لم يعُد ما يجري في بيروت اعتراضاً سياسيّاً على اتّفاقٍ جديد، ولا يمكن التعامل معه بوصفه ردّ فعل عابراً على صيغة تفاوضيّة أُبرمت في واشنطن. فـ”الحزب” الذي رفض اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل لا يبدو طرفاً لبنانيّاً يناقش بنوداً أو يتحفّظ على تفاصيل، بل ذراع يترجم موقفاً إيرانيّاً سبق أن أُعلن في طهران قبل أن ينطق به “الحزب” في بيروت. وما يحدث هنا، في جوهره، ليس إلّا فصلاً من اشتباك إقليميّ أوسع، يُستعمل فيه لبنان مرّة أخرى بوصفه مساحة ضغط ومقايضة.
فور إعلان الاتّفاق، بدا المشهد في العاصمة وكأنّه يدخل في اختبار جديد. احتجاجات في الشارع، قطع طرق، حرق إطارات، مواكب درّاجات تجوب بيروت، لا سيما حول السراي الحكوميّ تحديداً، وتهديدات صريحة بحرب أهليّة صدرت عن نائب “الحزب” حسن فضل الله. وفي الكلام عن تلك “الحرب” استعادة مقزّزة لذاكرة “7 أيّار” أو ما اعتبره الراحل السيّد حسن نصرالله آنذاك “يوماً مجيداً”.
هذه ليست لغة اعتراض بل لغة استعراض قوّة ومحاولة فرض معادلات جديدة على الدولة من خارج منطقها. و”الحزب”، وهو يرفع السقف بهذا الشكل، لا يكتفي برفض اتّفاق دوليّ، بل يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع فكرة أنّ الدولة اللبنانيّة قد تستعيد، ولو جزئيّاً، حقّها في القرار.
لم يعُد ما يجري في بيروت اعتراضاً سياسيّاً على اتّفاقٍ جديد، ولا يمكن التعامل معه بوصفه ردّ فعل عابراً على صيغة تفاوضيّة أُبرمت في واشنطن
تحوّل كامل في اللّعبة السّياسيّة؟
الأمر اللافت أنّ هذا الرفض لم يأتِ معزولاً عن المناخ الإقليميّ، فالحرس الثوريّ الإيرانيّ سبق “الحزب” إلى إعلان موقفه الرافض للاتّفاق. وما يصدر من الضاحية في هذه اللحظة لا يبدو إلّا امتداداً لرسالة إيرانيّة أوسع تريد أن تقول إنّ أيّ تسوية تخصّ لبنان لا يمكن أن تمرّ من دون احتساب موقف طهران وموقعها في معادلة التفاوض مع واشنطن.
بغضّ النظر عن تقويم الاتّفاق الإطاريّ بين لبنان وإسرائيل وما له وما عليه وما كان يمكن تحصيله وما كان من المستحيل تحقيقه، ما تمّ التوصّل إليه في واشنطن برعاية إدارة الرئيس دونالد ترامب يضع سلاح “الحزب” في قلب المعادلة، لا على هامشها. وهذا ما يفسّر حدّة الردّ. يدرك “الحزب” أنّ أيّ صيغة تربط الانسحاب الكامل بنزع السلاح تمسّ جوهر الوظيفة التي بناها لنفسه طوال العقود الماضية. لم يكن الرفض رفضاً لبند هنا أو تفصيل هناك، بل رفض لتحوّلٍ كامل في طبيعة اللعبة السياسيّة التي اعتاد أن يمارسها.
تكشف المقارنة مع 7 أيّار 2008 حدود ما يمكن لـ”الحزب” فعله اليوم. يومها كان في ذروة تفوّقه العسكريّ والسياسيّ، وكانت الدولة اللبنانيّة منهكة، والوصاية السوريّة-الإيرانيّة أكثر رسوخاً، والردّ الدوليّ أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة بدل مواجهتها. أمّا اليوم فالمشهد مختلف بدرجة واضحة. خرج “الحزب” من سنوات استنزاف طويلة، وتراجعت قدرته على فرض الوقائع من دون كلفة، فيما تبدو الدولة اللبنانيّة، مع هشاشتها البنيويّة، أكثر تماسكاً ممّا كانت عليه في لحظة الانفجار السابقة. والأهمّ أنّ المجتمع الدوليّ لم يعُد يتعامل مع سلاح الميليشيا (ليس في لبنان فقط) بالقدر نفسه من التساهل أو المراهنة على الاحتواء.
لم يعُد الداخل الشيعيّ نفسه على الصورة التي كان عليها قبل سنوات. فحركة أمل، على الرغم من رفضها السياسيّ للاتّفاق، لم تندفع في مسار التصعيد ذاته، ولم تبدُ راغبة في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تضع البيئة الشيعيّة كلّها في مهبّ مغامرة غير محسوبة. وموقف نبيه برّي، بما فيه من تحذير من الفتنة وتشديد على السلم الأهليّ، يعكس إدراكاً مختلفاً لمخاطر المرحلة. وليس تفصيلاً رمزيّاً غيابُ أعلام حركة أمل عن تحرّكات الشارع، بل علامة على أنّ الاصطفاف داخل البيئة الواحدة لم يعُد كاملاً، وأنّ “الحزب” لا يتحرّك اليوم في مساحة الإجماع التي كانت تمنحه، في لحظات سابقة، هامش مناورة أوسع.
لم يعُد الداخل الشيعيّ نفسه على الصورة التي كان عليها قبل سنوات. فحركة أمل، على الرغم من رفضها السياسيّ للاتّفاق، لم تندفع في مسار التصعيد ذاته، ولم تبدُ راغبة في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة
هلع وإخفاق؟
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من طبيعة التهديد. فالحزب، حتى وهو أضعف من أن يعيد إنتاج انقلاب 2008 بالشكل نفسه، لا يزال يملك أدوات التعطيل والشلل والضغط عبر الشارع. يعرف كيف يرفع منسوب التوتّر، وكيف يجعل الدولة تدفع ثمن أيّ محاولة للمضيّ في مسار لا يرضيه. لذلك التلويح بالحرب الأهليّة لا يبدو انفعالاً سياسيّاً، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى منع الدولة من الذهاب بعيداً في تنفيذ الاتّفاق، أو على الأقلّ إلى فرض كلفة عالية على هذا المسار.
يضيف تصاعد المواجهة بين الولايات المتّحدة وإيران بسبب مضيق هرمز في الأيّام الأخيرة، وللصدفة منذ إعلان اتّفاق الإطار في 26 من هذا الشهر، عنصراً جديداً إلى التعقيد اللبنانيّ، فكلّما ازداد الضغط على طهران، ازدادت حاجتها إلى أوراق إضافيّة في ساحات نفوذها، وفي هذه الحالة يعود لبنان ساحة جاهزة للضغط والمقايضة وإعادة توزيع الرسائل. ومن هنا يمكن فهم سبب الإصرار على إبقاء التوتّر في بيروت مشتعلاً، لا بوصفه أزمة داخليّة فقط، بل كجزء من اشتباك إقليميّ أكبر تُراد له ترجمة على الأرض اللبنانيّة.
لا يبدو أنّ “الحزب” يستعدّ لانقلاب مباشر بالمعنى الكلاسيكيّ، لكنّه يتحرّك بوضوح على إيقاع التهديد به، وعلى قاعدة اختبار قدرة الدولة على الاحتمال. يريد أن يقول إنّ الاتّفاق لن يمرّ بسهولة، وإنّ أيّ مسار يضع سلاحه في خانة النقاش سيواجه الفوضى والضغط والشارع وربّما ما هو أبعد. لكنّ ما يبدو ثابتاً حتّى الآن أنّ “الحزب”، مع صخب التهديد، أضعف من أن يذهب إلى النهاية، وأقوى من أن يُترك من دون ردّ.
إقرأ أيضاً: لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟
يبدو “الحزب” في حالة هلع وإخفاق في دفع استحقاقات تتقدّم، ويحتاج إلى إحداث جلبة لدى بيئته في مواجهة البيئات الأخرى لحدث لا يشبه كلّ السرديّة التي حملها منذ عقود. لبنان أمام “حزب” لا يعلن الانقلاب، لكنّه يتصرّف بما يكفي لتهيئة مناخ انقلاب ممكن. لا تكمن مشكلة “الحزب” مع “الاتّفاق”، بل مع دولة تستعيد نفسها في مواجهة قوّة اعتادت أن تعيش خارجها وفوقها وفي مواجهتها في الوقت عينه.
لمتابعة الكاتب على X:
