كان هنا قبل الخطاب الأخير. قبل النصر الأخير

فائض الهزيمة أو فائض الضّعف؟

لم يقرأ “الحزب” جيّداً السابع من أكتوبر. لم يستوعب ما حدث. بدت إسرائيل التي كان أمينه العامّ الأسبق يتحدّث عنها، كما لو أنّه يحفظها عن ظهر قلب، لا تغيب شاردة أو واردة فيها عنه، أشبه بكيان جديد، كيان طارئ، كيان وُلد للتوّ. لم تكن إسرائيل تلك “أوهن من بيت العنكبوت”، وإن بدت كذلك لساعات معدودة تلت هجوم حركة حماس الشهير في ذلك اليوم. لكن سرعان ما تغيّر كلّ شيء… باستثناء لغة “الحزب”.

ظلّ “الحزب” على لغته، بينما راحت الأحداث تعمّق الفجوة بينها وبين الواقع. ما كان يقوله نصرالله أمس، يوم كان في صلب الأحداث فاعلاً ومؤثّراً، يردّده قاسم اليوم بعيداً عمّا يجري، ودون قدرة على الفعل والتأثير.

سُحقت حركة حماس في فلسطين. سقط نظام آل الأسد في سوريا. قُصفت إيران مرّةً واثنتين. قُضي على الصفوف الأوّل والثاني والثالث في “الحزب”. اغتالت إسرائيل الأمين العامّ الأشهر وأيقونة “الحزب” والمحور حسن نصرالله، ثمّ خليفته، حتّى صار الشيخ نعيم قاسم أمينه العامّ، وهو الذي قضى معظم عمره نائباً للأمين العامّ، المنصب الذي كان يُخيّل لكثيرين أنّه أقصى ما يمكن أن يشغله. صارت طرق الإمداد عبر سوريا في يد ثوّار دمشق، أعداء “الحزب” على مدى عقد ونصف. أصبحت دمشق أبعد من طهران بالنسبة إليه، وصارت إسرائيل تقترب كلّ يوم أكثر من سابقه. أمست الضاحية الجنوبيّة لبيروت نزهةً للطائرات الإسرائيليّة. وبات تفجير البيوت الجنوبيّة وهدمها روتيناً يوميّاً للقوّات الإسرائيليّة، ولم تعد الطائرات الإسرائيليّة تفرّق بين مسؤول في “الحزب” وعنصر عاديّ… وبقي “الحزب” على لغته.

لغة خارج الجغرافيا

صار “الحزب” كلّما اقترب من لغته أكثر، يبتعد عن مآل الأحداث، وعن الجغرافيا، وعن بيئته الحاضنة. واقتراب “الحزب” من لغته أكثر والتصاقه بها هما انعكاس لنأي الأحداث به عن موقع الفاعل والمقرّر الذي يحسم الأمور ويبتّها. وكلّما ابتعد عن جغرافيته، اعتصم بلغته أكثر. ولكن لا سبّابة اليوم تُرفع وتحذّر وتنذر وتهدّد. صارت البيانات والرسائل وسيلة التواصل الوحيدة بين قيادته وجمهوره وخصومه معاً. لا وجوه ولا حضور ولا حاضرين.

 إقرأ أيضاً: 

غابت القرى الجنوبيّة عن العين. صارت أثراً بعدما أمعنت إسرائيل فيها قصفاً وتدميراً وجرفاً. معها غاب الأمين العامّ الحاليّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم. صار حضوره على هيئة بيان أو رسالة. غائب يخاطب حاضرين بعيداً عن بيوتهم، حاضرين بعيدين عن لغة تفصلهم عنها وجوه وبيوت وقرى ومدن كانت منذ نصر هنا. لغة بلا بيوت. لغة بلا قرى. لغة بلا جنوب. لغة بلا ضاحية. لغة تتحدّث عن نصر يبعث على الخوف والقلق. نصر كلّما تردّد ذكره نأى الناس أكثر عمّا كانوا عليه.

صار “الحزب” في مكان ولغته في مكان آخر. أمّا الناس فأبعد ما يكونون عن الاثنين، يستمعون إلى ما كان هنا قبل الخطاب الأخير.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

“عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

انطلقت الحرب على إيران في 28 شباط من هذا العام. بعد 15 أسبوعاً، في 12 من حزيران الجاري، أُعلن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين طهران…

إسرائيل تخطف “أرض الصومال” في عتمة الحرب

في خضمّ الانشغال بإيجاد مخارج للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة وإيجاد حلّ لأزمة مضيق هرمز، مرّ حدثٌ استراتيجيّ بالغ الأهميّة من دون أن يحظى بالقدر الكافي من…

هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على…

لبنان رهينة “الحرس” ونتنياهو: من يوقف الحرب؟

يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة…