هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

مدة القراءة 7 د

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على عقد الاتّفاق، وإيران مستقوية، وإسرائيل غاضبة، ولبنان واقعٌ بين الجبهات المتشابكة. تبدو الفُرَص بالنسبة للبنان متضائلة، فإسرائيل تخترق البلاد من الوريد إلى الوريد. وإيران مصرّة على استخدام “الحزب”، ولا أحد يعرف ماذا يخبّئه الغد للوطن الصغير المنقسم.

 

 

المطالب المعروفة لأميركا من إيران: فتح مضيق هرمز، إنهاء قضيّة النوويّ، وإيقاف دعم الأذرع. والمتفائلون يضيفون: عدم الاعتداء على دول الخليج. وكما يُستنتج من “التفاؤل” الباكستانيّ، ما بقي من هذه المطالب للتحقّق القريب فتح مضيق هرمز الذي تحوطه أيضاً شروط، وأمّا النوويّ فهو مؤجَّل للمفاوضات الأطول، في حين ترتبط المطالب الأخرى بشروطٍ تزداد تصاعداً.

المفهوم أيضاً من التفاؤل الباكستانيّ عن الشروط الإيرانيّة أو المطالب: استرداد إيران لأموالها المحتجَزة، وإدخال لبنان أو بالأحرى “الحزب” في الاتّفاق الكبير بين أميركا وإيران، ودونما وضوح في تنظيم فتح المضيق، ودونما وضوح أيضاً في قضيّة النوويّ ومصائره. 

أعلنت إيران الانتصار بالفعل. فصحيح أنّ الخراب عندها كبير نتيجة الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة، لكنّ النظام لم يسقط ولا هو مهدّد بالسقوط

ورقة في جيب إيران؟

أعلنت إيران الانتصار. صحيح أنّ الخراب عندها كبير نتيجة الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة، لكنّ النظام لم يسقط ولا هو مهدّد بالسقوط، وحلفاء أميركا بمن فيهم إسرائيل في توتّرٍ وقلق، و”الحزب” على الرغم من الجهود الإسرائيليّة لإزالته باقٍ، وقد يصبح طرفاً دائماً في العلاقة، وكلّ ما فعلته الدولة اللبنانيّة للإمساك بزمام الأمور لم يُثمر، لأنّ الأميركيّين، استعجالاً للاتّفاق، يميلون إلى إعطاء إيران و”الحزب” هذه الميزة التي كانت له طوال قرابة عقود ثلاثة، فهو يتحرّك على أرض الدولة اللبنانيّة، ويتحرّش بإسرائيل وغيرها، لكنّ التفاوض يكون معه أو مع إيران، وليس مع الدولة اللبنانيّة أو مع إسرائيل!

بناءً على الضمانات الأميركيّة، ذهبت الدولة اللبنانيّة للتفاوض المباشر مع إسرائيل في واشنطن. وبعد جولاتٍ أربع، ظلّ لبنان هو المبادر إلى طرح الأفكار والمشروعات، وهمُّه الأوحد، بعد كثرة البنود، إحقاق البند الوحيد، وهو وقف إطلاق النار من جانب إسرائيل التي وصلت في غاراتها واحتلالاتها إلى مدينة النبطيّة، ماضيةً باتّجاه الزهراني والأوّلي أو ما هو أبعد. حتّى الرئيس نبيه برّي مشى أخيراً في مسألة وقف النار، أي وقف المزيد من التخريب والاحتلال وحسب. فحتّى الانسحاب ما عاد أحدٌ يتحدّث عنه جدّياً.

ماذا فعلت إسرائيل؟ كانت تتحدّث كثيراً عن التفاوض المباشر. لكن عندما آن الأوان، بسبب تنازل لبنان، ما مضت إلى واشنطن للتفاوض إلّا غصباً عنها وحجّتها الحاجة إلى ضمانات، أهمّها ألّا يعود الحزب المسلَّح إلى الإغارة عليها كما فعل سابقاً، لا سيما في الحروب الأخيرة منذ عام 2023. فهل تستطيع الدولة اللبنانيّة ضمان ذلك؟ بالطبع لا تستطيع لعدّة أسباب. فقد فشلت محاولتها الأولى لإجلاء “الحزب” من جنوب الليطاني، على الرغم من الموافقة الظاهرة على ذلك، بل والعلنيّة، من جانب الرئيس برّي. ثمّ إنّ الحكومة اللبنانيّة تصرّح بدون تردّد أنّها لا تستطيع نزع سلاح “الحزب” في أيّ مكانٍ بالقوّة بسبب قدرات الجيش المعروفة، ولأنّ معظم الشيعة، الذين يشكّلون نسبة مهمّة من الشعب اللبنانيّ، لا يقبلون بذلك، والحزبيّون والناشطون منهم يهدّدون ويتّهمون كلّ الوقت رئيسَي الجمهوريّة والحكومة.

هناك سبيل واحد لمنع “الحزب” من مهاجمة إسرائيل، وهو أن تطلب منه إيران ذلك، وهي التي استخدمت “الحزب” منذ الثمانينيّات من القرن الماضي ضدّ أميركا وإسرائيل، لكنّها حوّلت وتحوّل سلاح “الحزب” إلى ورقة ضمن الصفقة الكبرى مع الولايات المتّحدة، وهكذا يتبيّن أنّه أُضيف إلى رهاناتها الجديدة ليس مضيق هرمز فقط، بل وسلاح الحزب أيضاً!

الأفق مُظلم؟

قبل شهرين كانت واشنطن متحمّسة لاستقلاليّة قرار لبنان وإبعاد إيران و”الحزب” عنه. لكنّها في الأسبوعين الأخيرين، وفي استعجالها لإجراء الصفقة، ما عاد لديها مانع، فيما يبدو، أن تكون بيد إيران ضمانة وقف “الحزب” للنار، وهو الأمر الذي ترفضه إسرائيل، ويرفضه لبنان.

حجة إسرائيل أن اتفاقيات وقف النار السابقة جرت كلّها عملياً مع الحزب، والحزب دائماً، وبأمرٍ من إيران، هو الذي خرج منها وعليها. ومشكلات إسرائيل مع إيران طويلة وعويصة، وليس منها النووي فقط على ضخامة حجمه، ولذلك فإنّ إخضاع إسرائيل ولبنان للضمانات الإيرانية يعني امتداد المشكلة لأعوامٍ وأعوامٍ إضافية (!). ولذلك، ورغم كثرة الأفكار والمشروعات اللبنانية، فإنّ جولة المفاوضات الخامسة بعد عشرة أيام في واشنطن، لا يُنتظر أن تُسفر عن نتائج جدية بالنسبة للبنان وحكومته.

حزب السلاح بلبنان هو حزب عقائديّ، ولذلك القيادة العقائديّة بإيران هي التي تأمر. لكنّ البيئة التي كانت حاضنةً لهذا “الحزب” توشك أن تهلك عن بكرة أبيها

كلّما تنازل لبنان رجاءَ أن تتوقّف النار الإسرائيليّة المحرقة، تزداد إسرائيل توغّلاً وقتلاً وتخريباً، ويزداد منظر الحكومة اللبنانيّة ضعفاً، وتزداد الاتّهامات لها بالتهاون في مسألة السيادة التي ترفع رايتها. وتجيب الحكومة أنّ التفاوض هو السبيل الوحيد لأنّها لا تملك قدرات تجاه “الحزب” أو تجاه إسرائيل. وفي لبنان الآن، في الحرب الأخيرة، حوالي أربعة آلاف قتيل واثني عشر ألف جريح، وخراب أكثر من ستّين بلدة وقرية، واستنزاف اقتصاديّ واجتماعيّ وإنسانيّ، وأكثر من مليون مهجَّر ومشرّد في الشوارع والمدارس ومراكز الإيواء.

من الواضح أنّ معظم المشكلات (ربّما باستثناء مضيق هرمز؟) بعد توقيع الاتّفاق بين أميركا وإيران لن تجد حلّاً. يقول الإسرائيليّون إنّهم سيكونون أوّل أو أكبر الخاسرين، لأنّ النوويّ باقٍ لمفاوضات مقبلة، و”الحزب” باقٍ دون مفاوضاتٍ مقبلة! أمّا الحكومة اللبنانيّة فستزداد ضعفاً. ولا أحد يعرف، هذا إذا توقّفت النار الإسرائيليّة تحت ضغط أميركا، متى يحصل الانسحاب، ومتى يعود الناس لقراهم، ومن سيعمِّر هذه المرّة؟!

حزب السلاح بلبنان هو حزب عقائديّ، ولذلك القيادة العقائديّة بإيران هي التي تأمر. لكنّ البيئة التي كانت حاضنةً لهذا “الحزب” توشك أن تهلك عن بكرة أبيها. يقال إنّ ضبّاط الحرس الثوريّ هم الذين يقودون “الحزب” في المعارك حتّى الآن، وإنّ هناك ميليشيات عقائديّة من العراق وغيره تقاتل مع “الحزب”. وهكذا، حتّى عقائديّو أفغانستان وباكستان الذين كانوا بسوريا، عندهم أرض جديدة للنضال.

إقرأ أيضاً: الدّفاع عن طهران… يبدأ من بيروت

على من تقع المسؤوليّة عمّا نحن فيه أو كنّا فيه وما نزال؟ أيّام الوجود الفلسطينيّ كنّا نقول: حرب الآخرين على أرض لبنان. وما أفدنا من التجربة الفلسطينيّة، بل جاء الجيش السوريّ ليزيد الدولة ضعفاً. ومنذ قرابة ثلاثة عقود يسطو الإيرانيّون وميليشياتهم على القرار اللبنانيّ. السلطة الحاليّة هي أوّل من تمرّد على مسلَّمات الاستضعاف. لكنّ هذا الواقع المُقبض ما أمكن الخروج منه حتّى بمعاونة أميركا. هناك خمسة ملايين لبنانيّ متضرّر، وما في العالم دولة تشكو من الضعف ما تشكو منه الدولة اللبنانيّة، لأنّ شعبها منقسمٌ أيضاً.

وسط هذا كلّه، هل هناك فرصة وسط الظروف المتشابكة والضغوط المتصارعة؟ لا بديل عن الأمل وإن لم تظهر للحلول والبدائل معالم!

مواضيع ذات صلة

لبنان رهينة “الحرس” ونتنياهو: من يوقف الحرب؟

يرصد أركان الحكم اللبنانيّ، والأوساط الدبلوماسيّة الداعمة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة في واشنطن، مدى التزام “حرس الثورة” في إيران من جهة، وبنيامين نتنياهو من جهة…

هل تشتري إيران بقاء النظام بأموال الغرب؟

في كلّ مرّة تقترب فيها طهران من طاولة التفاوض مع واشنطن، يظنّ العالم أنّ المعركة تدور بين خصمين خارجيَّين. لكنّ الحقيقة أنّ أخطر المعارك قد…

إسرائيل… شعورٌ جماعيٌ بهزيمة

قرر العالم تحت ضغط الحاجة، إبداء تفاؤلٍ جماعيٍ حول الاتفاق الأمريكي الإيراني، الذي سيجري التوقيع عليه قريباً في سويسرا.   الاستثناء الوحيد الذي ظهر كتشاؤمٍ…

نواف سلام وإنقاذ الإنقاذ!

هو مسلم لكنه يحترم كل الأديان، وهو سني لكنه يرفض المذهبية، وهو سياسي لكنه ليس متحزباً، وهو رجل قضاء من أرفع الدرجات ولكنه تعلم ألا…