عندما وضع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي الإطار العامّ للموقف الإيرانيّ من الانتفاضة الشعبيّة التي اندلعت في سوريا، كان يدرك أنّ تداعيات ما سُمّي بثورات الربيع العربيّ ستنتهي إلى تغيير جيوسياسيّ كبير في الشرق الأوسط لن يكون في مصلحة إيران ومشروعها الإقليميّ. لذلك كان واضحاً في رسم معادلته الاستراتيجيّة التي ربطت بين الدفاع عن دمشق والدفاع عن طهران، معتبراً أنّ سقوط الأولى سيؤدّي حتماً إلى سقوط الثانية أو في الحدّ الأدنى إلى انكشافها أمام أيّ محاولة لإسقاطها.
دفع اغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله في لبنان، والانتكاسة التي تعرّض لها “الحزب” خلال الهجوم الإسرائيليّ الواسع على لبنان بعد حرب الإسناد، وما حمله ذلك من اضطراب في الموازين والمعادلات الاستراتيجيّة التي كانت طهران تراهن عليها، دفع القيادة الإيرانيّة إلى إعادة النظر في كثير من حساباتها. كان “الحزب” يشكّل ركناً أساسيّاً في المشروع الإقليميّ الإيراني، بما يمتلكه من قدرات وإمكانات عسكريّة وسياسيّة اعتُبرت لسنوات طويلة جزءاً من منظومة مواجهة المشاريع والطموحات الإسرائيليّة في المنطقة.
سهّل هذا الاغتيال على القيادة الإيرانيّة استيعاب حجم التحوّلات المقبلة في المنطقة، ومهّد الأرضيّة لاستيعاب المتغيّر الكبير الذي شهدته سوريا أواخر عام 2024، والمتمثّل في انهيار النظام الحاكم وهروب الرئيس بشّار الأسد، وما عنته هذه التطوّرات من خسارة إيران للساحة السوريّة، التي شكّلت لعقود رأس الجسر الرابط بين طهران وتفرّعات نفوذها الإقليميّ. وبات واضحاً بالنسبة إليها أنّ المنطقة دخلت مساراً جديداً يفرض حقائق كانت ترفض سابقاً الاعتراف بإمكان حدوثها.
إذا كانت القيادة الإيرانيّة تدرك أنّها تقع في واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسيّة تعقيداً في العالم، وفي قلب أكثر أقاليم غرب آسيا حساسيّة، فإنّها تحاول في المقابل منع خصومها من تحويل هذا الموقع الجغرافيّ إلى عبء على طموحاتها أو مصدر تهديد لمشاريعها.
ترى طهران أنّ أيّ خلل في التعامل مع التهديدات التي تستهدف موقعها ودورها الجيوسياسيّ لا يمكن التساهل معه
لا تساهل مع استهداف الموقع والدّور
لذلك اختارت توظيف موقعها الجيوسياسيّ في رسم سياساتها واستراتيجياتها بما يضمن حماية مصالحها ومستقبل حضورها في المعادلات الإقليميّة ويحافظ في الوقت نفسه على استقرارها الداخليّ. ومن هذا المنطلق، ترى طهران أنّ أيّ خلل في التعامل مع التهديدات التي تستهدف موقعها ودورها الجيوسياسيّ لا يمكن التساهل معه.
انطلاقاً من هذه المعادلة، يمكن فهم التصعيد العسكريّ الذي وقع بين القوّات الإيرانيّة والأميركيّة على خلفيّة إسقاط المروحيّة الأميركيّة من طراز “أباتشي” في مياه مضيق هرمز، الذي دفع واشنطن إلى شنّ هجمات مركّزة على عدد من المنشآت والأصول العسكريّة والأمنيّة في بعض الجزر والمدن الساحليّة الإيرانيّة، قبل أن تردّ طهران باستهداف واحد وعشرين موقعاً أميركيّاً في الشرق الأوسط.

تقوم المعادلة الإيرانيّة القديمة ـ الجديدة على أنّ إيران قادرة على حماية حدودها المباشرة والدفاع عنها، بل واستعادتها في حال تعرّضت لاحتلال مباشر. إلّا أنّ ما لا يمكن السماح به، وفق هذه الرؤية، هو خسارة أيّ موقع جيوسياسيّ في الإقليم أو التهاون في التعامل مع أيّ تهديد يستهدفه.
لبنان خطّ الدّفاع الأوّل
من هنا جاءت المعادلة الإيرانيّة الجديدة، التي شكّلت الدافع للعمليّة العسكريّة التي أطلقت عليها طهران اسم “نصر”، والتي استهدفت العمق الإسرائيليّ بعد الغارة التي نفّذتها تل أبيب على الضاحية الجنوبيّة لبيروت. تنظر المعادلة الاستراتيجيّة الإيرانيّة إلى الجبهة اللبنانيّة باعتبارها خطّ الدفاع الأوّل عن طهران، وترى أنّ استهداف الضاحية الجنوبيّة يشكّل استهدافاً مباشراً للعاصمة الإيرانيّة، وأنّ خسارة أيّ منطقة في الجنوب اللبنانيّ أمام إسرائيل تعادل، في الحسابات الاستراتيجيّة الإيرانيّة، خسارة منطقة إداريّة من العاصمة طهران نفسها.
المشهد الذي ترسمه هذه المواجهات بين واشنطن وطهران من جهة، وبين طهران وتل أبيب من جهة أخرى، بات مرتبطاً بشكل مباشر بمسار المفاوضات
يعني هذا الموقف أنّ القيادة الإيرانيّة تريد إيصال رسالة واضحة إلى الإدارة الأميركيّة وإلى تل أبيب مفادها أنّها ما تزال متمسّكة بالسقف الذي طالبت به خلال مفاوضات وقف الحرب في إسلام آباد، وأنّ أيّ اتّفاق مستقبليّ يجب أن يشمل جميع الجبهات، وفي مقدَّمها الساحة اللبنانيّة.
ينطلق هذا الموقف من محاولة تثبيت معادلة عقائديّة وعسكريّة تعتبر أنّ الجبهة اللبنانيّة ليست جبهة فرعيّة يمكن لإسرائيل استغلالها لتنفيذ أهدافها في لبنان والمنطقة، بل هي جزء من استراتيجية “وحدة الساحات” وتشكّل عمقاً استراتيجيّاً للأمن القوميّ الإيرانيّ. وما يشهده المحيط الجغرافيّ لإيران من مواجهات متفرّقة مع القوّات الأميركيّة لا يمكن أن يشغلها عمّا يجري في لبنان، وتؤكّد باستمرار أنّها في حالة استعداد واستنفار دائمين في مختلف قطاعاتها الصاروخيّة ووحدات الطيران المسيّر للتدخّل والردّ عند الضرورة.
مسار المفاوضات
إنّ المشهد الذي ترسمه هذه المواجهات بين واشنطن وطهران من جهة، وبين طهران وتل أبيب من جهة أخرى، بات مرتبطاً بشكل مباشر بمسار مفاوضات وقف إطلاق النار والأوراق التفاوضيّة المتبادلة بين الأطراف المختلفة، حيث أصبحت كلّ ورقة في يد طرف مرتبطة بورقة مقابلة لدى الطرف الآخر.
ترى القيادة الإيرانيّة أنّ هذا المشهد يشكّل ردّاً سياسيّاً ومعنويّاً على فشل الأهداف التي وضعتها الولايات المتّحدة وإسرائيل للحرب التي شُنّت على إيران
قد يكون إعلان اتّفاق نهائيّ بحاجة إلى أيّام إضافيّة، ما لم يعمد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى محاولة عرقلته أو إفشاله، لا سيما إذا شعر بأنّ مثل هذا الاتّفاق قد يساهم في إعادة تثبيت جزء من المعادلة الإقليميّة لمصلحة إيران، ولو بصورة نسبيّة، وخصوصاً على الساحة اللبنانيّة، وهو ما يحمل انعكاسات سلبيّة على المشروع الإسرائيليّ وموقع تل أبيب في التوازنات الإقليميّة.
في هذا السياق، تراقب إسرائيل عن كثب الإجراءات والتحضيرات التي يقوم بها النظام الإيرانيّ استعداداً لتشييع جثمان المرشد الأعلى علي خامنئي بدءاً من 4 تمّوز المقبل، وكيف تحاول طهران إظهار تماسكها الداخليّ وقدرة النظام على الاستمرار من خلال مراسيم التشييع وضخامة الجنازة كما هو متوقّع.
إقرأ أيضاً: إيران و”الحزب”.. أكثر من حليف وأكبر من ساحة
ترى القيادة الإيرانيّة أنّ هذا المشهد يشكّل ردّاً سياسيّاً ومعنويّاً على فشل الأهداف التي وضعتها الولايات المتّحدة وإسرائيل للحرب التي شُنّت على إيران، وأنّ هذا الفشل قد لا يقتصر على الساحة الإيرانيّة وحدها، بل قد يمتدّ إلى ساحات أخرى في المنطقة أيضاً.
