مذكّرة التّفاهم: فرصة لـ”الحزب” أم لإسرائيل؟

مدة القراءة 6 د

طرأت متغيّرات كبيرة خلال أقلّ من أسبوع على المشهد بين أميركا وإيران، وبين “الحزب” والدولة اللبنانيّة. وقِّعت مذكّرة التفاهم بين واشنطن وطهران اللتين راحتا تتفاوضان على بنودها في سويسرا. ضغطت إيران لوقف النار الإسرائيليّة على لبنان شرطاً لبدء التفاوض، وهجم دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس على إسرائيل حتّى أوقفت النار وسط تذمّرٍ كبير. ستكون لذلك كلّه نتائج على الساحة اللبنانيّة، وعلى الساحة الشرق الأوسطيّة، فتتغيّر مواقع، وتتغيّر أدوار، وأسرع بكثير ممّا انتظره المراقبون.

 

لن تتخلّى إيران الآن بالطبع عن “الحزب” بسبب رهانَين:

1- مضيق هرمز الذي تستطيع طهران مواصلة الضغط به على الولايات المتّحدة ودول الخليج وأوروبا والعالم.

2- الحزب المسلَّح في لبنان الذي تحتاج إيران إليه في فترة التفاوض باعتباره ضرورةً للإزعاج وأقلّ وقعاً من الجرأة على إقفال مضيق هرمز مرّةً ثانيةً أو ثالثة.

لكن هل يستطيع “الحزب” إعادة الكرّة في التحرّش، بعد التكلفة الضخمة جدّاً التي تكبّدها في المرَّتين السابقتين منذ عام 2023؟

فرض الإيرانيّون على أميركا الضغط على إسرائيل لوقف القتال ضدّ “الحزب”، وعندما خشي بعض الإيرانيّين أن يؤدّي هذا الرهان إلى إفشال أو تأخير التفاهم (بعد أن لم يعودوا يخشون عودة الحرب عليهم)، ذكّرهم المفاوضون الإيرانيّون أنّ “الحزب” ضحّى بشهداء (4000) أكثر ممّا ضحّت إيران، وكان ذلك من أجل إيران!

هكذا “الحزب” عزيزٌ على إيران ولاية الفقيه والحرس الثوريّ، ولا حرج لدى الإيرانيّين في استعماله من الحرس الثوريّ. وفي طهران يشاهد المارّة في الشوارع الرئيسة لافتات تدعو الشبّان إلى التطوّع للقتال في لبنان مع “الحزب” مقابل ألف دولار للمتطوّع الواحد.

فرض الإيرانيّون على أميركا الضغط على إسرائيل لوقف القتال ضدّ “الحزب”

هل يغامر من جديد؟

لكن بعد هذا كلّه هل يستطيع “الحزب” المغامرة مرّةً أُخرى ولديه الآن أربعة آلاف قتيل واثنا عشر ألف مصاب ومليون ونيّف مهجَّر في الشوارع والمدارس ومراكز الإيواء، وستّون قرية وبلدة مخرَّبة جزئيّاً أو كليّاً؟!

لن يعود “الحزب” للقتال لأنّه لا يملك بعض السلاح، بل لأنّه لا يستطيع إقناع بيئته أو حاضنته السابقة أو المستمرّة. فماذا سيفعل الآن؟

سيشغل الدولة ويزيدها ضعفاً بالمماحكات. وأولى المماحكات “التناقر” وربّما التشنّج من خلال الرئيس نبيه برّي من أجل إلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب. الانسحاب الموضعيّ أو المناطقيّ كما يفاوض اللبنانيّون في وشنطن لا يُقنع أحداً حتّى فريق التفاوض، ويتطلّب صبراً وانضباطاً لا يملكهما اللبنانيّون السياسيّون ولا الجيش.

لذلك سيلجأ “الحزب” وأنصاره إلى حشر الدولة والجيش بتوجيه المهجَّرين من شمال الليطاني لمحاولة العودة إلى مناطق جنوب الليطاني ومناطق صور. ولأنّ حياة العائدين ليست مضمونة بهذه الطريقة، فسيؤدّي ذلك إلى إرهاق الجيش قبل أو خلال دخوله إلى القرى التي يمكن الاتّفاق عليها مع الإسرائيليّين.

لبنان

كيف تستطيع واشنطن المساعدة في الانسحابات الجزئيّة هذه إن صارت ممكنة؟

تستطيع إعادة “الميكانيزم” للعمل والفعّاليّة إلى جانب الجيش، ومراقبة الأوضاع على الأرض وسدّ الاختلالات قبل انسحاب القوّات الدوليّة وبعده. ويمكن للأميركيّين إن ظلّ مزاجهم هادئاً، القبول بالتدخّل الفرنسيّ الذي عطّلوه حتّى الآن. وقد بدأ مراقبون أميركيّون يلاحظون أنّ الولايات المتّحدة تسرّعت في الإصرار على سحب “اليونيفيل” تحت ضغط إسرائيل، بل للاعتقاد أنّهم بذلك يدفعون بالجيش اللبنانيّ إلى المزيد من الفعّاليّة، وبخاصّةٍ في مناطق جنوب الليطاني، وهو الأمر الذي لم يستطِعه الجيش، ولم تصبر عليه إسرائيل!

لا يجرؤ لبنان على إنجاز تقدّم على المستوى السياسيّ ما لم تنسحب إسرائيل من لبنان إلى الخطّ الأزرق، وهو الذي لا يبدو متاحاً الآن ولا في الغد القريب

3 احتمالات في واشنطن

لا نعرف بعدُ ماذا “ستعطي” واشنطن للدولة اللبنانيّة في مفاوضات 23 و24 من هذا الشهر. هناك ثلاثة احتمالات:

1- أن لا يحدث شيء كبير بانتظار النتائج الأوّليّة لمفاوضات سويسرا.

2- أن تضغط أميركا بقوّة على إسرائيل للانسحاب من شمال الليطاني على الأقلّ، فيبدو الجيش كأنّما هو يتقدّم، ويحمي بحدود معيّنة المهجّرين العائدين، ويبدو ذلك بمنزلة نجاح أوّليّ للتفاوض المباشر.

3- احتمال مزدوج بين الانسحاب من شمال الليطاني، والتقدّم في المفاوضات السياسيّة بين لبنان وإسرائيل. ولا يجرؤ لبنان على إنجاز تقدّم على المستوى السياسيّ ما لم تنسحب إسرائيل من لبنان إلى الخطّ الأزرق، وهو الذي لا يبدو متاحاً الآن ولا في الغد القريب.

ماذا سيحدث على السّاحة اللّبنانيّة الدّاخليّة؟

يقول كثيرون إنّه لن يحدث شيء كثيرٌ ولا كبير باستثناء زيادة البهورات من “الحزب”، وزيادة التشدّد من الجانب السياسيّ المسيحيّ. ما انتصر “الحزب” بالطبع لكنّه يدّعي وسيدّعي ذلك. فقد افتخر في أوّل الحرب بالصمود والمقاومة في الخيام، ويفتخر الآن بالصمود في تلّة عليّ الطاهر! وكلا المكانين في جنوب لبنان، وفي جنوب الليطاني وشماله.

لكن على الرغم من كسرة “الحزب” وانسحاباته باتّجاه الزهراني وصيدا، تلقّت الدولة اللبنانيّة ضربةً معتبرة من الناحيتين السياسيّة والأمنيّة:

– من الناحية السياسيّة دخلت إيران على الخطّ واعتبرت “الحزب” ولبنان عمليّاً جزءاً من جبهتها ووافقتها أميركا على ذلك.

– من الناحية الأمنيّة، إيران هي التي أوقفت النار من طريق ضغط أميركيّ قويّ على إسرائيل، فقال الإيرانيّون: وقفٌ مقابل وقف!

ضغطت إيران لوقف النار الإسرائيليّة على لبنان شرطاً لبدء التفاوض، وهجم دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس على إسرائيل حتّى أوقفت النار

هاتان ضربتان للحكومة اللبنانيّة بعدما كانت تقول قبل أسبوعين إنّها تنفرد بقرار الحرب والسلم وقرار التفاوض، وتحقيق وقف النار والانسحاب مقابل تقارب من نوعٍ ما مع إسرائيل بعد حصول ذلك.

ما عاد شيء من ذلك ممكناً الآن، وسيكون على الرئيس جوزف عون التنسيق مع الرئيس برّي وممثّلي “الحزب”، وربّما وجود تمثيل في واشنطن أو من خلال قطر كما حصل حتّى الآن، لكن حتّى لو حصل ذلك فستظلّ الدولة مسؤولة في حالة الفشل، ويصير الفريق السياسيّ والأمنيّ الشيعيّ حاملاً نصف الملفّ على الأقلّ إن كان هناك نجاح. وقد حصل ذلك من قبل في ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل عام 2021.

انطلقت أمس جلسة المفاوضات الأولى بين الأميركيّين والإيرانيّين، ومعهم الباكستانيّون والقطريّون، وقال فانس نائب الرئيس الأميركي شيئين: الرئيس ترامب يريد شرقاً أوسط مختلفاً، ويريد تغييراً في العلاقات والثقة مع الشعب الإيرانيّ.

إقرأ أيضاً: هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

أمّا الجلسة الأولى في المحادثات فتشمل ثلاثة موضوعات: ترتيبات الملفّ النوويّ، الأموال الإيرانيّة المجمّدة، ووقف النار والانسحاب من لبنان.

تبدو مشكلة  العرب الكبرى الآن في لبنان الواقع بين إيران وإسرائيل. لكنّ إيران ستظلّ تشغلنا نحن العرب جميعاً إلى دهرٍ طويلٍ مقبل!

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

العرب يدفعون فاتورة الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ!

يعتقد الرئيس دونالد ترامب أنّ تدخّلاته في غزّة ولبنان وإيران هي من أكبر انتصاراته، لكنّ هناك تقارير تحذّر من أنّ هذا التدخّل سيكون المقتل السياسيّ…

أول قراءة سعودية في تعهدات مذكرة التفاهم

تؤكد مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية صحة وصف الدبلوماسيين الإيرانيين بأنهم مفاوضون من طراز استثنائي. فنحن أمام انتصار تفاوضي إيراني بامتياز، مقابل أكبر فشل في تاريخ…

الصّخب في سويسرا والدّفع في مصارف إيران

رافق الكثير من الصخب الإعلاميّ انطلاقة مفاوضات سويسرا بين أميركا وإيران، لا سيما من الجهة الإيرانيّة. من مظاهر الصخب الإيحاء بأنّ طهران فرضت عنوان لبنان…

الفصائل العراقيّة بين الاندماج والعزلة السّياسيّة

هل دخل العراق فعليّاً مرحلة حصر السلاح بيد الدولة؟ هل تمثّل خطوات رئيس الوزراء عليّ الزيديّ بداية مسار طويل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفصائل…