الشيباني في بيروت: العلاقة من “خُرم” المؤسسات

مدة القراءة 6 د

يوازي مضمون لقاءات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع المسؤولين اللبنانيين، الشكليات الإيجابية التي أحاطت بالزيارة والتي اتسمت، خلافاً للمرة السابقة، بتوسيع مروحة جولته البيروتية… حيث يكمن كل الفرق. اذ أنّه اقتضب في زيارته الأولى في تشرين الأول 2025، لدرجة اقتصارها على رئيسيّ الجمهورية والحكومة، فيما اختار في هذه اللحظة السياسية الحرجة، أن يقوم بجولة موسّعة تحمل في رمزيتها الكثير من الرسائل السياسية، الموجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.

 

تنطوي زيارة الشيباني على أهمية مضاعفة نظراً للظروف السياسية المحيطة بها، والمرتبطة بشكل أساسي بكلام عن دور سوري عسكري في لبنان، حيث يجدر التوقف عند الاعتبارات التي رافقت الزيارة:

  • على خلاف الزيارة السابقة، كانت عين التينة المحطة الثانية في جولة وزير الخارجية السوري الذي حرص على لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل يفتح باب النظام السوري الجديد على الثنائي الشيعي، لا سيما بعد الرسائل الإيجابية التي وجهها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى “الحزب”، حيث أكد أنّه “إذا كان ذلك يخدم مصالح لبنان وسوريا، فهو منفتح على الحوار مع الحزب”. اللافت في هذه المحطة هي الخلوة التي جمعت بري والشيباني من دون الوفد المرافق، على عكس اللقاءات الأخرى.
  • تعمّد الشيباني إضفاء طابع سياسي عريض على لقاءاته من خلال الاجتماع بمرجعيات روحية وسياسية متنوعة خارج الإطار الرسمي الضيق. وتؤشر هذه الحركة إلى أن النظام السوري الجديد حريص على إعادة صياغة علاقاته مع كافة المكونات اللبنانية، وتقديم نفسه كطرف منفتح على التنوع اللبناني، وضامن للاستقرار عبر قنوات تواصل لا تستثني أحداً في هذه المرحلة الانتقالية.

لكن لهذه الجولة معناها الخاص، اذ أنّها تؤشر إلى انخراط سياسي لافت للنظام السوري الجديد على الساحة اللبنانية، وهو انخراط ينبع من رغبة دمشق في حجز مقعد “اللاعب والوسيط الإقليمي” القادر على التأثير في صياغة التوازنات اللبنانية وإدارة الأزمات المشتركة، ولا سيما ملفي الأمن والحدود.

يأتي هذا التحرك الدبلوماسي المكثف بمثابة بديل يعوض النفوذ التقليدي المباشر؛ فبالرغم من تأكيدات الرئيس الشرع المتكررة والحاسمة برفض دمشق القاطع لأي انخراط عسكري أو أمني مباشر في لبنان، ونفيه الشائعات حول دور ميداني مفترض لضبط الساحة اللبنانية، فإن النظام الجديد يبدو مدركاً لخطورة ترك الساحة البيروتية لترتيبات دولية لا يكون شريكاً فيها.

من هنا، يسعى الشيباني من خلال التنقل المرن بين المقار الرسمية، والسياسية، والروحية إلى تقديم بلاده كضمانة سياسية قادرة على محاورة الجميع؛ في خطوة تفصل بوضوح بين النأي بالنفس عن التورط العسكري والميداني، وبين التمسك بالثقل السياسي والدبلوماسي، التاريخي والجغرافي، لدمشق في بيروت.

تتسم الزيارة بطابع انفتاحي على المكونات اللبنانية تهدف بشكل خاص إلى شرح وضع سوريا تجاه لبنان من باب تأكيد المؤكد: لا تدخّل عسكري سوري في لبنان

تأطير العلاقة

  • استقبل لبنان وزير الخارجية السوري بمشروع اتفاقية بين الحكومتين اللبنانية والسورية لإنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، في خطوة تهدف إلى تنظيم التعاون الثنائي بين البلدين على المستوى الرسمي، لتكون هذه الاتفاقية الإطار البديل للمجلس الأعلى اللبناني السوري الذي علّقت الحكومة اللبنانية العمل فيه في آذار الماضي.

إذ إنّ الانتقال في تأطير العلاقة بين لبنان وسوريا من المجلس الأعلى اللبناني السوري الذي طبع مرحلة نظام آل الأسد، إلى اللجنة العليا المشتركة، يؤشر إلى فتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين تحاكي التغييرات الجذرية الحاصلة في دمشق وبيروت على حد سواء.

المجلس الأعلى، الذي أُسس في تسعينيات القرن الماضي في ظل “معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق”، كان ينظر إليه من جانب شريحة واسعة من اللبنانيين كأداة قانونية كرّست هيمنة النظام السوري السابق على القرار السيادي اللبناني، واختزالاً للعلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين دولتين جارتين. أما اليوم، فإنّ صياغة إطار “اللجنة العليا المشتركة” تعكس رغبة متبادلة في الانتقال بالعلاقات نحو مفهوم “الدولة إلى الدولة” القائم على احترام السيادة، ومأسسة الملفات الحيوية المشتركة، كالحدود، والأمن، والاقتصاد، وملف النازحين، بعيداً عن الإملاءات السياسية السابقة.

هذا التحوّل الإداري والدبلوماسي يمنح حكومة دمشق الجديدة فرصة لتقديم أوراق اعتمادها كدولة تحترم الخصوصية اللبنانية، في حين يتيح لبيروت فرصة تنظيم علاقاتها مع عمقها العربي عبر قنوات رسمية، ما يسقط الإرث المعقد للمرحلة الماضية ويؤسس لنموذج تعاوُن مرن يتلاءم مع متطلبات المرحلة الانتقالية الراهنة وموازين القوى الجديدة في المنطقة.

إقرأ أيضاً: “المناطق التجريبية” خارج الخدمةّ حالياً!

زيارة تطمينية

في المضمون، تقول المعلومات إنّ الزيارة كانت تطمينية بشكل عام، لكل اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، تناولت:

  • عمل اللجنة العليا التي حرص الشيباني على اعتبارها الإطار القانوني والمؤسساتي الذي سيحكم علاقة البلدين بعيداً عن الممرات الخلفية ومنطق الاستقواء الذي حكم المرحلة السابقة، وذلك من خلال التنسيق المستمر بين المؤسسات الرسمية من دون سواها.
  • تركيز وزير الخارجية السوري على التأكيد أمام مضيفيه على طيّ صفحة الماضي الذي أساء للعلاقة الثنائية، وعلى التطلع إلى المستقبل لا سيما وأنّ الرئيس السوري حريص على دوام الاستقرار في البلدين، ذلك لأنّ استقرار سوريا من لبنان والعكس صحيح، كما قال الشيباني أمام من التقاهم.
  • نفي وجود أي مشروع انخراط عسكري سوري في لبنان حيث شدد الشيباني في المقابل على إلتزامات سوريا تجاه لبنان لحماية الحدود ومنع التهريب.
  • تأكيد الشيباني انفتاح سوريا على محيطها العربي، وإيلاء الشأن الاقتصادي أهمية مضاعفة في المرحلة المقبلة، حيث قال الشيباني إنّ أفضل طريقة لتكريس الانفتاح والقبول المتبادل هو التركيز على التعاون الاقتصادي وتطويره.

بالنتيجة، تتسم الزيارة بطابع انفتاحي على المكونات اللبنانية تهدف بشكل خاص إلى شرح وضع سوريا تجاه لبنان من باب تأكيد المؤكد: لا تدخّل عسكري سوري في لبنان.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@clairechakar

مواضيع ذات صلة

“المناطق التجريبية” خارج الخدمةّ حالياً!

كرٌر رئيس الجمهورية جوزف عون أن “صيغة الإطار التي انبثقت عن مفاوضات واشنطن تحقٌق منطق الدولة، وتحفظ حقوق لبنان قضائياً وميدانياً”، فيما المساعي المرتبطة ببدء…

الشيباني في بيروت: القلق من الإطاري وتحية إلى طرابلس

لا تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، الخميس المقبل، كزيارة دبلوماسية عابرة. هي زيارة ثانية، لكنّ توقيتها يجعلها مختلفة. فدمشق الجديدة تدخل…

عون يُدشّن بدء تنفيذ “اتّفاق واشنطن”

يدخل اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الموقّع في واشنطن، مرحلة اختبار حسّاسة وخطِرة بعد اصطدامه بفيتو داخليّ واسع تقدّمه “الحزب” والرئيس نبيه برّي والنائب السابق…

اتفاق الإطار: القيام التدريجي للدولة؟

لا تُقاسُ الاتّفاقات، في لحظات التّحوّل الكُبرى، بما تعِدُ به على الورَقِ، بل بقدرتِها على تغييرِ موازين الواقع. من هذا المُنطلَق، يَصعُبُ التعاملُ مع الاتّفاقِ…