هل صار دعم “أيباك” تهمة انتخابيّة؟

مدة القراءة 8 د

في السياسة الأميركيّة حقائق كانت تبدو راسخة إلى درجة أنّها أقرب إلى قوانين الطبيعة منها إلى المواقف السياسيّة. من بينها أنّ الوقوف إلى جانب إسرائيل يُربح الأصوات ولا يخسّرها، وأنّ دعم لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة – الإسرائيليّة “أيباك” يفتح الأبواب أكثر ممّا يغلقها، وأن أيّ سياسيّ يطمح إلى منصب وطنيّ كبير لا يغامر بالابتعاد كثيراً عن الإجماع التقليديّ المؤيّد لتل أبيب. لكنّ ما كان يبدو ثابتاً لعقود بدأ يتحرّك.

 

في مشهد كان من الصعب تخيّله قبل سنوات قليلة، بات بعض المرشّحين يتجنّبون إعلان دعم اللوبي المؤيّد لإسرائيل، فيما يتباهى آخرون برفض أمواله. وأصبح الاقتراب من إسرائيل، في دوائر انتخابيّة متزايدة، قراراً يحتاج إلى تبرير، بعدما كان الابتعاد عنها هو الذي يحتاج إلى تبرير.

لا يتعلّق الأمر بخلاف عابر على حرب غزّة، ولا بجدل مؤقّت موضوعه بنيامين نتنياهو أو إدارة أميركيّة بعينها. ما يجري أعمق من ذلك. إنّه تحوُّل بطيء لكن متواصل في نظرة الأميركيّين إلى إسرائيل، وفي موقعها داخل الحياة السياسيّة الأميركيّة، وفي الكلفة الانتخابيّة المترتّبة على تأييدها أو انتقادها.

لم تعتمد إسرائيل على المساعدات العسكريّة أو الدعم الدبلوماسيّ فقط، بل على وجود إجماع أميركيّ واسع يعتبر الوقوف إلى جانبها أمراً بديهيّاً لا يحتاج إلى شرح أو تبرير

سلبيّة غير مسبوقة؟

لأنّ السياسة الأميركيّة في نهاية المطاف تُقاس بالأصوات لا بالشعارات، فإنّ هذا التحوّل قد يكون واحداً من أكثر المتغيّرات تأثيراً في الانتخابات النصفيّة المقبلة، وربّما في السباق الرئاسيّ الذي يلوح في الأفق بعد ذلك.

ليست هذه قراءة انطباعيّة أو رغبة يسقطها مراقب على المشهد، بل وقائع موثّقة ترصدها أكثر مراكز الاستطلاع رصانة. فقد أظهر استطلاع لمركز “بيو” أنّ ستّين في المئة من الأميركيّين باتوا ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبيّة، مقابل سبعة وثلاثين في المئة فقط يحتفظون لها بصورة إيجابيّة. والأكثر دلالة أنّ عدد الذين يحملون رأياً “سلبيّاً جدّاً” تضاعف مرّات عدّة خلال سنوات قليلة.

لكنّ الرقم الأهمّ ليس النسبة العامّة، بل هويّة أصحابها.

ترتفع النظرة السلبيّة بين الأميركيّين دون سنّ الخمسين إلى مستويات غير مسبوقة. لم تعد تنظر الأجيال التي تشكّل مستقبل السياسة الأميركيّة إلى إسرائيل بالعين نفسها التي نظر بها جيل الحرب الباردة أو جيل ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. بالنسبة إلى كثير من الشباب الأميركيّ، لم تعد إسرائيل تُعرّف باعتبارها “الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط”، بل من خلال صور الحرب في غزّة، قضايا حقوق الإنسان، والنقاشات المتعلّقة بالعدالة والهويّة والاستعمار والتمييز. بمعنى آخر، تتغيّر السرديّة نفسها.

لم يعد هذا التحوّل حكراً على الحزب الديمقراطيّ كما كان يُعتقد. فقد أظهرت استطلاعات “غالوب” تراجع مستويات التعاطف مع إسرائيل داخل القاعدة الجمهوريّة أيضاً، فيما أظهرت استطلاعات أخرى أنّ نسبة متزايدة من الأميركيّين ترى أنّ واشنطن تقدّم دعماً مفرطاً لتل أبيب.

لا يعكس هذا التحوُّل تبدّلاً في الرأي العامّ، بل يكشف تصدّعاً في أحد أعمدة الإجماع السياسيّ الأميركيّ الذي ظلّ قائماً لعقود.

لكنّ الأرقام، مهما بلغت أهمّيّتها، لا تغيّر السياسات ما لم تتحوّل إلى أصوات انتخابيّة. وما كان يُنظر إليه قبل سنوات على أنّه تبدّل مزاجيّ عابر بدأ اليوم يترجم نفسه في صناديق الاقتراع وفي حسابات المرشّحين الذين يقيسون مواقفهم بميزان الربح والخسارة لا بميزان العواطف. ومن هنا تبدأ قصة “أيباك”.

كان اللوبي المؤيّد لإسرائيل يُعدّ لسنوات طويلة أحد أكثر مراكز النفوذ السياسيّ فاعليّة في واشنطن. وكانت قدرته على تمويل الحملات الانتخابيّة أو استهداف خصومه تمنحه سمعة تكاد تكون أسطوريّة في الحياة السياسيّة الأميركيّة.

في دورة 2024 الانتخابيّة أنفق اللوبي وحلفاؤه أكثر من مئة مليون دولار لدعم حلفائه وإسقاط منتقدي إسرائيل. لكنّ الانتخابات الأخيرة أظهرت أنّ المال لم يعد يضمن النتائج نفسها.

تمكّن مرشّحون استُهدفوا بحملات مموّلة من اللوبي من الفوز على الرغم من الإنفاق الضخم ضدّهم. وحوّل آخرون معارضة “أيباك” إلى جزء من هويّتهم السياسيّة. بل إنّ بعض المرشّحين بدأوا ينظرون إلى ارتباط خصومهم باللوبي باعتباره نقطة ضعف انتخابيّة لا نقطة قوّة.

بدلاً من التفاخر بتأييد “أيباك”، بات بعض السياسيين البارزين يعلنون صراحة أنّهم لم يقبلوا دعماً منها ولن يقبلوه مستقبلاً. وعندما تصدر هذه المواقف عن أسماء يجري تداولها كمرشّحين محتملين للبيت الأبيض في عام 2028، يصبح من الصعب اعتبار الأمر تكتيكاً انتخابيّاً محلّيّاً. إنّه مؤشّر إلى اتّجاه سياسيّ آخذ في الاتّساع. واللافت أنّ التحوّل لا يقتصر على الديمقراطيّين.

بدأ يظهر داخل الحزب الجمهوريّ نفسه شرخ متزايد بين المحافظين التقليديّين الذين يرون في دعم إسرائيل التزاماً استراتيجيّاً وأخلاقيّاً ثابتاً، وبين تيّار “أميركا أوّلاً” الذي يتساءل عن جدوى الانخراط الأميركيّ المستمرّ في نزاعات الشرق الأوسط وعن كلفة الدعم غير المشروط للحلفاء في الخارج.

السياسة الأميركيّة في نهاية المطاف تُقاس بالأصوات لا بالشعارات، فإنّ هذا التحوّل قد يكون واحداً من أكثر المتغيّرات تأثيراً في الانتخابات النصفيّة المقبلة، وربّما في السباق الرئاسيّ الذي يلوح في الأفق بعد ذلك

لا يزال هذا الانقسام محدوداً، لكنّه يزداد وضوحاً مع كلّ أزمة إقليميّة جديدة. وربّما جاءت أوضح الإشارات من داخل الإدارة الأميركيّة نفسها. فقد خرج نائب الرئيس جي دي فانس بتصريحات نادرة اللهجة حذّر فيها الإسرائيليّين من سوء تقدير حجم الدعم الدوليّ الباقي لهم، مشيراً إلى أنّ الرئيس دونالد ترامب يكاد يكون من آخر القادة الغربيّين الذين لا يزالون يقدّمون دعماً سياسيّاً واسعاً لإسرائيل.

لم تكن تلك الكلمات ملاحظة عابرة وحسب، بل رسالة سياسيّة تحمل مضموناً واضحاً: إسرائيل لم تعد تتمتّع بالمكانة المريحة نفسها التي اعتادتها داخل الرأي العامّ الغربيّ.

الإجماع بدأ يتآكل؟

كان ترامب نفسه قد بعث برسائل مشابهة عندما مارس ضغوطاً على حكومة بنيامين نتنياهو لاحتواء بعض خطواتها العسكريّة، في مؤشّر إلى أنّ الإدارة باتت تنظر أحياناً إلى سياسات نتنياهو باعتبارها عبئاً على أولويّاتها الإقليميّة والدوليّة، لا جزءاً تلقائيّاً من أجندتها.

الأهمّ أنّ إسرائيل لم تعد تواجه معركة صورة داخل الجامعات الأميركيّة فقط، بل داخل الطبقة السياسيّة نفسها، فالمرشّح الذي كان يتباهى قبل سنوات بصورة تجمعه بقيادات “أيباك” بات يسأل مستشاريه اليوم إن كانت تلك الصورة ستجلب أصواتاً أم ستنفّرها. وهذه ليست أزمة علاقات عامّة عابرة، بل بداية تحوّل في البيئة السياسيّة التي شكّلت لعقود أحد أهمّ عناصر القوّة الإسرائيليّة في العالم.

في السياسة، تبقى المواقف ثابتة ما دامت كلفتها محدودة. وحين ترتفع الكلفة تبدأ الحسابات بالتغيّر.

لقد كان دعم إسرائيل لعقود طويلة موقفاً سياسيّاً مريحاً. يمنح السياسيّ الأميركيّ أصواتاً وتمويلاً ويحميه من الهجمات. أمّا اليوم فلم تبدأ المعادلة تتبدّل لأنّ الطبقة السياسيّة الأميركيّة اكتشفت فجأة حقائق جديدة عن الشرق الأوسط، بل لأنّ الناخب الأميركيّ نفسه يتغيّر، ولأنّ السياسيّين يتبعون الناخب في النهاية أكثر ممّا يقودونه.

ربّما لا تزال العلاقة الأميركيّة – الإسرائيليّة أقوى من أن تهزّها دورة انتخابيّة أو خلاف بين رئيس ورئيس وزراء. لكن لا يتغيّر اليوم جوهر العلاقة بقدر ما يتغيّر المناخ السياسيّ الذي يحميها.

إقرأ أيضاً: الشّرعيّات أساس نجاح التّسويات

لم تعتمد إسرائيل على المساعدات العسكريّة أو الدعم الدبلوماسيّ فقط، بل على وجود إجماع أميركيّ واسع يعتبر الوقوف إلى جانبها أمراً بديهيّاً لا يحتاج إلى شرح أو تبرير.

يتآكل هذا الإجماع ببطء، لكنّه يتآكل فعلاً. والخطر على إسرائيل ليس أن تخسر رئيساً أو حزباً أو انتخابات، بل أن تخسر مكانتها كقضيّة فوق السياسة. عندما تصبح إسرائيل موضوعاً خلافيّاً داخل المجتمع الأميركيّ، تخضع لقوانين السياسة نفسها التي تخضع لها بقيّة الملفّات: حسابات الأصوات، تقلّبات المزاج الشعبيّ، وصعود الأجيال الجديدة.

عندها لا تعود المشكلة في البيت الأبيض أو الكونغرس، بل في المرآة التي تنظر منها أميركا إلى إسرائيل. وتلك مرآة يصعب على أيّ لوبي، مهما بلغ نفوذه أو حجم أمواله، أن يغيّر ما تعكسه إلى الأبد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

بيروت ساحة الصّراع الرّئيسيّة مع إيران

تعيش إيران، على وقع التفاهم المرحليّ مع واشنطن، نشوة ما تحسبه انتصاراً استراتيجيّاً، مستندة إلى نجاة نظامها من الحرب الأميركيّة والإسرائيليّة غير المسبوقة عليها. لكنّ…

إيران: انتصار وهمي أم هزيمة مؤجلة؟

بعيداً عن التحليل العاطفي والتمنيات، لا بدّ من قراءة متأنّية للمكاسب والخسائر من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على النظام الإيراني. لتقييم الموقف بموضوعية، يُقاس النصر…

لبنان: ترامب يسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو

تفرض مذكّرة التفاهم واقعها على لبنان. بات مصير البلد ركناً من تفاهمات واشنطن وطهران، وبات على أطراف الصراع أخذ ذلك بالاعتبار. قد يشعل الأمر في…

الشّرعيّات أساس نجاح التّسويات

لو لم يكن في مصر شرعيّةٌ مستقرّة لما تمكّن الرئيس الراحل أنور السادات من الإقلاع بطائرته من مطار القاهرة لتهبط به في مطار بن غوريون…