“نهاية الدكتاتوريّة في سوريا بادرة أمل“. بهذه العبارة علّق الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش على سقوط نظام الرئيس السوريّ السابق بشّار الأسد أواخر عام 2024. وبعد نحو عامين، زار دمشق، لكنّه هذه المرّة ليس شاهداً على نهاية مرحلة، بل شاهد على بداية مرحلة سوريا جديدة.
لا تكتسب الزيارة، وهي الأولى للأمين العامّ للأمم المتّحدة لدمشق منذ إطاحة الأسد، أهمّيّتها من رمزيّتها السياسيّة فحسب، بل لأنّها تعكس تحوّلاً في مقاربة الأمم المتّحدة للملفّ السوريّ. فبعد سنوات انحصر فيها دور المنظّمة في إدارة الحرب وتداعياتها الإنسانيّة، تبدو اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها التعافي وإعادة الإعمار، في ظلّ انفتاح دوليّ متسارع على دمشق.
بحسب معلومات “أساس”، صُمّمت الزيارة أساساً للاطّلاع عن قرب على احتياجات سوريا في هذه المرحلة الانتقالية، والاستماع إلى رؤية القيادة السوريّة لأولويات التعافي، تمهيداً لإعادة توجيه عمل وكالات الأمم المتحدة بما يتناسب مع متطلّبات المرحلة الجديدة.
من إدارة الأزمة… إلى دعم الدّولة
طوال سنوات الحرب، ارتبط حضور الأمم المتّحدة في سوريا بقوافل المساعدات الإنسانيّة، برامج الإغاثة، وملفّات اللاجئين والنازحين. لكن مع سقوط النظام السابق وتشكيل السلطة الجديدة، تبدّلت الأولويّات.
لم يعُد التحدّي يقتصر على إيصال الغذاء والدواء، بل بات يتمثّل في إعادة بناء مؤسّسات الدولة، إنعاش الاقتصاد، إعادة الخدمات الأساسيّة، وتهيئة الظروف لعودة ملايين السوريّين إلى حياتهم الطبيعيّة.
تشير معلومات “أساس” إلى أنّ أحد أبرز أهداف الزيارة هو وضع تصوّر جديد لعمل المنظّمات التابعة للأمم المتّحدة، بحيث تنتقل تدريجاً من الإغاثة الطارئة إلى برامج التعافي المبكر، ثمّ إلى التنمية وإعادة الإعمار، بالتنسيق مع الدولة السوريّة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة بين دمشق والمنظّمة الدوليّة.
قبل سنوات، كانت الأمم المتّحدة تدخل سوريا عبر المعابر الإنسانيّة، حاملة الغذاء والدواء والخيام. أمّا اليوم فإنّ أمينها العامّ دخل دمشق حاملاً ملفّات إعادة الإعمار
في هذا الإطار، تأتي الزيارة في سياق توحيد جهود وكالات الأمم المتّحدة ضمن رؤية تواكب أولويّات الحكومة السوريّة في مرحلة التعافي وإعادة البناء، وتمهّد لحشد دعم دوليّ أوسع عندما تنضج الظروف السياسيّة والاقتصاديّة.
في هذا السياق، اكتسب تصريح وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني أهمّيّة خاصّة عندما وصف سوريا بأنّها أصبحت “شريكاً فاعلاً في الأمم المتّحدة”، في إشارة إلى رغبة دمشق في الانتقال من موقع الدولة التي تتلقّى المساعدات إلى موقع الشريك في رسم الأولويّات السورية.
مراجعة متأخّرة؟
لكنّ الزيارة تحمل بعداً آخر لا يقلّ أهمّيّة. فهي تعيد، بصورة غير مباشرة، طرح سؤال عن أداء الأمم المتّحدة خلال سنوات الحرب السوريّة، وهي سنوات شهدت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانيّة في القرن الحادي والعشرين.
بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريّين، لم تتمكّن المنظّمة الدوليّة من منع استمرار المأساة، ولا من فرض حلول سياسيّة توقف الحرب، فيما بقي دورها محصوراً إلى حد كبير في إدارة النتائج الإنسانية للصراع.

من هنا، يرى كثيرون أنّ المنظّمة تتحمّل اليوم مسؤوليّة مضاعفة تجاه السوريّين، ليس فقط عبر استمرار المساعدات، بل أيضاً من خلال الانخراط الفعليّ في دعم التعافي وإعادة الإعمار، بعد سنوات من العجز الدوليّ عن إنهاء الأزمة.
محطّة ضمن مسار الانفتاح
لا يمكن فصل زيارة غوتيريش عن سلسلة التحوّلات التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية. فقد رفعت الولايات المتّحدة معظم العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا، وأعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عزمه شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بالتوازي مع انفتاح عربيّ وأوروبيّ متدرّج، وعودة الاتّصالات السياسيّة والدبلوماسيّة، وبدء الحديث بصورة أكثر جدّيّة عن الاستثمار وإعادة الإعمار.
لا تقتصر أهمّيّة الزيارة على لقاء غوتيريش بالرئيس أحمد الشرع وكبار المسؤولين، بل تمتدّ إلى برنامجها، الذي شمل زيارة مجلس الشعب
في هذا السياق، تبدو زيارة الأمين العامّ للأمم المتّحدة تتويجاً لمسار بدأ منذ سقوط النظام السابق، إذ تمنح هذا التحوّل بعداً أمميّاً ومؤسّساتيّاً، وتؤكّد أنّ المجتمع الدوليّ بدأ يتعامل مع سوريا بوصفها دولة تدخل مرحلة جديدة، لا مجرد ساحة نزاع.
رسائل تتجاوز دمشق
لا تقتصر أهمّيّة الزيارة على لقاء غوتيريش بالرئيس أحمد الشرع وكبار المسؤولين، بل تمتدّ إلى برنامجها، الذي شمل زيارة مجلس الشعب، ولقاءات مع ممثّلين عن المجتمع المدنيّ، إضافة إلى زيارة سجن صيدنايا وقوّات الأمم المتّحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (الأندوف) في الجولان.
تحمل زيارة صيدنايا دلالة خاصّة، فهي تستحضر واحدة من أكثر محطّات الحرب السوريّة إيلاماً، وتعيد التذكير بحجم المأساة التي عاشها السوريّون، وبالمسؤوليّة الأخلاقيّة التي يدعو كثيرون الأمم المتّحدة إلى تحمّلها في المرحلة المقبلة.
أمّا محطّة الجولان فتأتي في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي السوريّة، وشدّد فيها غوتيريش على أنّ الجولان أرض سوريّة، مؤكّداً دعم الأمم المتّحدة لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ومطالباً بوقف جميع الانتهاكات واحترام اتّفاق فضّ الاشتباك.
تؤكّد هذه الرسائل أنّ المنظّمة الدوليّة تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً أساسيّاً من استقرار المنطقة، وأنّ أيّ مشروع لإعادة الإعمار لن يكون قابلاً للحياة في ظلّ استمرار التوتّرات العسكريّة.
لا يمكن فصل زيارة غوتيريش عن سلسلة التحوّلات التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية
سوريا الجديدة… والأمم المتّحدة الجديدة
قبل سنوات، كانت الأمم المتّحدة تدخل سوريا عبر المعابر الإنسانيّة، حاملة الغذاء والدواء والخيام. أمّا اليوم فإنّ أمينها العامّ دخل دمشق حاملاً ملفّات إعادة الإعمار، بناء المؤسّسات، واستعادة دور الدولة.
الرسالة الأهمّ التي تحملها الزيارة ليست فقط أنّ الأمين العامّ للأمم المتّحدة عاد إلى دمشق بعد سنوات طويلة، بل أنّ المنظّمة نفسها تبدو أمام اختبار جديد. فبعد مرحلة طُبعت بإدارة تداعيات الحرب، تواجه اليوم استحقاقاً مختلفاً: الانتقال من إدارة الأزمة إلى المساهمة في التعافي وإعادة البناء، عبر توجيه مؤسّساتها الإنسانيّة والإنمائيّة والتمويليّة بما ينسجم مع احتياجات سوريا الجديدة.
إقرأ أيضاً: الحسكة: التّوتّر لن يغيّر في اتّفاق الدّمج
بذلك، تبدو زيارة غوتيريش أكثر من محطّة دبلوماسيّة. إنّها اختبار حقيقيّ لقدرة الأمم المتّحدة على ترجمة هذا التحوّل إلى خطوات عمليّة، بعدما انتقلت سوريا من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي، ومن إدارة الأزمة إلى البحث في إعادة بناء الدولة.
لمتابعة الكاتب على X:
