عندما يتحدث حمد بن جاسم بلغة الردع

مدة القراءة 8 د

على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم يكن السؤال المطروح في دول الخليج: كيف نواجه إيران؟ بل كيف نستوعبها وكيف نتجنب المواجهة معها؟ لم يكن الخيار الأول الحرب، ولا القطيعة، ولا سياسة كسر العظام، بل البحث الدائم عن تسوية تحفظ الاستقرار الإقليمي وتجنّب المنطقة كارثة جديدة، لكن النتيجة كانت مزيداً من الصلافة والتغول والاعتداء.

شكّلت المواقف المتدرجة لحمد بن جاسم، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق، مؤشراً سياسياً لافتاً على التحوّل الذي تشهده النظرة الخليجية إلى إيران. فالرجل الذي عُرف، على مدى سنوات ببراغماتيته السياسية، وبقراءاته الهادئة لتوازنات المنطقة، كان من أبرز الداعين إلى التعامل مع إيران بوصفها دولةً جارة لا يمكن تجاوزها، وأنّ الجغرافيا تفرض التعايش معها، وأن الحوار والتفاهم هو الوسيلةً لمعالجة الخلافات معها. لكن مواقفه التي أعقبت تجدد الاعتداءات بعد تصدّع اتفاق إسلام آباد، عكست انتقالاً واضحاً من سياسة الاستيعاب الهدوء إلى الدعوة الصريحة لبلورة موقف خليجي موحّد يضع حداً لما يعتبره سياسة إيرانية قائمة على الابتزاز.

دعا بن جاسم دول الخليج إلى إجراء مراجعة عميقة لسياساتها تجاه طهران، حتى لو ترتب على ذلك تحمل أثمان وآلام كبيرة. وأكد أن إيران مطالبة بإدراك أن علاقاتها مع دول المنطقة يجب أن تُبنى على أسس واضحة وسليمة، لا على فرض الوقائع بالقوة أو استخدام عناصر الضغط الجيوسياسي.

بدل أن تعتبر طهران الاتفاق فرصة لبناء الثقة، تعاملت معه كاستراحة مؤقتة تسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها

امتعاضٌ متزايد

لم يكتفِ بذلك، بل طرح أسئلة تعكس جوهر الأزمة بين الطرفين، متسائلاً: ماذا تريد إيران من دول مجلس التعاون؟ هل تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، أم إلى بناء علاقات حسن جوار؟ وهل تقبل بأن يعيش الجميع في هذه المنطقة متساوين في الحقوق والواجبات، من دون أن يفرض أي طرف إرادته على الآخرين؟

تكمن أهمية هذه المواقف في أنها لا تصدر عن شخصية معروفة بالتشدد تجاه إيران، بل عن أحد أكثر السياسيين الخليجيين ميلاً إلى الواقعية والتفاهم. ولذلك، فإن هذا التحول يحمل دلالات تتجاوز شخص حمد بن جاسم نفسه، ليعكس مستوى متقدماً من الامتعاض داخل الخليج من السلوك الإيراني. فالرهان الطويل على الحوار وحده، وعلى استيعاب الاعتداءات أملاً في تغيير السلوك الإيراني، لم يؤدِّ إلى النتيجة المرجوة، بل شجع على مزيد من التمادي.

من هنا، تبدو الدعوة إلى سياسة خليجية موحدة أكثر من مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيراً عن قناعة متزايدة بأن الردع الجماعي أصبح ضرورة، وأن حسن الجوار لا يمكن أن يستقيم إذا بقي طرف يستخدم القوة والتهديد وسيلة لفرض إرادته. فالعلاقات الطبيعية لا تُبنى على الابتزاز، بل على التكافؤ والاحترام المتبادل، وهو ما باتت دول الخليج تعتبره شرطاً ضرورياً لا غنى عنه لأي علاقة مستقرة مع إيران.

لكن لماذا لم يعد ممكنناً التعاطي مع إيران كجارة طبيعية؟ ولا يمكن أيضاً بناء علاقة مستقرة معها على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ هذه ليست نظريات سياسية، بل حقائق أكدتها الوقائع، واختبرتها دول الخليج مرة بعد أخرى، وكانت النتيجة في كل مرة مُخيبة للآمال.

منذ بدايات المشروع الإيراني بعد الثورة الإسلامية، لم تتعامل طهران مع محيطها العربي باعتباره فضاءً للتعاون، بل باعتباره ساحة نفوذ وصراع. لم تكتفِ ببناء علاقات دبلوماسية أو اقتصادية، وإنما استثمرت في الميليشيات، وفي التنظيمات المسلحة، وفي الخلايا الأمنية، وفي تصدير الأيديولوجيا، وصولاً إلى تحويل عدد من العواصم والحواضر العربية إلى حمامات دم وساحات مفتوحة للتذابح والصراعات.

استراحة مؤقتة؟

تكفي الإطلالة السريعة على خلية العبدلي في الكويت، وصولًا إلى الاعتداءات التي استهدفت منشآت أرامكو، والهجمات الحوثية على المدن السعودية، والاستهداف المتكرر للمنشآت الحيوية، فضلًا عن الاعتداءات التي طالت دولًا عربية أخرى عبر أذرع طهران المنتشرة في المنطقة، لنتأكد على نحو لا يقبل الشك أنّ هذه وغيرها لم تكن حوادث منفصلة، بل حلقات في سياسة إيرانية متواصلة تقوم على استخدام التخريب والترهيب والابتزاز.

لكن، ورغم كل ذلك، لم تتجه دول الخليج إلى إعلان الحرب. ولم تبادر نحو قطع العلاقات بصورة جماعية ونهائية، ولم تعتمد خيار التصعيد العسكري، بل أصرّت على إبقاء الباب مفتوحًا أمام السياسة. كانت القناعة الخليجية، ولا تزال، أنّ الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالحروب، وأنّ حسن الجوار يقتضي السعي المتواصل لإنجاز تسويات تُعفى المنطقة برمتها من اقتتال بلا أفق.

جاءت المبادرات الخليجية تباعاً، وكان أبرزها ما قامت به المملكة العربية السعودية عندما وافقت على اتفاق بكين، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد سنوات من القطيعة. لم يكن ذلك الاتفاق إلا محاولة إضافية لإعطاء فرصة جديدة لمسار مختلف، يقوم على تخفيف التوتر واحترام سيادة الدول وعدم استخدام الساحات العربية لتصفية الحسابات، لكن ماذا كانت النتيجة؟

بدل أن تعتبر طهران الاتفاق فرصة لبناء الثقة، تعاملت معه كاستراحة مؤقتة تسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها. لم يتغيّر السلوك الأساسي، ولم تتوقف الأذرع التابعة لها عن العمل، ولم تتبدل العقلية التي ترى في المنطقة ساحة نفوذ لا فضاءً للتعاون.

حتى خلال الحرب المباشرة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، تصرّفت دول الخليج بمنتهى الحذر والمسؤولية. مارست ضغوطًا سياسية لمنع اندلاع الحرب أصلًا، ثم عملت على احتواء التصعيد عندما بدأ، وبعد ذلك دفعت بقوة نحو تسوية سياسية تحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. لم تفتح أجواءها لشن هجمات على إيران، ولم تسمح باستخدام أراضيها أو مطاراتها منصةً لاستهدافها، رغم ما كانت تتعرض له من تهديدات واعتداءات يومية ومباشرة، تجاوزت بأضعاف مضاعفة ما تعرضت له إسرائيل التي بادرت أساسًا إلى افتتاح الحرب.

لا شفاعة لأحد

لم تقابل طهران هذا السلوك بأي تقدير، بل على العكس تماماً، ما إن اهتز اتفاق اسلام آباد، وعادت الولايات المتحدة إلى ضرب إيران، حتى عاد الخليج مجددًا إلى دائرة الاستهداف مجددًا، وكأن كل ما قدمه من جهود للوساطة والتهدئة لم يكن له أي قيمة على الإطلاق.

لعل المفارقة الأكثر دلالة كانت في استهداف عُمان، التي لعبت تاريخيًا دور الوسيط بين إيران والغرب، وكرّست سنوات طويلة لاستضافة المفاوضات ونقل الرسائل وفتح قنوات الحوار، لكن ذلك كله لم يشفع لها، بل وتعرضت لاعتداءات موصوفة بعد ساعات قليلة من استقبالها لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وكذلك هي الحال مع قطر، التي احتفظت بعلاقات خاصة مع طهران، وسعت مراراً إلى تقريب وجهات النظر، بل وكانت حجر زاوية في الاتفاق الأميركي – الإيراني، لكنها لم تنجُ هي الأخرى من الاعتداءات والتهديدات.

هذه الوقائع وغيرها الكثير الكثير، تطرح سؤالًا بالغ البساطة: إذا كانت الدول التي اختارت الوساطة، والهدوء، ورفض التصعيد، وفتحت أبواب الحوار، لم تسلم من العنف الإيراني، فما الذي يمكن الرهان عليه في العلاقة مع إيران؟

لا أحد يدعو إلى الحروب بوصفها خيارًا أول. لكن أي كلام عن الحوار والتهدئة والانفتاح يصبح منفصلًا عن الواقع عندما يتجاهل حصيلة سنوات طويلة من التجارب والمرارات

لا شيء سوى الردع

لا أحد يدعو إلى الحروب بوصفها خيارًا أول. لكن أي كلام عن الحوار والتهدئة والانفتاح يصبح منفصلًا عن الواقع عندما يتجاهل حصيلة سنوات طويلة من التجارب والمرارات. فمنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بما شهدته بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت من انهيارات وصراعات، وصولاً إلى الاعتداءات المتكررة على الخليج، كانت الرسالة الإيرانية واحدة: استخدام النفوذ العسكري والأمني وسيلةً لفرض الوقائع السياسية. وفي كل مرة كان العرب يفتحون باباً للحوار، كانت طهران تفتح في المقابل جبهة جديدة.

لقد فعلت دول الخليج وأولها السعودية ما يصعب تخيله. صبرت، واحتوت، وتغاضت، وراهنت على السياسة وعلى الوقت، وقدمت المبادرات، وفتحت قنوات الاتصال، وسعت إلى تسويات تحفظ مصالح الجميع. لكنها اصطدمت في كل مرة بالعقلية نفسها، التي تنظر إلى التسويات بوصفها فرصة لالتقاط الأنفاس، لا مدخلًا إلى سلام مستدام.

لذلك، يبدو الحديث عن بناء علاقة طبيعية مع إيران ضرباً من الخيال، ما لم يسبق ذلك تحول حقيقي وشامل في فلسفة الحكم وسلوك الدولة الإيرانية. فالعلاقات الطبيعية لا تقوم على الميليشيات، ولا على الصواريخ، ولا على تصدير الأزمات، ولا على الغدر أو استخدام الجيران أوراقاً في صراعات دولية.

إقرأ أيضاً: النّوويّ السّعوديّ: ما حقيقة شرط ترامب؟

المشكلة ليست في مبدأ الحوار أو التفاهم، بل في وجود طرف لا يؤمن أصلاً بالحوار المتكافئ، فدول الخليج جربت كل أشكال الانفتاح، بينما بقيت إيران تتعامل مع هذه المبادرات باعتبارها دليل ضعف، لا تعبيرًا عن مسؤولية سياسية.

ليست أزمة سوء تواصل أو تفاهم مع إيران، بل أزمة مشروع كامل قائم على “الزعرنة” والاعتداء، وعندما تصبح كل مبادرة للتهدئة مقدمة لجولة جديدة من العربدة، فإنّ الأمر لا يعود رهينة حسن النيات أو حُسن الجوار، بل يصير ضرورة المكرهين على ردع من لا يفهم إلا بمنطق القوة، فيما لسان حالهم يقول: ليت بيننا وبين غدر جارنا الغدّار جبالاً من النار.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

سوريا الجديدة ولبنان القديم

يوم السبت في 25 تمّوز من العام الجاري، أي قبل ثلاثة أيّام وصل إلى دمشق أنطونيوغوتيريش الأمين العامّ للأُمم المتّحدة في أوّل زيارةٍ لمسؤولٍ دوليٍّ…

جنوب لبنان… امتحان ترامب ورهان نتنياهو

يخالف الوضع الميدانيّ في جنوبيّ لبنان وعود الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للرئيس جوزف عون خلال زيارة الأخير واشنطن قبل أسبوع. أمعنت إسرائيل بعد الزيارة، وإثر…

أسرار زيارة عون لواشنطن

تحوّل ملفّ سلاح “الحزب” في لبنان إلى محور المرحلة السياسيّة المقبلة، في ظلّ تقاطع الضغوط الدوليّة مع التحوّلات الإقليميّة، وما رافق زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف…

حين صارت حدود الدّول أكبر من خرائطها

الحرب الكبرى بين إيران والولايات المتّحدة، نكبة غزّة، التمدّد الإسرائيليّ في فلسطين ولبنان وسوريا، انقلاب المشهد السياسيّ في دمشق، الكارثة الإنسانيّة في السودان، الصراع على…